على مدار الساعة
أخبار » في الهدف

الاعتراف بالواقع أول خطوات العلاج

12 آذار / مارس 2017

الظروف الراهنة التي تمر بها القضية الفلسطينية وشعبها، تملي على كل مكونات الفعل السياسي والاجتماعي، وفي مقدمتها القيادات والفصائل، ضرورة إطلاق كل طاقة التفكير والابداع، بما في ذلك النقد والمراجعة. لقد تقلصت المحظورات في تناول كل القضايا طالما أ الهدف التطوير والتمكين، وتعزيز النضال الوطني لتحقيق الأهداف الوطنية التي لم يعد النضال من أجل تحقيقها حكراً أو احتكاراً لفصيل أو قيادة.

 في عالم اليوم لم تعد السرية والتكتم على الحقائق ممكنة، والكل يعلم بأن العدو الإسرائيلي يمتلك من الوسائل والامكانيات ما يجعله قادراً إلى حد كبير على الوصول إلى المعلومات، حتى أن البعض يعتقد أن هذا العدو يحصي أنفاس الفاعلين في الشأن الفلسطيني. لم تعد الفصائل كبيرها وصغيرها ملكاً حصرياً أعضائها وكوادرها وقياداتها، فهي أدوات ووسائل يملكها الشعب، ويمنحها كل الطاقة اللازمة لكي تخوض الصراع من أجل تحقيق أهدافه الوطنية. لقد تكاثرت الأزمات والمصائب وتكالبت الظروف وأطراف كثيرة لإضعاف حركة الشعب الفلسطيني الساعي لتحقيق تحرره الوطني، وإقامة دولته المستقلة على جزء من أرض فلسطين التاريخية. ولكن إذا كان على الشعب الفلسطيني أن يسعى نحو تحشيد ما أمكن مما تبقى من طاقات الأمتين العربية والإسلامية، طمعاُ في تعظيم دورهما في اسناد نضال الشعب الفلسطيني، فإن ذلك لا يمكن أن يكون إلا إذا بادر الفلسطينيون لتحشيد طاقاتهم وتوحيد امكانياتهم وأهدافهم وبرامجمهم. في الواقع يأتي المشهد الفلسطيني مرير ويزداد مرارة، في ظل توالد الانقسامات والخلافات حتى في داخل البيت الواحد، تشير هنا إلى ما جرى ويجري في حركة فتح التي تحظى بشرف البداية، وبشرف الريادة الوطنية التي يعول الكثيرون على أن صلاح أحوالها يعكس صلاح أحوال الشعب وسلامة المشروع الوطني. لقد عقدت الحركة مؤتمرها السابع، وكان من المفروض أن يشكل محطة قوية للحركة، الأمر الذي يشكل مقدمة النهوض في الحركة الوطنية الفلسطينية، غير أن النتائج قد ترضي البعض كما أنها لا ترضي آخرين من داخل حركة فتح ومن خارجها. لقد ولد فصل محمد دحلان، والي يعلن نفسه زعيماً لتيار إصلاحي، يرفض الخروج أو الانشقاق عن فتح.

تبين الحركة اليومية أن دحلان ليس فرداً، ولا أنه يقود مجموعة من المريدين والمستفيدين، ولا حتى جزء من مجموعة صغيرة تعتبرها فتح، على أنها مجموعة من المحتجين الذي يمكن الاستغناء عن وجودهم ودورهم في الحركة بدون أن يؤثر ذلك على مكانتها ودورها ونفوذها.

كان يمكن أن يكون الأداء أفضل من ذلك وأقل خسارة، لو جرى التعامل بجدية مع مبادرة الرباعية العربية، بدون الوقوع في المحذور الذي يخشى البعض من أن يكون التعامل مع تلك المبادرة وسيلة لتأهيل دحلان حتى يكون في المنصب الذي حظي به الأخ محمود العالول كنائب لرئيس الحركة.

