Menu
حضارة

في سماء سوريا ومصيرها

بوابة الهدف الإخبارية

سوريا 2017

في الموقف من المواجهة بين الدفاعات الجوية السورية والغارات الصهيونية على سوريا، نتلمس عمق أزمتنا العربية، فلا يمكن تخيل أن ادعاء مناصرة الشعب السوري او الحرص عليه ينسجم مع التغييب المتعمد للموقف الصريح من الاعتداءات الصهيونية المستمرة على سوريا وبقية الأراضي العربية التي يستبيحها طيران الكيان الصهيوني، هذه المواقف لا تنفصل عن محاولة الاستثمار العسكري لهذه المواجهة والاعتداءات من قبل العديد من الفصائل السورية المعارضة المسلحة وداعميها، إذا افترضنا عدم وجود تنسيق بين الكيان الصهيوني وبين العديد من هذه الفصائل المدعومة خارجيا.

للمواجهة العربية مع سلاح الطيران الصهيوني قصة طويلة، وسياق لابد من التعريج له، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية بات من الواضح قدرة الطيران الثقيلة في حسم نتائج المعارك وتغليب طرف على الآخر، بل ونشأت تنظيرات تفيد بنهاية عصر الحروب البرية، وتصاعدت أوهام قوى الهيمنة الغربية بامكانية حسم أي معركة اعتمادا على سلاح الطيران دون غيره، وللرهان الغربي على سلاح الطيران تحديدا أسبابه، فإنتاج طائرات متفوقة هو عملية معقدة ومكلفة جداً، لا تحتملها اقتصاديات البلدان الناشئة التي أرهق الاستعمار مواردها، ولا يمكن الاستعاضة عنها بصفقات شراء الطائرات الغربية، فتلك المحاولات حكمها الغربي بمعادلة واضحة، وهي ضرورة منح التفوق الجوي الكاسح للعدو الصهيوني وهو ما اقتضى حظر بيع القوات الجوية العربية على اختلافها طائرات مناظرة لتلك التي يجري منحها للكيان الصهيوني او حتى مقاربة لها، هذا شمل أيضا تلك القوى الاكثر تبعية وارتهان للولايات المتحدة الأمريكية والغرب الاستعماري من بين الدول العربية.

الكيان الصهيوني اعتمد ذات الاستراتيجية الغربية، مستعيضا عن النقص البشري في العدد وحتى في الاستعدادية للتضحية بالتفوق الجوي الكاسح، وهو ما ظهرت نتائجه بوضوح في حرب العام 1967م، ولكن هذه المعادلة لم تدوم للابد، فالقوى الأكثر فقراً وعرضة لعدوان المنظومة الغربية والاستعمارية، وجدت ملاذها في سلاح الفقراء، وهو الصواريخ المضادة للطيران، ومنظومات الدفاع الجوي، حيث تكفلت هذه المنظومات بقهر سلاح الجو الصهيوني في الانتصار العربي عام 1973م، لتتيح الفرصة للقوات البرية العربية في خوض مواجهة بظروف أفضل بكثير من تلك التي توفرت في حرب العام 1973.

منظومات صواريخ " سام" المضادة للطيران بأجياله المختلفة وما لحقها من منظومات أحدث، والتي زود بها الاتحاد السوفياتي" لاحقا روسيا والصين" العديد من الدول العربية ودول العالم الثالث المعرضة للعدوان الغربي كانت عنوان لرد الفقراء على عصر الهيمنة المطلقة للغرب، وكاسر حقيقي لمعادلة العبودية، ومضت المعارك سجال بين رغبة الشعوب بالمقاومة، و رغبة الغربي بتسيد سماء العالم والتحكم في مصير البشرية، بما يتجاوز حتى المعادلة العسكرية المباشرة فطائرات الغرب قتلت من المدنيين عبر المجازر عشرات أضعاف ما قتلت من العسكريين، وشعوب فيتنام والعراق و فلسطين ولبنان وسورية ومصر، لن تنسى " ماي لاي، وقانا، وغزة، وبيروت، وبحر البقر".

القرار السوري بمواجهة آلات القتل الصهيونية، ليس بدعة، بل ضرورة وواجب قد تأخر تنفيذه، واي كان شكل النظام السياسي الذي سيحكم سوريا الآن أو بعد مائة عام، لن يكون لديه أي مناص من المواجهة مع الكيان الصهيوني، ومع آلات قتله الطائرة في سماء سوريا وفي سماء العالم العربي، معركة العربي والشعوب المضطهدة مع طائرات الغرب والقوى الاستعمارية لن تنتهي، حتى لو اختارت هذه الشعوب قبول العبودية والاستسلام التام، ففي أفغانستان لا زالت طائرات سلاح الجو الأمريكي تقتل المدنيين في كل يوم رغم ان الأمريكيين قد احتلوا تلك البلاد ونصبوا نظام حكم خاضع لهم فيها، هذه المعادلة لن تنتهي إلا حينما نمتلك القدرة والقرار على مواجهتها، وحينما تقهر صواريخ الفقراء طائرات الهيمنة والقتل والمجازر.

" اف 16" وأخواتها من ترسانة الغرب الجوية هي أقذر وأبشع ما اقترفته أو انتجته البشرية في تاريخها، وما لم تسقط هذه الأسراب لن نعرف يوماً طعما للحياة الحرة، هذا ما يجب ان ندركه جميعا حين نتخذ الموقف من المواجهة، وما يترتب على ادراك مثل هذا، هو ضرورة الاصطفاف الحقيقي من الكل العربي في المواجهة مع الكيان الصهيوني، وابداء كل التضامن والاسناد للشعب السوري وقواه الحية التي اختارت المواجهة مع الكيان الصهيوني منذ نشأته وليس اليوم فحسب، ويتطلب ايضا من كل من يرغب بشرعنة وجوده في سوريا المستقبل ان يقف اليوم في موقف المواجهة مع الكيان الصهيوني ومع أدوات القتل الصهيونية في سماء سوريا، وذلك بما يتجاوز كل الخلافات حول شكل نظام الحكم، او ترتيبات العملية السياسية، فسوريا لا يجب أن تكون إلاّ واحدة موحدة بكل قواها لكسر هذا العدوان، ولا يمكن تخيل وجود من يقبل باستباحة سماء سوريا وأرضها وشعبها امام طائرات العدو كجزء من أي منظومة حكم أو عمل سياسي في سوريا، فالأمر يتجاوز تماما الخلاف حول نظام الحكم، لأنه يتعلق بمصائر الشعوب، وذاكرة الشعوب التي لا تنسى، ولا تغفر الخيانة.