Menu
حضارة

أميركا.. وصمة فشل في بالتيمور

ديفيد بروكس

بدا مؤخرًا وكأنه من الضروري أن تندلع أعمال شغب كل بضعة أشهر، وتتجه أنظار الدولة إلى الفقر داخل المدن. وفي قلب كل عاصفة هناك أشخاص يصرخون إلى حد يحتم علينا التعامل بجدية مع الأمر. هذه المرة كان جون ستيوارت هو الذي تحدث بلسان الكثيرين حين قال: «وأنت تتساءل أحيانا ما إذا كنا ننفق تريليون دولار على إعادة بناء مدارس في أفغانستان، بينما نفتقر إلى الإحساس الذي يوجه أنظارنا نحو بالتيمور. ما الذي يحدث حقا؟» وصفق الجمهور بقوة، وكانت المشاعر رائعة، لكن كل هذا ليس له علاقة بالأمر.

لا تكمن المشكلة في غياب الاهتمام والانتباه، ولا في عدم توافر المال، حيث يتزايد إنفاق الحكومة الفيدرالية من أجل مكافحة الفقر منذ عام 1980. وكما أوضح روبرت صامويلسون من صحيفة «واشنطن بوست»، أنفقت الحكومة الفيدرالية عام 2013 نحو 14 ألف دولار على الفرد الفقير. وإذا أخذت هذا المال ومنحته إلى الفقراء، سوف يكون دخل أسرة مكونة من أربعة أفراد ضعف معدل الفقر. مع ذلك لم يحدث تغير يذكر في معدل الفقر على مدى الثلاثين عاما الماضية.

وكما ذكر بيتر وينر في مجلة «كومينتري»، جاءت مدينة بالتيمور في المركز الثاني على قائمة أكبر مائة منطقة تعليمية على مستوى البلاد من حيث حجم الإنفاق على الطالب، حيث وصل المبلغ الذي ينفق على كل طالب 15.483 دولارا سنويا.

ولم تكن منطقة ساندتاون - وينشستر في بالتيمور، حيث كان يقيم فريدي غراي، بعيدة عن الاهتمام هي الأخرى، ففي نهاية الثمانينات، قرر كورت شموك، عمدة المدينة آنذاك، أن يجعل الحي نموذجا للتجديد والتطوير العمراني. وتعاون مع أفراد من القطاعين العام والخاص مثل جيمس روس، الذي يعمل في مجال التنمية العقارية، ومنظمة «هابيتات فور هيومانتي» التي تعمل في المجال نفسه. وتمكنوا من جمع ما يزيد على 130 مليون دولار وأنفقوا منها على كل شيء من إنشاء لمنازل جديدة، ووضع لمناهج دراسية جديدة، وبرامج تدريب مهني جديدة، وإنشاء لمراكز رعاية صحية جديدة. كذلك تم بناء منازل بتكلفة 87 ألف دولار للمنزل وبيعها إلى سكان مقابل 37 ألف دولار. ولم يتم إهدار المال بالكامل، ففي عام 2000 انخفض معدل الفقر في المنطقة بنسبة 4.4 في المائة. وارتفعت حصة السكان، الذين يقيمون في منازل تمليك، بنسبة 8.3 في المائة بحسب دراسة تفصيلية أجرتها مؤسسة «آبل فاونديشين». مع ذلك لم تشهد المنطقة تحولا، فاليوم لا توجد متاجر بقالة، أو مطاعم في الحي، والجريمة مستشرية، ومعدل البطالة مرتفع. ورغم كل تلك الجهود، هناك عدد كبير من الشباب الذين يعيشون حياة مثل تلك التي عاشها غراي. لقد كان على ما يبدو طيب القلب، ومحترما، ويتمتع بشعبية، لكنه لم يكن على الطريق نحو مستوى أفضل وأرقى. لقد تمكن من التوصل إلى تسوية في قضية قانونية تورط خلالها في تسميم بطلاء الرصاص. وبحسب ما ذكرت صحيفة «واشنطن بوست»، كانت والدته مدمنة للهيروين وقالت في شهادة إنها لا تجيد القراءة والكتابة. وجاء في سجلات المحاكم أن غراي كان متأخرا في مستوى القراءة بما يعادل أربعة صفوف دراسية، وتم القبض عليه عدة مرات.

ومن غير المنصف القول إن محاولات الحكومة الفيدرالية لمعالجة الفقر فاشلة، فقد أدى إنفاق الحكومة 15 تريليون دولار على مدى النصف قرن الماضي إلى تحسين مستوى المعيشة، وتخفيف العبء الملقى على كاهل ملايين الفقراء.

مع ذلك لم تنجح كل تلك الأموال، وكل تلك التجارب، في إدماج من يعيشون في مناطق، ينشب فيها الفقر أظافره بعنف، في تيار الاقتصاد السائد. وفي كثير من الأحوال كان يتم استخدام الأموال كوسيلة وقاية لا كدرج يقود نحو الأعلى. وليس من الصواب القول إنه ينبغي علينا إنفاق المزيد من المال، فالمطلوب هو تحول مرحلي في كيفية نظرتنا إلى الفقر. وينبغي أن تكون عملية البناء من أولويات محاولات التجديد والتطوير. مع ذلك تتمثل العقبات الحقيقية، التي تعرقل التقدم نحو الحراك، في أمور تتعلق بعلم النفس الاجتماعي، وشكل العلاقات داخل المنزل وفي الحي اللذين إما يشجعان على تحمل المسؤولية أو يثبطانه، والتفكير في المستقبل، والطموح العملي.

وكتبت جين جاكوبس أن الحي السليم مثل عرض باليه، مجموعة من التفاعلات الدقيقة التي يعتمد فيها كل شخص على حركة الآخر، ويشجع فيها الناس بعضهم بعضا. في مقابلة رائعة أجراها ديفيد سايمون كاتب مسلسل «ذا واير» مع بيل كيلر لمؤسسة «مارشال بروجيكت» الإخبارية، أوضح أنه حتى في بالتيمور، المدينة الأفقر، كان هناك ذات يوم قواعد عرفية للسلوك تحكم تعامل أفراد الشرطة مع المواطنين، مثل متى يجرونهم ومتى لا يفعلون ذلك، وما هي كلمات السباب التي يمكن توجيهها إلى شرطي، وتلك التي لا يمكن توجيهها إلى شرطي، لكن تلك القواعد العرفية اختفت، وتبددت معها الأسوار التي تحمي الحياة، وباتت القسوة العشوائية هي سيدة الموقف.

لقد فقد الأفراد منظومة القيم السائدة، التي يتعامل معها أفراد الطبقة المتوسطة باعتبارها أمرا طبيعيا مسلما به. ومن الصعب جدا على شباب يعاني من هذه الظروف توجيه نفسه.

صحيح أن توفير فرص عمل أمر ضروري، لكن إذا كنت تقيم في حي مثل الذي كان يقيم فيه غراي، لا يكترث فيه نصف طلاب المدارس بالحضور، فالمشكلات تصبح أعمق.

وإلى أن يتم إصلاح الروابط الخفية المتمثلة في العلاقات، ستظل الحياة بالنسبة إلى كثيرين كريهة، وقاسية، وانعزالية، وقصيرة.

 

نقلاً عن :الشرق الأوسط