Menu
حضارة

القرار الصغير

_MG_0130 copy

غزة - بوابة الهدف

حين قام المسؤول الحكومي المعني بتوقيع القرار المالي باقتطاع نسبة من رواتب موظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة، لم يكن يوقع على قرار روتيني، بل على كشف حساب للسلطة الفلسطينية وعلاقتها بالجمهور الفلسطيني.

فالقرار المذكور انطوى على جملة من الكوارث، لا نعرف حقاً إذا كان هذا المسؤول قد تبينها، قبل توقيعه للقرار، ففكرة اقتطاع أو خصم جزء من أموال العاملين بالخدمة العامة هي إشكالية في غاية الخطورة في حد ذاتها، ذلك أن هذا الراتب هو حق للموظف وليس منة أو مساعدة اجتماعية من جهة حكومية، وبالتالي إن أي تصرف تجاه هذا الاستحقاق يجب أن يخضع أولاً لاعتبارات الحقوق القانونية لهذا الموظف، فبالتأكيد نحن لا نعيش في غابة بإمكاننا استلاب حقوق الأفراد فيها.

إلى هنا، تبقى مشكلة الاقتطاع مشكلة سوء إدارة من الجهاز الحكومي، وهضم لحقوق موظفين أي أنها تبقى قضية حقوقية ونقابية تستحق النضال والموقف الوطني الحازم، لكن الكارثة تبدأ حينما نتطرق لكون هذا الاقتطاع استهدف الموظفين من قطاع غزة دون غيرهم من كادر السلطة الفلسطينية، وبذلك نكون قد قاربنا الكارثة السياسية، والتي تتمثل في تشكيل تهديد جدي لاعتبارات المساواة الوطنية والحقوقية بين أبناء الشعب الفلسطيني، فالسلطة حينما اتخذت هذا القرار أرسلت جملة من الرسائل، قد تفهم ضمناً بأنها سلطة تهتم فقط بمقيمي الضفة الغربية من أبناء الشعب الفلسطيني، فيما تتنكر لحقوق بقية أبناء هذا الشعب.

والواقع هنا يقول أن السلطة منذ نشأتها وبظروف هذه النشأة لم تكن يوماً هي الأكثر حكمة في التعامل مع الملفات الوطنية الحساسة، وهذا ما قاد لهذه المقاربة التقنية المفرطة في التبسيط والإخلال، لقضية حساسة وذات أبعاد سياسية هامة مثل هذه القضية.

بالطبع لدى الحكومة حججها في هذا الجانب ومبرراتها التي سارعت لإعلان بعضها وتسريب بعضها الآخر، هذه المبررات هي ما فاقمت الكارثة، فالتذرع بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة، لا يشكل مبرر للسلطة لإلحاق الضرر بموظفيها أو لمعاقبة سكان قطاع غزة، ففي واقع الحال إن المطلوب هو دعم سكان القطاع المتضرر الأول من الانقسام الفلسطيني.

إن إقرار السلطة في تبريرها بمبدأ الضغط على الجهات المسيطرة على القطاع بواسطة الضغط على أهالي وموظفي القطاع، هو اعتراف بوجود نية بالعقاب الجماعي لسكان القطاع، عبر معاقبة موظفيه، وكذلك إسقاط لمشروعية أي تمويل تتلقاه السلطة طالماً أن هذا التمويل يجري صرفه خارج الموازنة والقانون، إذن نحن نتحدث عن جسم يتنازل طواعية عن أفكار أساسية مثل "المساواة- العدالة- حكم القانون" وهي أركان أساسية في أي نظام مهما بلغ ضعفه أو بساطته.

أن التهديد الحقيقي من هذا القرار ذو الطبيعة الانتحارية يحيق بوجود السلطة والنظام السياسي الفلسطيني، لا بمصير أولئك المقهورين المحاصرين في غزة فحسب، فهؤلاء صمدوا في أرضهم قبل وجود السلطة الفلسطينية، وواجهوا الاحتلال والحصار وويلات الانقسام في عهدها، وسيبقون ممسكين بهذه الارض، فرغم التبعات المآساوية  لهذا القرار على المستوى المعيشي والانساني ألا أن الثمن الحقيقي له لن يدفعه سكان القطاع وحدهم، بل المشروع الوطني الفلسطيني، الذي بات باسمه يتم تعميق الانقسام السياسي باتجاه تجذيره كانقسام مجتمعي وهوياتي.