يمكن للبعض الاستمرار في المكابرة والحديث عن استقلالية قرار الحركة وعن أنها بعد المؤتمر بأفضل حال، ولكن لهذا البعض أن يفحص مدى القبول العام لهذا الخطاب داخل الحركة وفي صفوف الشعب الفلسطيني. نجم عن الخلل في التعاطي مع المبادرة العربية، مشكلة أو أو أزمة في العلاقة بين حركة فتح وبين الشقيقة مصر، أزمة تجلت مظاهرها في العديد من الاتجاهات، وأهمها توجه مصر لتغيير طريقة تعاملها مع غزة، وحركة حماس، بمعزل عن التنسيق مع السلطة، التي تظل مصر ملتزمة بالتعامل معها باعتبارها عنوان الشرعية الفلسطينية. حركة حماس أدركت أن الفرصة متاحة أمامها لتحسين علاقتها بمصر، واستعدادها للاستجابة الكبيرة لحاجات الأمن القومي المصري، ما ساعد في توسيع أبواب التفاهم.

بدون تجاهل للأبعاد السياسية في تحريك العلاقة مع مصر، وحركة حماس، وبقية الأطراف الفلسطينية، فإن ثمة أهمية كبرى، لانفتاح مصر على مكونات المجتمع الفلسطيني في غزة، وفتح بوابات التعامل مع كل هذه المكونات، لا يخفي على أحد أن الموقف الذي اتخذته مصر من أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح اللواء جبريل الرجوب، حتى وإن بدا على أنه يتعلق بشخص الرجوب، إلا أنه يدل على وجود أزمة وتوتر في العلاقة. لا أريد أن استشهد بما قيل من هنا أو هناك، ولكن إذا كان الرجوب ليس أبو بكر البغدادي حتى ترفض السلطات المصرية دخوله فما هي الأسباب؟ لا شك أن مصر شعرت بالغضب إزاء ردود الفعل على مبادرة الرباعية العربية، التي تقودها فعلياً مصر، وإذا لم يكن ضرورياً أن يأتي الجواب من قبل الحركة أو بعض قيادييها متحدياً، رافضاً الخضوع لتأثيرات الجغرافيا والمال العربي، والسؤال هو هل كانت مصر تسعى للنيل من مقاليد القرار الفتحاوي أو الفلسطيني، حين طرحت المبادرة العربية، وهل يمكن في كل الأحوال التعامل مع مصر، من منظور رفض هيمنة أو سطوة الجغرافيا؟ أغلب الظن أن الاصرار على تجاهل مبادرة الرباعية العربية، وعقد المؤتمر السابع تقف وراءه حسابات خاطئة تقوم على استسهال تجاوزا المشكلة بعد أن يكون المؤتمر انعقد بالمواصفات التي أرادتها قيادة الحركة. واذا كان من المرفوض تدخل الجغرافيا والمال كما قيل، فثمة من قال من أقطاب اللجنة المركزية، أن اختيار العالول نائباً للرئيس جاء بعد مشاورات عربية واقليمية، فهل كانت مصر وهي لا الأولى بذلك جزء من هذه المشاورات؟ في مواجهة هذه الأزمة لم يعد مفيداً الصمت، ولا تكرار الحديث عن العلاقة التاريخية، وعن أن العلاقات ايجابية ومستمرة بين فتح ومصر، وكـأن مسألة ابعاد الرجوب حدثاً منفرداً وفردياً، ثمة ضرورة للإقرار بوجود أزمة في العلاقة بين السلطة ومصر، مما يستتبع معالجة الأسباب التي أدت إلى وجود هذه الأزمة، ومحاصرة ابعادها وتداعياتها، أما إن بقيت الأمور محكومة للمجاملات والتصريحات الدبلوماسية، فإن هذه الأزمة ستتعمق وتفضي إلى نتائج في غير مصلحة الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية وفي مقدمتها حركة فتح. إن استمرار خطاب المكابرة والمجاملة بدون معالجة للأزمة من شأنه أن يولد ويعمق أزمة حركة فتح والأزمة الوطنية العامة، التي لا تفيد في معالجتها أيضاً الاجراءات التي تتخذها السلطة بحق من يعترضون على وضع الحركة.   

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

طلال عوكل

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر