Menu
حضارة

بين مسميات العروبة والشرق الأوسط

خريطة الشرق الأوسط

شحادة موسى

في ختام مؤتمر القمة العربي الأخير (شرم الشيخ 28-3-2015)، هتف الرئيس السيسي بحماسة قائلاً "تحيا الأمة العربية". ولوحظ أن بعض وسائل الإعلام العربية أخذت تردد عبارات، مثل: الأمة العربية، والأمن القومي العربي، والقوة العربية المشتركة؛ وهي عبارات كادت أن تصبح من عالم مضى.

فمنذ سنوات، سادت في وسائل الإعلام، وعلى ألسنة مسؤولين وكتاب، تعبير "الشرق الأوسط"، وملحقاته. وهذا المصطلح في أساسه ليس محليَّا؛ ويقال إن الذي وضعه هو ضابط بحري بريطاني في عام 1920، وهناك من ينسبه الى آخرين؛ ويُقصد به الإشارة الى ما يقع شرق أوروبا، أو شرق البحر الأبيض المتوسط. ولأنّ المصطلح ليس جغرافيًا ولا سياسيًا، فقد بقي غير محدد من حيث المنطقة أو الدول التي يشملها.

وفي إطار ما سُمي بالسلام مع إسرائيل، والتعامل معها على أنها دولة طبيعية في المنطقة، وضع شمعون بيريز مصطلح "الشرق الأوسط الجديد"، وجعله عنوانًا لكتاب ألفه بعد اتفاق أوسلو الذي أبرمه مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، وقال إن هذا الشرق يمتد من مصر إلى باكستان، ومن تركيا الى السودان.

وقبل بضع سنوات ظهر تعبير "الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" ويُرمز إليه بكلمة "مينا"، اللفظ العربي لكلمة MENA المؤلفة من الأحرف الأولى للتعبير بالإنجليزية Middle East and North Africa. وقد وصف محمد جابر الأنصاري  هذا التعبير بالمصطلح الهجين الذي يُراد به محو العروبة. وبالفعل، لا وجود لهذا المصطلح أو لغيره من مسميات الشرق الأوسط، في التقسيمات الإقليمية لدى الأمم المتحدة، أو في المنظمات الإقليمية المعروفة في المنطقة؛ وهو ما يؤكد أنّ القصد من هذه التسمية أن تكون بديلاً للمسميات التي تعبّر عن الهوية العربية، والروابط القومية بين شعوب الأمة العربية وأبنائها.

وقد عزّز من هذا الاعتقاد، المواقف والسياسات الأميركية بهذا الشأن. فالمسؤولون الأميركيون، سياسيون وعسكريون، يعلنون على الملأ أن أميركا تسعى إلى إعادة تشكيل شرق أوسط جديد أو كبير، تعيش فيه إسرائيل ضمن حدود آمنة ومعترف بها. وتُظهر الأحداث التي تعصف بالوطن العربي أنّ هذه المساعي الأميركية مدفوعة بالمصالح الإسرائيلية، وتهدف الى تفتيت الوطن العربي، وتحويله الى كيانات بهويات دينية وعرقية متناحرة، على أنقاض الأمة العربية وكياناتها السياسية القائمة.

ومما يُؤسف له أنّ هناك هيئات حكومية وأهلية عربية، أصبحت تُقيم أنشطتها (مؤتمرات ولقاءات فكرية وبحثية، وما شابه) بعناوين شرق أوسطية. وهناك مؤسسات ومراكز أبحاث ودراسات، تتأسس بمسميات كهذه؛ وكأنه لم يعد هناك أمة عربية أو وطن عربي، أو مراجع لغوية تُستمد منها التعابير والمسميات المطلوبة، مع أنّ هذه المؤسسات وأنشطتها عربية خالصة، سواء في مجالاتها الجغرافية، أو القضايا التي تعالجها، أو الجماعات التي تتعامل معها.

ووصل الأمر الى أن يستخدم بعض المسؤولين العرب عبارة "مشكلة الشرق الأوسط" وهم يقصدون القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي. والمسألة هنا تتخطى شكليّة المُسمّى وتذهب الى ما يوحي بأنّ القضية غير عربية، ويُلغي المسؤولية العربية الجماعية تجاهها.

وهناك الوجه الآخر، والأكثر خطورة، لهذه المسميات، وهو عداء "بعض" العرب للعروبة؛ وهؤلاء ليسوا معارضي الوحدة العربية المعروفين بحرصهم على الكيانيّة القائمة؛ وإنما الذين يعملون على تقويض فكرة القومية العربية، ويصطفون بذلك الى جانب أعدائها الصريحين. فقد أصبح همُّ هؤلاء، على اختلاف مشاربهم، التفتيش في أخطاء وممارسات أنظمة سياسية، وحركات قومية، ليصلوا الى أن القومية العربية هي أصل الداء وهي السبب في الاستبداد والفساد والفشل الذي ألمّ بالأمة العربية وشعوبها؛ فلا إصلاح ولا تقدّم – بنظرهم - إلّا "باجتثاث" فكرة العروبة. وهكذا مثلاً، يقول مسؤول كبير في منظمة إقليمية كبيرة إنّ العروبة أكذوبة ولا وجود لأمة عربية، واللغة العربية لا تُنشئ أمة؛ فأميركا اللاتينية، كما يقول، تتحدث بالإسبانية وهي أمم وليست أمة واحدة.

وعداء الغرب والصهيونية للعروبة ليس بالأمر الجديد؛ فقد حيكت مؤامرات وشُنت حروب على الذين رفعوا راية القومية العربية، لأنهم باسمها دعوا الى الحرية والكرامة والعدالة، ورفضوا الظلم واستغلال الشعوب، وأعلنوا عداءَهم للمشروع الصهيوني وعملوا من أجل تحرير فلسطين.

وعلى ذلك، فإن القيمة الحقيقية لاستعادة مسميات العروبة إنما تكمن في التمسك بمضامينها المشار إليها، في إطار تجديد المشروع الوحدوي، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، والعمل على استئصال المشروع الصهيوني من الأرض العربية.

ومن البديهي أن يكون التخلص من استخدام مسميات الشرق الأوسط، في مقدمة الإجراءات العملية لضبط المصطلحات وفق معايير مبدئية وعلمية تحددها مرجعيات مختصة.