على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

تمدد "داعش": إمارات الموت في إفريقيا

11 تشرين أول / أبريل 2017
بل يمكن الذهاب منه للحديث عن ضرورة البحث في إستراتيجية جماعية لمواجهة التنظيم
بل يمكن الذهاب منه للحديث عن ضرورة البحث في إستراتيجية جماعية لمواجهة التنظيم

خاص بوابة الهدف

"أبو اسحق" و"أبو البراء المصري" هي الأسماء الحركية التي أطلقها تنظيم "داعش" على منفذي هجمات أحد الشعانين في مصر، الهجمات المنفذة في أحد أقدس المناسبات الدينية لدى الأقباط المصريين وعموم المسيحيين ليست الأولى من نوعها، وإن كانت بالحيثيات المحيطة بوقوعها بمثابة إعلان تنظيم "داعش" عن مرحلة جديدة في بناء منظومته في الشق الإفريقي من الوطن العربي.

تزامناً مع استهداف الكنيستين في مصر، نفذت مجموعة "بوكو حرام"- التي سبق لها مبايعة تنظيم "داعش" وإعلان انضوائها تحت لواء "خلافته"- هجومين منفصلين في نيجيريا، فيما نفذت "حركة الشباب المجاهد" في الصومال تفجير مماثل وهي الحركة الممالئة لافكار "داعش".

معظم المعطيات المتاحة تشير لكون الهجمات المذكورة ليس إلا رأس الدبوس في بناء "داعش" الافريقي الذي قطع مراحل بعيدة في تنظيمه، واللافت هنا أن حضور "داعش" يتمدد في مسارح معروفة للنفوذ الغربي التاريخي وتحديدا الأوروبي منه.

الطوق الإفريقي:

لا يمكن الجزم أين كانت نقطة البداية في بناء شبكات تنظيم "داعش" في الساحل الإفريقي، والتي تبدو في امتدادها اليوم على شكل حزام يحيط بالقارة الإفريقية من ثلاث جهات، فمن "ولاية سيناء" التي تعتبر مرتكز أساسي في استراتيجيا التنظيم وأقوى نقاط حضوره الإفريقي، وصولاً الى الصومال التي تحضر فيها "حركة الشباب المجاهد" يكون التنظيم المذكور قد سجل حضوره على مدخلي البحر الأحمر وهو ما يؤهله لاحقاً للتحول لتهديد إستراتيجي يتجاوز الدور التدميري الذي قام به في دول الهلال الخصيب العربية.

فالحديث هنا عن أحد أهم البقاع الإستراتيجية في العالم، سواء من ناحية تحكمها في شريان رئيسي للملاحة وامدادات الطاقة الدولية، وما يتصل بذلك من عزل للدول العربية ذات الصلة عن روافع هامة لقوتها، أو لجهة تمزيق هذه الدول واستنزافها، وتحول الامارات الداعشية الى عنصر ابتزاز رئيسي في معادلات المنطقة ومحور استدعاء للدور الغربي.

وفي الحد الشمالي للقارة الافريقية وهو سواحلها المتوسطية المقابلة للشاطئ الأوروبي، فإن انحسار "داعش" عن مدينة سرت الليبية لم يكن إلا عنوان لمرحلة جديدة من حضور أكثر تشعباً، فكادرات التنظيم المذكور توزعت على العديد من الحركات في البلدان المجاورة لتجتذبها إما لبيعة التنظيم المذكور أو للتقارب معه وتنفيذ أدوار ضمن إستراتيجيته.

هذا شمل استلاب الحراك المسلح لمتمردي الطوارق شمالي مالي وجنوب ليبيا من قبل "اياد اق اغا" الرجل المعروف بصلاته القديمة بأجهزة الاستخبارات الغربية ووساطاته المتكررة بينها وبين التنظيمات الجهادية، بجانب إعادة تنشيط الفرع الجزائري من "قاعدة الجهاد في المغرب الاسلامي" بزعامة مختار بالمختار الذي قتل واستمرت جماعته في الحضور، وكذلك تحويل مناطق الطوراق وتحديداً جبال "تغرارت" الى قاعدة لوجستية لإمداد وتدريب الجماعات الأخرى ذات الصلات مع التنظيم المذكور، في تونس والنيجر ونيجريا وموريتانيا
 ذلك بالافادة من مخزون السلاح الليبي الهائل الذي تسرب لأيدي هذه الجماعات ومن الثروة النفطية لاقليم ازواد المالي، وعمليات التهريب والاتجار بالسلاح والمخدرات، والأهم هو الأموال الهائلة التي ضخها مركز تنظيم "داعش" كعنوان لاستقطاب هذه الجماعات.

