Menu
حضارة

موطني.. موطني

كاريكاتير

أمجد ناصر

تدور، اليوم، في ساحات وسائل التواصل الاجتماعي "معارك" بين المعترضين على أداء المغنية اللبنانية، إليسا، نشيد "موطني" والمدافعين عن "جرأة" المغنية "العاطفية"، ذات الميل القواتي اللبناني، في غناء نشيد "قومي عربي"، ردَّدته أجيال عربية متلاحقة، حتى بدا كأنَّه نشيد العرب من دون منازع، نظراً لاعتماده، رسمياً وشعبياً، في عدد من البلدان العربية. يدور الحديث عن "أغنية" وأخطاء وسرقة فنية، بعيداً عما يمثله هذا النشيد من تاريخ يكاد أن يختصر آمالنا في التحرر والاستقلال والسيادة على أرضنا ومقدراتنا في مواجهة استعمار يتغير شكله، ولا يتغير جوهره. وها هو انبعاث النشيد، مجدداً، يشكل، بصرف النظر عن نيات "باعثيه"، حاجة العربي المقيمة إلى معانيه. لا يُغنى نشيد كهذا من أجل الترنُّم الطربيّ، فهو لم يوضع لهذا الضرب من الغناء. فلا بدَّ أن هناك احتياجاً كي يُنْشَد، ولا بدَّ أنه احتياجٌ ماسٌّ حتى يلفت نظر مغنية "عاطفية". لا حاجة أن يكون المرء مسيَّساً ليدرك ذلك، يكفيه متابعة نشرة أخبار عربية واحدة، كي يعرف ما نحن فيه، وأي أمر جعل هذا النشيد يستمر، على الرغم من تقادم بعض ألفاظه، وانصراف عربية اليوم عنها.

يعيدني الجدل القائم حول "موطني" إلى صباحات الدراسة في مدينة الزرقاء الأردنية، حيث كان "موطني" مقرَّراً، محفوظاً ومُردَّداً، أكثر من "السلام الملكي". فلم يخل صباح مدرسي أردني، عقوداً، من أداء النشيد الوطني، غير الرسمي طبعا، "موطني". مرَّت فترة نضال الجزائريين في المدارس الأردنية، وغنينا في الطابور الصباحي: وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر، كما غنينا: بلاد العرب أوطاني، ونحن الشباب لنا الغدُ، ولكن ذلك لم يدفع "موطني" خطوة إلى الوراء. لفترة طويلة، كنت أظن أن للأردن نشيدين، أحدهما يتعلق بالاستقبالات الرسمية وأعياد "الجلوس الملكي"، وآخر لا يوجد من مرَّ بمدرسة لا يحفظه عن ظهر قلب، ويترنم به، كما لو كان نشيده الشخصي. "عاش المليك، عاش المليك"، بداية "السلام الملكي"، تختلف تماماً عن "موطني موطني"، ففي الأولى كلام رسمي، ناشف، مصنوع. وفي الثاني تسيل المعاني والألفاظ بلا مشقّة:

مَـوطِـني مَـوطِـنِي/ الجلالُ والجمالُ والسَّــناءُ والبهاءُ في رُبَاكْ/ في رُبَـاكْ/

والحياةُ والنـجاةُ والهـناءُ والرجـاءُ في هـواكْ/ في هـواكْ (...) مَـوطِنِي مَـوطـنِي/

الشبابُ لنْ يكِلَّ هَمُّهُ أنْ تستَقِـلَّ أو يَبيدْ/ نَستقي منَ الـرَّدَى ولنْ نكونَ للعِــدَى

كالعَـبـيدْ كالعَـبـيدْ.. إلى آخر كلمات النشيد الذي وضعه الشاعر الفلسطيني، إبراهيم طوقان، في ذروة الثورة الفلسطينية الكبرى في أواسط ثلاثينيات القرن الماضي، وأبدع لحنه الملحنان اللبنانيان الأخوان فليفل، اللذان وضعا أكثر من نشيد عربي، لا تزال تتردد ألحانه في صباحات بعض المدارس العربية.

لكن، جاء وقت على نشيد "موطني" أن يتوقف، بقرار من وزارة التربية الأردنية. الحجة أنه أصبح نشيداً رسمياً للعراق ما بعد الاحتلال، ولا يجوز للنشء الأردني أن يتغنى بنشيد وطني لبلد آخر! ينسى من جعل هذا الحجة سبباً في توقف نشيدٍ صدحت به أفواه ملايين الأردنيين، على مدار أكثر من نصف قرن، أن العراق نفسه كان نشيده الوطني "والله زمن يا سلاحي" الذي تشاطرته مع مصر. لم أعلم بالقرار الأردني، إلا عندما رحت أبحث، في الإنترنت، عن كلمات النشيد الكاملة، فوجدت خوضاً أردنياً في حكاية نشيد "موطني"، وعدم وجود نشيد وطني للبلاد. هذا مؤسف. فـ"موطني" كان نشيدنا في الأردن عقوداً، قبل أن يستبدل بول بريمر (لأمر في نفس يعقوب) نشيد شفيق الكمالي البعثي بنشيد إبراهيم طوقان.

المهم أن غناء السيدة إليسا "موطني" لم يمرّ مرور الكرام. ليس فقط من باب انتقاد الأداء، بل من باب "سرقة" النشيد، بتوزيعه الجديد، من مغن فلسطيني شاب، يدعى مراد السويطي. سمعت النسختين. التطابق شبه تام. والمطمطة و"الطربية"، في غير محلها، هما هما. لكن يمكن احتمال السويطي أكثر.