Menu
حضارة

حكايات جدّتي التي لا تنتهي

تعبيرية

ساري موسى

أسوأ ما يمكن أن يحصل لشخصٍ يحب أن يكتب هو أن يعيش في عائلةٍ لا قصص مرويّةً فيها. هل توجد عائلة لا قصص لأفرادها؟ الجد الذي بلغ العقد السابع أو الثامن من العمر، الأب الذي مرّ بالفترة التي يمرّ بها ابنه منذ سنين ليست طويلةً جداً، الأعمام والأخوال أيضا؟ غير معقول. لا توجد عائلة لا قصص فيها، لكن هناك عائلات لا يرغب أفرادها بالحديث، أو لا يجيدونه ربّما. أفراد عائلتي هم من هذا النوع الصَّموت.

أحياناً تنفتح القريحة في عزيمة غداء. يبدأ سرد الذكريات. يرمي شخص حكاية، فيردّ عليه شخص آخر بحكاية مقابلة. هكذا دخلت إلى رأسي بعض قصص أبي، لكنني نفضتها من رأسي سريعا، وحاولت أن أنساها كنوع من الاعتراض والاحتجاج، كنوع من عدم الرضا عن الطريقة التي بلغتني فيها هذه القصص. لماذا لم تأت في ظرف مغاير، في مناسبة أخرى، مناسبة خاصة بحَكي الحكايات دون وجود غرباء تُحكى القصص لهم وعليَّ أنا أن أسمعها هكذا بالصدفة؟ لماذا لم تُحكى تلك الحكايات لي مباشرة؟

فيما بعد تمرنت على ألّا أسمع ما يُحكى في عزائم الغداء والاجتماعات المشابهة، ونجحت بذلك.

وحدها جدتي لأمي تختلف عن بقية أفراد العائلة.

منذ فترة قريبة انتبهت أن علاقتنا قد تطورت لترتقي إلى صداقة. صداقة حقيقية متينة. هناك أشياء لا تحكيها جدتي إلا لي أنا، حفيدها الأول. وصرت بالمقابل أخصّها بأسراري التي تحفظها لي في أعماق قلبها، تماماً حيث تحتفظ بحبّها لي.

أمي تقول إنهم، هي وأخوالي الثلاثة، كانوا يتحلّقون حول أمهم في ليالي الشتاء الباردة الماطرة، ويطلبون منها:

ـ "أمي، حكيلنا حكاية".

ـ "مو هلأ، بس تنقطع الكهربا. درسوا هلأ".

فيروحون يضيعون الوقت بين صفحات كتاب مدرسي أو تحت اللحاف بانتظار انقطاع الكهرباء. وعندما تنقطع، تجمع جدتي قطعة الصوف التي تشتغلها حول الصنارتين الطويلتين وتدسهم خلف ظهرها، أو تُبعد الوعاء الذي تُحضّر فيه غداء الغد، مدفوعة بانجذاب أولادها نحوها والتفافهم حولها، قرب المدفأة.

وبلا شمعة أو قنديل كاز، في العتمة الموشحة بظلال حمراء تخرج من بلّورة مدفأة المازوت التي لا تعود مصدر الدفء الوحيد في الغرفة، بل تشاركها حكايات جدتي بدفئها الخاص، تحكي لهم جدتي وتحكي. تحكي لهم حكايات كثيرة ومتنوعة. وبعد فترة تميل جدتي برأسها إلى كتفها تعبة، وتصير كلماتها ممطوطة مع تثاؤبها، ثم صعبة الفهم، ثم مغمغمة، ثم تسكت جدتي. وينكزها من ظلّ صاحياً من أولادها:

ـ "أمي، أمي، حكيلنا أسّا".

موقظاً إياها، فتطفئ المدفأة وتسوقهم نحو أسرّتهم.

أمي تقول إن بعض حكايات أمها كان مخيفا إلى درجة أنها كانت تعجز عن النوم. وأنا أقول إن جدتي لا تفعلها، لا تُرعب صغارها. وأرجّح أن العتمة التي حُكيت فيها الحكايات، تلك العتمة السوداء الموشّحة بومضات البروق وبالظلال الحمراء الهاربة من المدفأة، والتي تتراقص على السقف والجدران مثل أشباح أرواح معذّبة هاربة من الجحيم، هي من أرخت أجواء الفزع على حكايات جدتي.

في هذه الأيام أيضاً تنقطع الكهرباء عندنا، تنقطع كثيراً، ربما مثلما كانت تنقطع قبل أربعين عاماً. لهذا أحاول أن أُكثر من زياراتي لجدتي بعد الظهر وأن أبقى حتى المساء. زياراتي هذه دائماً ما تُثمر حكايات جديدة، بينما لا تكون كذلك زياراتي الصباحيّة لها حيث تكون مشغولة بتحضير طبختها اليومية، والتي لا تقل لذّة ومتعة عن حكاياتها. طبخات جدتي حكايات أخرى...

عندما تنقطع الكهرباء لا حاجة لي بأن أقول لها "ستّي.. حكيلي حكاية"، فقط أحكي لها ما حدث معي قبل أيام، أو ما حدث قبل سنوات في الجامعة، أو أي شيء آخر. فتتذكر هي قصة مشابهة حدثت مع أحد أخوالي، أو معها هي، وتحكيها لي. وأحيانا تكون قد تذكرت شيئا بين زيارتين، وعندما أحضر تستحضره لي:

ـ "ليك يا ساري، بدي أحكيلك هالحكاية".

وتحكي لي، وأسمع أنا. أسمع بشغفٍ حتى تلك القصص التي سمعتها سبع مرات قبلاً. أسمع تلك القصص التي لن أستطيع أن أوردها، لأنني لم أتعلّم بَعدُ كيفية كتابتها بذات السّويّة التي حَكتها فيها جدتي. لم أتعلم خاصة طريقتها في "الحبكة الحكائيّة" وكيف تربط بين الأحداث التي لا يبدو أن بينها أي رابط.