مؤخراً تم تتويج هذا التمدد الخطر باعلان توحد جملة من الجماعات تحت مسمى "أنصار الإسلام"، حيث ظهر زعماء التنظيمات الأربعة فى جلسة "اياد غالي" مع أمير منطقة الصحراء في تنظيم القاعدة يحي أبو الهمام، ومحمد كوفا أمير "ماسينا"، والحسن الأنصاري نائب أمير المرابطون "الفرع الجزائري من القاعدة"، وأبو عبد الرحمن الصنهاجى قاضى منطقة الصحراء لدى التنظيمات الجهادية.

وللجماعات المذكورة إرث طويل من الهجمات على دول تلك المنطقة، أبرزها سلسلة الهجمات التي شنتها إمارة الصحراء في تنظيم القاعدة على موريتانيا، وهجمات جماعة المرابطون على الجزائر.           

لا يتوقف التمدد الداعشي عند الصحراء المتاخمة لدول ومدن الساحل المتوسطي إفريقيا، بل يمتد عبر مجموعات مثل بوكو حرام ليحضر في العمق الافريقي وتحديداً في نيجيريا، بما يشكل شبكة بالغة التعقيد.

وراثة الارهاب:

سمة بارزة تظهر في تمدد "داعش" في الحيز الإفريقي العربي، وهي عمله على وراثة الشبكات المحلية للتمرد وبيئتها الحاضنة، فالحركة الوطنية لتحرير ازواد كانت مدخله للحضور في الإقليم، قبل أن يتم تصفية قيادات هذه الحركة من قبل "إياد غالي" وجماعته.

وكذلك الحال في الجزائر التي لم يبادر "داعش" لاعلان وجوده فيها واكتفى بانعاش فرع تنظيم القاعدة فيها رغم الخلافات بين كلا التنظيمين، وهذا ينطبق أيضاً على إلحاق حركة "بوكو حرام" النيجيرية بالتنظيم، أو على ما يعرف بسرايا السلام التي ظهرت في الهلال النفطي الليبي ومنطقة بنغازي، واستفادت من امتدادات لها ارتباطاً بالصحراء الغربية في مصر.

بالعودة لمصر، يبدو بدرجة كبيرة من الوضوح اعتبار التنظيم لها كهدف أساسي ضمن مخططاته، وعملياً يجري العمل بسلسلة من الأدوات على نحو متزامن لتقويض الأمن المصري، وفي مقابل الحضور المعروف في سيناء التي يفترض بها أن تشكل قاعدة ارتكاز للتنظيم، يتضح أن نوايا التنظيم لا تقتصر على إنشاء إمارة انفصالية بسيناء، وهو ما ظهر واضحاً في الإعلان عن تفجير الكنيستين باستبدال اسم "ولاية سيناء" باسم "مصر" في دلالة هامة على توسع حيز الاستهداف والنشاط الخاص بالتنظيم.

فلقد استثمرت كادرات التنظيم وحلفاؤه المحليين في الارث الطويل لحضور الجماعات المماثلة في محافظة الفيوم المصرية المهمشة، وعلى نحو استعاد تلك الاجواء التي سادت في ذروة نشاط جماعة "الشوقيين" وزعيمها شوقي الشيخ، الذي أقام قبل مقتله 1990 امارته الخاصة على النمط الداعشي، خصوصاً أن الضابط المصري السابق "حلمي هاشم" هو أحد أبرز رجال الإفتاء في تنظيم "داعش" والمقرب من أبو بكر البغدادي زعيم التنظيم، وهو المطور الأساسي لأفكار "الذبح" وغيرها من آليات التنظيم في ترويع مخالفيه.

ومن يعرف الفيوم يدرك الكثير عن استثمار "داعش"، لما زرعته حركات وجماعات إسلامية أخرى قد لا يتفق بعضها مع التنظيم المذكور في أدواته، فعلى نحو موازي لحديث التنظيم عن مظلومية أهل السنة في الشام والعراق، فانه يستثمر في الحديث عن مظلومية أبناء الجماعات الاسلامية والإخوان المسلمين في مصر، ليستثمر في حيز واسع من أبناء الجماعة الاسلامية الأكبر الذين فقدوا الثقة في قيادتهم وفي قدرة جماعتهم على استعادة قوتها في الشارع المصري.

