Menu
حضارة

موسم الحجيج الى واشنطن

38236-قمة-السيسى-ترامب-(9)

لا يمكن ان نفهم بوضوح ما الذي تغير منذ تلك التحذيرات التي أطلقها دهاقنة السياسة العرب من إدارة دونالد ترامب، وما الذي حول هذه التحذيرات الى حجيج عربي رسمي للبيت الابيض، تصاحبه سلسلة من التصريحات والتأكيدات على استعداد الجهات الرسمية العربية لبذل كل الجهود لدعم سياسات ترامب في منطقتنا.

والسياسة الأمريكية في منطقتنا حاليا يمكن فهمها بأنها تلك القنبلة التي ألقيت على أهالي الموصل لتقتل حوالي 500 منهم خلال ثوان، ذلك في إطار مشاركة الولايات المتحدة في حربها الخاصة الغريبة لمكافحة الإرهاب، التي يعلن النظام الرسمي العربي دعمه لها ويستميت لنيل المشاركة فيها، فيما نجدها في فلسطين في استمرار العمل الثنائي بين الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية، في دعم جاهزية منظومة القتل الصهيونية، والاستعدادات لنقل السفارة الأمريكية للقدس، وأخيراً حوالي 10 الاف وحدة استيطانية صهيونية بمباركة أمريكية.

شهر ابريل سيشمل زيارات لعدة رؤساء عرب للبيت الابيض خصوصا من بينهم رؤساء لعدد من دول الطوق، ذلك في ظل وجود مؤشرات وتأكيدات بوجود صفقة اقليمية لتصفية القضية الفلسطينية، صفقة لم تتوقف إدارة ترامب في الترويج لها، باعتبارها الحل السحري للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وهي بالتأكيد ستكون على طاولة البحث مع زائري البيت الأبيض من الرؤساء العرب.

هذا كله بينما تواصل الإدارة الأمريكية عملها مع حكومة العدو لصياغة وحماية برنامج التوسع الاستيطاني الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بشكل تمضي معه الأمور لتفكيك مفاعيل قرار مجلس الأمن ضد الاستيطان، بتغطية عربية تقدمها هذه المواقف والزيارات.

منذ زمن طويل يتعامل الحكام العرب مع القضية الفلسطينية كملف ضروري للعلاقة مع البيت الابيض، وبات الدور العربي في القضية الفلسطينية يقتصر على استخدام هذه القضية، والنأي عن الحقوق الأساسية لأصحابها او عن الموقف الحقيقي لشعب فلسطين، ذلك على نحو يشجع الإدارة الأمريكية على مواصلة التفرد بهذه القضية، والتعامل معها بمعزل عن القرارات الدولية، وكذلك بمعزل عن الموقف العربي وحقوق الشعب الفلسطيني.

وبدلا من الالتفات لضرورة بناء موقف عربي حقيقي، لمواجهة تحديات الإرهاب التكفيري الذي أسهمت الولايات المتحدة وحكومات غربية متعددة في صناعته، تواصل العديد من الدول العربية إتاحة ذاتها كأدوات للاستخدام الأمريكي في مجمل سياساتها في هذا الجانب، بما يخلق وصفة مضمونة لإدامة الاحتراب والتشرذم في المنطقة، ويحيل شعوبها الى طوائف تصطف لخدمة المشاريع الأمريكية والغربية في هذه المنطقة، وبدلا من ان تكون الكتلة العربية هي الصخرة المانعة للتغلغل الغربي تحولت الى أبرز أدوات هذا التغلغل، والى أداة طيعة في الحروب على شعوب المنطقة.

وفي الاقتصاد كما في السياسة، تواصل التسليم بالتبعية للمركز الأمريكي المهيمن، بما يشمل ضخ مليارات الدولارات للمصارف الأمريكية والغربية، ويسقط أي فرص او بدائل أخرى للتنمية في منطقتنا.

ما تحمله الولايات المتحدة بإداراتها المتعاقبة لشعوبنا هو الموت والدمار والاستعباد، هذا ما خبرناه عبر سنوات طويلة، والأفق الوحيد لنتنفس بعض من الحرية والأمل في مستقبل أفضل، هو في مواجهة السياسة الأمريكية لا بالالتحاق بها، وإذا كان عالم ما بعد الحرب الباردة كان عالم الاستقطاب والسيطرة الأمريكية الأحادية، فإن عالم اليوم يشهد تغيرات هامة، ويقدم فرص عدة لمن يختار الصمود وبناء قوته الذاتية وتحالفاته الضرورية مع بدائل أخرى غير الإدارة الأمريكية وخارج مظلة هيمنتها وسيطرتها الوحشية.

أما وأن النظم العربية والقيادة الرسمية الفلسطينية قد اختارت مواصلة رهانها على الدور الأمريكي، فإن واجب القوى الحية في هذه المنطقة، مواصلة نضالاتها، وتحصين مجتمعاتها في مواجهة اخطار التصفية الأمريكية للقضايا العربية، وربما لأهم ملامح الوجود والهوية العربية.