Menu
حضارة

أيديولوجيا فلسطين: عن تجاوز مفاعيل أوسلو

تعبيرية

غزة - بوابة الهدف

عملية التجريف السياسي والقيمي التي أحدثتها اتفاقية أوسلو، مسَّت بشكل فادح بركائز أساسية للمشروع الوطني الفلسطيني، وبمحاور رئيسية في البنية القيمية التي بني عليها هذا المشروع وتطور على أساسها، في كل عام تمر فيه ذكرى يوم الأرض منذ توقيع الاتفاقية البائسة يتلمس الفلسطيني الخلل الذي يطال عمق هويته ومسار نضاله.

أحد المعاني الأساسية ليوم الأرض في سياقه التاريخي هي كونه، عنوان لوحدة الأرض والشعب وكسر حدود وحواجز وتصنيفات الاحتلال لقطاعات الشعب الفلسطيني، ففي العام 1976 كانت رسالة الشعب الفلسطيني واضحة، أنه شعب واحد، لا يقبل بالوجود الصهيوني فوق أي شبر من أرضه، وأنه لن يستسلم قيد شعرة لكل أدوات العسف والقهر الصهيونية.

الجماهير الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1948، كانت تشهر ولاءها وانتماءها لشعب فلسطين، وترفض عزلها عن مساره النضالي، فيما كان التزام الفلسطيني في الشتات والضفة و غزة بالالتحام مع هذه الجماهير، وإعلان يوم الأرض كيوم للمواجهة مع الاحتلال، والتأكيد على فلسطينية الأرض في كل عام، هو تعبير عن وحدة الأرض ووحدة الشعب، آنذاك كان المشروع الوطني الفلسطيني عنوانه هو مواجهة الاحتلال للوصول إلى الحقوق الوطنية، وليس الاستجداء منه أو الاستسلام له.

اتفاقية اوسلو وجهت كل ضربة ممكنة لهذه المفاصل المهمة في نضالات شعبنا، فأول ما فعلته هذه الاتفاقية هي تنكرها للهوية الجمعية للشعب الفلسطيني، وإدارة الظهر للفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948، وبالطبع تخليها عن تلك الأراضي، فيما وجهت رصاصاتها إلى قلب المشروع الوطني الفلسطيني وإرادته بالمواجهة مع الاحتلال.

حينما تحيي الجهات الرسمية الفلسطينية يوم الأرض حالياً فمن الواضح أنها لا تلتفت لحجم التناقضات بين مشروعها السياسي  القائم على خيار التسوية والتفاوض ونبذ المواجهة بشموليتها، وبين المعاني التاريخية لهذا اليوم العظيم في تاريخ شعب فلسطين، بما يحول أداء هذه الجهات في يوم الأرض إلى ما يشبه طقوس الاحتفال بعيد لغرس الأشجار، أو مناسبة للاهتمام بالبيئة والزراعة، وهو فعلياً ما يستجلب تندر الكثير من الفلسطينيين بوصفهم لذلك "السلطة تحتفل بعيد الشجرة".

استعادة وحدة الأرض والشعب والمشروع السياسي الفلسطيني، تقف اوسلو دونه كحاجز عالي وسياج شائك، ولعل جوهر الحراك الشعبي الوطني الفلسطيني في الأعوام الأخيرة تمحور حول هذه النقطة بالذات، استعادة الفلسطيني لهويته والمعاني الحقيقية لوحدته، فالحديث حصراً عن إنهاء الانقسام بين حكومتين، هو نكتة ونوع من المزاح السياسي قياساً بهول المهمات النضالية التي على الشعب الفلسطيني مواجهتها وتحقيقها في هذه المرحلة.

رغم قتامة الصورة إلا أن هناك مؤشرات هامة بهذا الشأن، فعلى الأرض وفي صفوف القوة الحية المعنية والمنخرطة في مواجهة الكيان الصهيوني، ولدى كل أولئك المنغمسين بفعاليات المواجهة الميدانية، يتم مقاربة فلسطين وشعبها كوحدة واحدة رغم التباينات السياسية والأيديولوجية بين هؤلاء، وتتطور لديهم الهوية الفلسطينية بما يتجاوز القطع الذي أحدثته اتفاقية أوسلو، ويهزم المفاعيل الأكثر سلبية لهذه الاتفاقية، هذا الزخم الذي رأيناه في الفعل الجماهيري الممتد على كامل فلسطين وبمشاركات صادقة من كافة أبناء شعبها في الهبة/الانتفاضة الحالية، هو أبرز ملامح هذا التطور الهوياتي، حيث تنتصب الأرض كعنوان لهذا الصراع والشعب كل الشعب كسماء لها يعصف بكل ما أوتي من أدوات في مواجهة عدوه الأبدي، ومشهراً أيديولوجيا هذه المرحلة وهويتها، أن الهوية هي المواجهة والتمسّك بالحقوق الوطنية كافة، وأنه لا صلح ولا استسلام مع هذا المشروع الصهيوني الاستعماري، هذا ما تنطق به الحناجر في تشييع كل شهيد في هذه الهبة، وهذا ما تصرخ به دماء الشهداء على امتداد مساحة فلسطين ونقاط وجود شعبها، والأحرار الملتحقين بنضالات هذا الشعب.