وهو ما جعل منها المحافظة الثانية من حيث عدد ضحايا الاعتداءات "الإرهابية" بعد محافظة شمال سيناء، ومنها خرج منفذ اعتداء الكنيسة "المرقسية"، "محمود شفيق مصطفى" الذي تلقى تدريبه في سيناء لدى تنظيم داعش.

خطاب المظلومية:

وإذا كان المسيحيين اليوم هم هدف الدواعش في سيناء والاسكندرية وطنطا، فما هذا إلا استكمال لإرث قديم لجماعة "الشوقيين"، كما يحمل الأمر حاجة تعبوية لدى تنظيم "داعش" فبينما شكل الشيعة هم الهدف الأساسي للتحريض الداعشي التكفيري في الهلال الخصيب، تم استحضار المسيحيين كعنوان للتحريض في مصر والبلدان العربية الإفريقية التي لا وجود يذكر فيها للطائفة الشيعية هذا بجانب الركيزة التي توفرها لهم الجماعات الاسلامية الأخرى، وهي ركيزة المظلومية أنفة الذكر.

قطعان الذئاب أو المفارز الأمنية:

من الصحيح أن تنظيم "داعش" يتعرض حالياً لضغط حقيقي يهدد أي بقاء لوجوده في سوريا والعراق، ولكن هذا لا يعني على الإطلاق انتهاء خطر التنظيم، فلا زال بوسع التنظيم تطوير آليات العمل "الإرهابي" لديه، حتى وإن فقد السيطرة على الأراضي في مركز "خلافته"، وهو ما يبرز اليوم في قدرة التنظيم على تشكيل ما يسميه بـ"المفارز الأمنية" وهي خلايا مسلحة قادرة على تنفيذ هجمات "إرهابية" محددة تسهم في تقويض أمن الدول التي يستهدفها التنظيم، وتشكل هذه الهجمات أحد أدوات عمل التنظيم الأساسية، ليس في مرحلة الانحلال والتراجع فحسب، بل هي أداة مركزية في السيطرة على أراضي جديدة عبر تقويض الأمن، وإفقاد الجمهور الثقة في قدرة الدولة، بجانب استدراج ردود فعل من الدولة على بيئات سكانية وحواضن جماهيرية بعينها بهدف وضعها على حالة اشتباك وقطيعة مع الدولة ما يسهل على التنظيم ابتلاعها وتجنيدها، وهنا لا نتحدث عن فكرة أو تكتيك "الذئاب المنفردة" أي إرسال أفراد لتنفيذ عمليات في المجتمعات المعادية، بل عن خلايا تقوم بأدوار متعددة بينها تنفيذ هجمات دعائية أو ترويعية، بجانب أدوار أخرى قد تكون أكثر عمقاً وخطورة على مدى أبعد، مثل عمليات تصفية واغتيال ضباط الشرطة وقوى الأمن وأفراد أسرهم.

أخيراً:

بعيداً عن أي نظريات حول التنظيم ودوره، فإن ملامح انتشار التنظيم المذكور تحمل الكثير مما يجب قرائته حول الدور الذي يؤديه، كذلك حال الشخصيات التي تشكل عناوين لحضور التنظيم في الدول العربية الافريقية، فمعظم هذه الشخصيات هي ذات صلات قديمة ومعروفة بجهات غربية استخبارية أو غيرها، هذا ناهيك عن خيوط أخرى كثيرة تربط بعضهم بالسعودية.

العنصر الآخر الأكثر إثارة هو عجز التنظيمات الإسلامية التقليدية عن إدراك الدور الذي تلعبه في خدمة "داعش"، فعملياً ما يقوم به التنظيم المثير للجدل هو حصاد كل ما زرعته تلك التنظيمات في برامج تعبئتها أو خطابها السياسي أو الفكري، هذا ناهيك عن وراثته لبيئتها الحاضنة وكادرات اساسية في بنيتها التنظيمية.

تلخيصاً لا يمكن التنبوء بمستقبل "داعش" في الشق العربي الإفريقي، ولكن المؤكد أن هذا الانتشار الداعشي قد ساهم حتى اللحظة في خدمات كبيرة لخصوم أساسيين وأعداء لشعوب هذه المنطقة، على نحو لا يثير الشكوك فحسب، بل يمكن الذهاب منه للحديث عن ضرورة البحث في إستراتيجية جماعية لمواجهة التنظيم وبعيداً عن الاعتماد على العامل الغربي الذي لا يمكن على الاطلاق الثقة في نواياه في هذه القضية بالذات.

متعلقات
انشر عبر