Menu
حضارة

قِـمَم

في صفوف المنخرطين فعليًا في النضال لأجل القضايا العربية المركزية، تكاد تصل نسبة المراهنين على دور ما للقمة العربية في الأردن إلى نسبة صفرية، وهذا ليس مرده التقاعس التقليدي للنظم العربية عن اتخاذ أو إنفاذ قرارات جدية تتصف بالمسؤولية اتجاه هذه القضايا فحسب، بل أن الأمر بات أسوأ من ذلك بكثير.

فمنذ عدة عقود تحولّت القمم العربية إلى عنوان للضغط على أصحاب القضايا العربية المركزية، وتحولت لمنبرٍ حقيقي لبث دعاوى الاستسلام العربي أمام العدو/الغازي الصهيوني والغربي الاستعماري، هذا الموقف هو ما كان عنوان تعامل المنظومة الرسمية العربية ، في العديد من القضايا المركزية التي مرت بها الأمة العربية منذ أوائل سبعينيّات القرن المنصرم، والاستثناءات من ذلك محدودة بالفعل.

في العنوان الفلسطيني تتبنى المنظومة الرسمية العربية وعبر قممها المختلفة بما في ذلك ما تطرحه هذه القمة، دعم كامل لخيار التسوية، بل وتطرح وتتمسك بمبادرة تتبنى سقف أقل ما يقال أنه منخفض عن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة لإدارة الصراع، وهو ما تبدو هذه القمة متجهة لتبنيه، بل أن هناك ملامح كثيرة تشير لوجود موقف رسمي عربي من العديد من العواصم المركزية لاستئناف مفاوضات التسوية، ذلك في الوقت الذي انسدت فيه كل آفاق هذه التسوية، وواصل العدو تصعيده الإجرامي/الإرهابي بحق فلسطين وأهلها وضاعف زحفه وتوسعه الاستيطاني.

الموقف الرسمي العربي تحول تدريجيًا من دعم حقوق الشعب الفلسطيني، إلى دعم خيار التسوية، ثم انحدر إلى تحوّل أبرز العواصم العربية إلى محطات للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وعناوين لخرق جدران المقاطعة العربية لهذا الكيان، فيما مدت عواصم أخرى قنوات اتصالها وتعاونها مع هذا الكيان، وهو ما يتحدث عنه رئيس حكومة العدو ووزراء هذه الحكومة ليلًا ونهارًا، متفاخرًا بقدرة الكيان الصهيوني على اختراق الصف العربي.إن الخشية اليوم من جهد عربي حقيقي بدون أي تقاعس لتصفية القضية الفلسطينية.
حقيقة الموقف في بقية الملفات العربية ليست أفضل بكثير، فالعديد من الدول العربية هي أعضاء في التحالف الدولي - الامريكي الذي عاد ليرتكب المجازر بحق العراقيين بحجة مكافحة الإرهاب ومحاربة تنظيم داعش، وعدد مماثل من الدول العربية يصطف بجانب السعودية في حربها وعدوانها المستمر على الشعب اليمني، وفي سوريا نحن في غنى عن ذكر تفاصيل الدور التدميري الذي لعبته العديد من النظم العربية في شرذمة الشعب السوري وزجه في أتون حرب تدميرية، وأُريد لها أن تلبس لباس الطائفية، الكاسب الوحيد منها هو المستعمر والعدو الصهيوني، مروراً بالأزمة الليبية أيضًا، التي باتت جميعها عنوانًا للتجاذبات الأوروبية - الأوربية بينما يغيب عنها العرب،إلا كممولين لمليشيات الإحتراب الأهلي، وصب براميل نفطهم لتزيد اشتعالًا، هذه هي صورة واقع الدور الرسمي العربي اليوم.

البدائل تبدو فعلًا محدودة أمام أصحاب القضايا الحقيقين لانتزاع دور عربي إيجابي، وتنحصر رهاناتهم العاقلة على دعم الجمهور والشارع العربي الذي جرى تمزيقه بفعل الدعاية والتحريض الطائفي والمذهبي، واعتباره التناقض الرئيسي على حساب التناقض مع العدو الصهيوني، لذلك ذهب بعضهم "السني" للتحالف مع العدو الصهيوني، تحت مواجهة "الشيعي" الإيراني،بحيث بات من الواضح أن العودة لاستنهاض وتثوير دور هذا الشارع تحتاج للكثير الكثير من أصحاب هذه القضايا، خاصة على صعيد طرحهم لمواقف مبدأية فيما يتعلق بالمنظومة الرسمية العربية، وكذلك فيما يتعلق بالقضايا التي مزقت هذا الشارع ومنها التحريض الطائفيوالمذهبي، والتدخل الأجنبي، والتمزق والتشظي الداخلي/المجتمعي، والتناقض الرئيسي مع العدو الصهيوني، ونهج التسوية ومخاطره المستمرة عربيًا وفلسطينيًا وغير ذلك مما يضج به واقعنا العربي من قضايا تطرح أمامنا جميعاً سؤال: ما المصير؟! وكيف سيكون شكل المستقبل بالنسبة لنا؟!

الحقيقة أن الحاجة اليوم ماسة للتضافر بين القوى العربية الجماهيرية الجادة والملتزمة بقضايا الشعوب، فحالة الضغط المستمر ورداءة هذه المرحلة، تجعل مواجهة أي من هذه القوى للتحديات الوطنية الماثلة أمامها على مستوى الدولة الواحدة، شبه مستحيلة، ما لم تحظ بإسناد من القوى المماثلة في بقية الأقطار العربية فيما يتعلق بالقضايا الوطنية والقومية المشتركة، وفيما يتعلق بالعناوين العربية المركزية المتعددة.

هنا كذلك يبرز الدور الحيوي للمثقفين العرب المنحازين للقضايا الوطنية والقومية بحق، بالذود عنها، وإعلاء درجة النقد لهذا الواقع، وقول الكلمة الفصل فيه، وخاصة فيما يتعلق بتأجيج الصراعات المذهبية والطائفية وحروب الوكالة، والتطبيع مع الكيان الصهيوني. فالمثقف كما يقول المفكر العربي الشهيد: مهدي عامل "إما أن يكون ثورياً أو لا يكون"، وكما أكد المثقف الثوري/المشتبك الشهيد: باسل الأعرج "بدك تصير مثقف مشتبك، ما بدك مشتبك، لا منك ولا من ثقافتك ولافي فايدة منك". نقول ذلك: انطلاقاً من وعي عميق لدور المثقف في مجتمعه، ونموذجه الذي يقدمه، مدعمًا بالممارسة باعتبارها أرقى أشكال الوعي.

استعادة وحدة الشعوب العربية وفعاليتها يجب أن تكون أولى أولويات أي قوة عربية حيّة ومؤمنة بانتصار الشعوب، والتضافر بين هذه القوى لتحقيق ذلك يتطلب وجود رؤية مشتركة بين هذه القوى، والالتزام بهذه الرؤية والنضال لأجل تحقيقها وتقديم التضحيات الضرورية في هذا السبيل، لأن لا سبيل لنا دونها. أي الرؤية، "لأن من يفقد الرؤية يضل الطريق".