Menu
حضارة

نداء الواجب

مازن فقهاء

غزة - بوابة الهدف

على مر أعوام طويلة من الصراع مع العدو الصهيوني، شكلت محاولات إطلاق سراح الأسرى جزء اساسي من جهود فصائل المقاومة العربية والفلسطينية، لجملة من الاعتبارات الهامة تتصل بالجانب المعنوي في إدارة الصراع مع الاحتلال، أكثر مما تتصل بالجانب العملاني، أي ان المقاومة باستمرار كانت تعي قدرة الاحتلال على اعادة تعبئة السجون بآلاف من الأسرى الفلسطينيين، ولكنها مع ذلك كانت في كل مرة تبذل جهوداً مضنية لأسر جنود من قوات الاحتلال وانجاز صفقات لإخراج الاسرى، وكانت القيمة الاساسية لهذه الجهود هي رسالة المقاومة بانها لن تتخلى عن مناضليها، أو " إننا قوم لا نترك أسرانا".

بعد أول عملية تبادل أسرى تجري مع قوى المقاومة داخل فلسطين المحتلة "صفقة وفاء الأحرار"، حرص الاحتلال على قضم المفاعيل المعنوية لهذه الصفقة، فقام بإعادة اعتقال العدد الأكبر من محرري الصفقة في الضفة الغربية، وواصل تهديد المبعدين منهم لغزة والخارج، ناهيك عن اغتياله للقائد الفعلي لعملية التبادل الشهيد "أحمد الجعبري" بعد فترة وجيزة من إنجاز عملية التبادل، وحين أطلق الاحتلال صواريخه على الشهيد الجعبري فانه كان يصوب على صورة ذلك القائد الفلسطيني الذي سحب الجندي الصهيوني جلعاد شاليط أمام عدسات التلفزة خلال عملية التبادل، وعلى صورة وفكرة الندية ورد الصاع بالصاع من قبل المقاومة الفلسطينية.

في إطار هذه المحاولات لإتمام القضم المتواصل لمفاعيل عمليات تبادل الأسرى، ولفكرة ندية المقاومة الفلسطينية والعربية، تابع الاحتلال بشكل دؤوب اطلاق التهديدات بتصفية رموز هذه الصفقة من المحررين، كما يمكن لأي متابع ادراك التغييرات الهائلة التي حاولت المنظومة الصهيونية ادخالها على البيئة القانونية الخاصة بالتعامل مع حالات أسر الجنود الصهاينة، وكذلك مع البنى القيمية الخاصة بتعامل الجيش الصهيوني مع أسراه في يد المقاومة، بجانب سلسلة من بروتوكولات التعامل الميداني الوحشي والإجرامي مع الفلسطينيين في حالات أسر الجنود الصهاينة كان أبرزها ما حدث في رفح إبان عدوان 2014م، كل هذا الجهد الصهيوني المضني رمى لفكرة أساسية واحدة، تثبيت الفكرة الصهيونية العنصرية الاستعمارية الأساس، والتي يرتكز عليها البناء القيمي للكيان الصهيوني، وهي تمايز وتفوق الصهيوني عن سواه من البشر وخصوصاً الاعداء الفلسطينيون والعرب من أصحاب البلاد الأصليين، أي أن تثبيت علو أهمية الجندي الصهيوني وأولويته واستحالة مساواته بالمقاتل أو المناضل العربي الأسير لدى الاحتلال هو تثبيت لكذبة أولوية العنصر الصهيوني واستحقاقه لانتزاع هذه الأرض من أصحابها، وجرائمه بحقهم بغطاء قيمي فاشي وفاسد جوهره أن الصهيوني هو مخلوق مختلف أعلى قيمة وشأناً.

على هذا صوبت الرصاصات بالأمس، في حي تل الهوى بمدينة غزة، لتصيب الأسير المحرر مازن الفقهاء، الرجل الذي سبق للاحتلال أن اتهمه مراراً وتكراراً بمسؤوليته عن العديد من الخلايا والأنشطة للمقاومة في الضفة الغربية، وبذلك استهدفت هذه الرصاصات أيضاً فكرة معاودة المناضل المحرر لممارسة مهامه وجهده في كفاح الشعب الفلسطيني لتحرير ارضه.

في السياق الفلسطيني، والمقاوم، يجب أن نقف مطولاً أمام جملة من النقاط الحساسة التي تثيرها هذه الجريمة النكراء، فرغم أن قدرة المقاومة أو أي منظومة أمنية على إغلاق الحيز الأمني لها بشكل كامل تبقى مستحيلة، فلا توجد منظومة أمنية كاملة، ألا أن نجاح العدو في إنفاذ جريمته هذه يؤكد وجود ما يجب مراجعته في الداخل الفلسطيني، فغزة "المحررة" محاصرة ومعرضة للتهديد الدائم والاستباحة المستمرة من قبل طيران الاحتلال وزوارقه البحرية، وهو ما يملي على الجميع منذ هذه اللحظة التفكير ملياً في وضع وتأمين المقاومين في أوقات التهدئة، فلا تهدئة حقيقية مع الاحتلال، بل أن ما حدث يطرح تساؤلات جدية حول صوابية وقيمة أي تهدئة مع الاحتلال.

وفي مقابل تطوير الاحتلال المستمر لأدواته يكون التساؤل الحقيقي حول فلسفة وأدوات عمل المنظومة الأمنية الفلسطينية في قطاع غزة، فهذه المنظومة التي تبرر وجودها بمشروع المقاومة وحمايته فشلت بالأمس في جزء من هذه المهمة المركزية، وإذا كان الخلط بين العمل الأمني الحكومي "الجهاز الشرطي والأمني"، وبين العمل الأمني الضروري للمقاومة، يعتبره البعض تكامل ضروري، فأنه من الواضح أن هذا النموذج لم يكن في غاية التوفيق، خصوصاً أنه تدريجياً استجلب أمن المقاومة ليمارس أدوار الأمن الشرطي وتأمين المنظومة الحكومية على حساب  انشغاله بمهامه الأساسية.

إن تمتين الجبهة الداخلية وإغلاقها في وجه الثغرات والاختراقات الصهيونية ضرورة لا يمكن تحقيقها دون معالجة سياسية للوضع والمنظومة الأمنية القائمة في غزة والضفة الغربية، ففي موازاة جريمة الاغتيال في غزة نفذ الاحتلال جريمة اغتيال الشهيد باسل الأعرج في قلب مدينة رام الله، في ظل منظومة أمنية تشهر تنسيقها الأمني مع الاحتلال في الضفة الغربية، وهو ما يتطلب بوضوح إعادة تعريف ادوار المؤسسة الامنية الحكومية، ودورها في ظل الصراع مع الاحتلال، واعادة تعريف لأدوار منظومة أمن المقاومة والتقاطعات والتعاون المحتمل بينها وبين المنظومة الشرطية، وإنهاء هذا الارتباك السياسي والميداني الذي يولّده هذا الخلط.

فقدان المقاومة لقائد أو شهيد ليس نهاية لمشروعها، ولكن الخطر الحقيقي على وجودها يكون بعدم الالتفات للثغرات التي قد يستفيد منها الاحتلال، وتجاهل البحث الضروري عن ادوات الانتصار، وادراك المهمة الحقيقية لأي أمن فلسطيني في ظل الاحتلال، وهو تأمين الوجود الفلسطيني بكافة اشتقاقاته من هذا العدو المجرم وادواته المختلفة، هذا هو الواجب الأول تجاه الشهيد وتجاه تضحيته ودماء أبناء شعبنا النازفة بفعل جرائم الاحتلال.