Menu
حضارة

ثورة التكنولوجيا وثقافة الاستهلاك

محمّد جبر الريفي

على الرغم من أن الحضارة الغربية التي ظهرت في قلب المجتمع الصناعي الأوربي بسبب تطور الآلة لم تستطع أن تحل معضلة الإنسان الفرد في أن ينمو نموا كاملا بعيدا عن كل أشكال القمع السياسية والاقتصادية والنفسية... إلا أن هذه الحضارة بعكس أية حضارة تاريخية سابقة أحدثت أبعادا هائلة بداية بتطور القانون الطبيعي وسيطرة العلم التكنولوجي وانتهاء بمظاهر الرفض لقيم النظام الراسمالي البرجوازي في العالم الغربي أي ان التطور الهائل الذي أصاب الآلة الاقتصادية أحدث ظواهر ونتائج خطيرة لم يتنبا لها الفكر النظري البرجوازي مما جعل انظمة هذه الحضارة لا تستطيع ممارسة سياساتها الداخلية والخارجية دون ان تسقط حاليا في أزمات حقيقية ويسود الاعتقاد بين كثير من علماء الاجتماع وكبار المفكرين السياسيين إن ما وصلت إليه هذه الحضارة الغربية جعل العالم امام حالة من الجدلية التاريخية سوف تنعكس لا محالة آثارها لفترة طويلة على بلدان العالم الثالث النامية فقد أدى انتشار العقول الإلكترونية واستعمالها كبديل عن الجهد العضلي في البلدان الصناعية المتقدمة إلى تخفيف من حدة الصراعات الطبقية الاجتماعية على النطاق الواسع في هذه البلدان المتقدمة وذلك بتراجع في مفهوم ظاهرة الكدح (باستثناء الشرائح الدونية جدا في المجتمعات الغربية) وبالتالي تغير قيمة العامل الاقتصادي في ظل علاقات الإنتاج الرأسمالية المتطورة ويزيد من خطورة هذا الشيء مع إغراق الأسواق بسلع المجتمع الاستهلاكي الترفيهية بهدف تحقيق السعادة المزعومة لجماهير الكادحين وبذلك تحاول الأنظمة الرأسمالية في العالم الغربي حسب تلك المعادلة حماية مصالحها والمحافظة على استمرار وجودها بعد تشيؤ العامل الكادح حيث لا تعامله كإنسان يقوم بنشاط اقتصادي بالإضافة إلى النشاطات الإنسانية الأخرى بل كشيء يمكن التعامل معه كلما دعت الحاجة الاقتصادية إلى ذلك.. فهي لا تمنحه الحرية إلا بقدر استعداده لأن ينتج أكثر في حين تستمر السلطة السياسية البرجوازية في عملية مسخه اجتماعيا وثقافيا ونفسيا بالإضافة إلى حرمانه من أي فرصة ممكن أن تؤدي إلى تفتح طاقات شخصيته الإنسانية.. وهكذا توجد الرأسمالية الغربية مفهوما جديدا في علاقتها مع الطبقة العاملة داخل مجتمعاتها الصناعية المتقدمة فتعمل على دمجها بالة المجتمع الاستهلاكي بعد أن تغدق عليها بحفنة من الارباح التي جنتها بأسلوب القمع والإرهاب والاستغلال في النطاق العالمي حيث الهيمنة الغربية التي يراد لها في ظل النظام العالمي الجديد وشمولية ظاهرة العولمة ان تكون هذه الهيمنة شاملة للكون وفي كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية وذلك من دون النظر إلى القيم الإنسانية التي تجمع الشعوب بعيدا عن التمذهب السياسي والتلون الجغرافي والعرقي... -اللعبة الاستهلاكية.. إلى أين؟ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي دفع الرأسمالية الغربية في هذه المرحلة من تاريخها والتي تشهد فيها غياب نقيضها الاقتصادي والسياسي عن المسرح السياسي العالمي والمتمثل هذا الغياب اساسا بانهيار الاتحاد السوفيتي و اختفاء المنظومة الاشتراكية حتى تستمر في القيام بهذه اللعبة الاستهلاكية..؟ ذلك أن ما حدث فعلا داخل العالم الرأسمالي هو تحول قطاعات كبيرة من الجماهير الشعبية الكادحة خصوصا العمال إلى شريحة اجتماعية جديدة من شرائح البرجوازية الصغيرة بعد أن تحول العامل في ظل هذا المجتمع التكنولوجي المتطور إلى ما يشبه المهندس وبالتالي أصبحت مصلحته مرتبطة مع بقاء الآلة توفر له مزيدا من اقتناء السلع الاستهلاكية الترفيهية غير إن الإجابة على ها السؤال الموضوعي لا يمكن فصلها عما يجري خارج المجتمعات الصناعية المتقدمة حيث تحقق مجتمعات كثيرة في بلدان العالم الثالث معدلات كبيرة مع النمو الاقتصادي بهدف انتزاع اكبر قدر من التحرر للخلاص من تحكم المركز الراسمالي الإمبريالي الذي يعتمد في سيطرته على الاطراف على مجموعة من الشركات الاحتكارية الكبرى المتعددة الجنسيات. الأمر الذي يدعو الرأسمالية الغربية إلى ترتيب أوضاعها الداخلية ووضع خطط جديدة فيما يختص بعلاقتها بالجماهير الشعبية غير أن هذه الإجراءات كلها لن تمنع بأي حال من استمرار تفاقم التعارضات داخل النظام الرأسمالي حيث ستتحول هذه التعارضات مع مرور الزمن إلى تناقصات رئيسية ستنخر لا محال عصب المؤسسات الرأسمالية خاصة أن انهيار الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي السابق ودول أوربا الشرقية لم يخفف من حدة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها الرأسمالية حيث يستمر تردي الأوضاع المعيشية وظروف العمل وتتزايد أرقام البطالة وارتفاع وتيرة النقمة الشعبية العارمة ضد الأنظمة الرأسمالية الغربية التي يتأكد عجزها عن معالجة قضايا اساسية يعاني منها الإنسان الغربي يتم كل ذلك و يترافق مع انتشار التكنولوجيا الحديثة بهدف جني الشركات الاحتكارية لأكبر قدر ممكن من الأرباح. -الطلاب والمثقفون والقيم البرجوازية ... ويبدو لأول وهلة ان شرائح الطلاب والمثقفيين الغربيين هم اكثر الفئات احتجاجا على سياسات الدول الصناعية الغربية المتقدمة وعلى القيم البرجوازية وطغيان التكنولوجيا وأكثر الناس تعاطفا مع انتفاضات العالم الثالث مما ادى إلى ظهورهم كقوة اجتماعية فاعلة بعيدا عن قواعد اللعبة الاستهلاكية ويعود هذا الدور للطلاب خاصة في البلدات الصناعية الرأسمالية المتقدمة إلى ما حققته العلم مع تطور تكنولوجي هائل حيث أصبح في ظل التطور الاقتصادي قوة منتجة مما يجعلهم يشكلون فئة اجتماعية لها خصائصها المميزة التي اكتسبتها في ظل هذا الوضع الذي يتشابه أي حد كبير مع خصائص الطبقة العاملة فهم لا يمتلكون وسائل الإنتاج مثلهم في ذلك مثل العمال ثم انهم يقفون خارج نطاق البحبوحة في المجتمع الرأسمالي لكنهم في نفس الوقت يسهمون في خلق رأس المال لأرباب العمل باعتبارهم منتجين لفائض القيمة... كل ذلك جعل منهم قوة جماعية لها وزنها السياسي في الحركات الاجتماعية الأوربية والأمريكية مما دفع بسلطات القمع الرأسمالية لان تتخذ اتجاهم مواقف عنيفة بهدف القضاء على نضالاتهم فالطاقة النضالية حقيقة تكمن في تلك الجماهير التي هي خارج التنظيم التكنولوجي الذي جعل من الإنسان ذا بعد واحد وهم أولئك المحرومون الذي لا يتمتعون بمزايا الحضارة الاستهلاكية ولا يستطيعون حتى مجرد التعبير عن أفكارهم في نطاق العملية الديمقراطية الصورية الزائفة: صحيح أن الحركات الطلابية كانت تطرح دوما قضية البنية الجماعية باعتبارها قضيتهم المحورية ذات المصلحة المرتبطة مباشرة بوضعهم داخل المجتمع، غير أن تجاوب الرأي العام في العالم الرأسمالي وخارجه جعلهم يتجهون بقوة نحو انتقاد النظام الاجتماعي برمته وبذلك يلتقون في هذا الطريق مع كتلة الجماهير الشعبية الكادحة خاصة الطبقة العاملة التي تحاول الرأسمالية الغربية حرف بوصلة دورها النضالي.