على مدار الساعة
أخبار » رأي الهدف

سلطات بائسة

15 أيلول / أبريل 2017
عباس
عباس

أشد ما يثير الاستغراب في حالة فلسطين هو غياب القطب أو التيار الثالث الذي طالما نظر له الكثيرين كبديل عن طرفي الانقسام الحالي، فما يقوم به طرفي هذا الانقسام كفيل بخلق كل دعاية سياسية ممكنة لهذا التيار دون الحاجة لجهد تنظيمي كبير أو خطط عبقرية ويكفي أن نستعرض هنا جملة الكوارث السياسية التي ارتكبت في فلسطين منذ بداية إبريل الجاري كتوضيح لما تحدثنا عنه.

قرار قطع الكهرباء عن أهالي قطاع غزة لمدة أربع ساعات، الذي اعتبره أصحابه احتجاجا على العسف والقهر الواقع على هؤلاء السكان الضحايا، يمكن تصنيفه في مكان ما بين الكوميديا والتراجيديا، والأهم أن هذا الحدث يعكس لحد كبير التردي الذي وصل إليه وضع العمل العام في فلسطين، وحجم الخلل الذي أصاب فكرة الاحتجاج.

في فلسطين اليوم بإمكان حكومة التوافق والرئاسة اتخاذ قرار باستقطاع رواتب الموظفين من أهالي قطاع غزة، في إطار الاحتجاج أو "الحرد" الموجه ضد استمرار حركة حماس في السيطرة على قطاع غزة، بل وبإمكان ذات الحكومة التهديد بخطوات أكثر تعسفية ضد سكان القطاع إذا لم ترضخ حماس لتهديدات السلطة الفلسطينية، وبالمقابل بإمكان الجهات المسؤولة في غزة قطع الكهرباء عن السكان احتجاجا على ظروف القطاع المآساوية في ظل سيطرة هذه الجهات تحديداً، وبذات المنطق يكون من حق هذه الجهات الصانعة للانقسام والبؤس الفلسطيني إيقافنا في طوابير في الميادين العامة واطلاق النار علينا احتجاجا على بعضهم البعض، وهنا لا نتحدث عن مبالغة، فهذا المنطق يقود لما هو اسوء من ذلك اذا واصلنا تجرعه كانه حقيقة مرة فحسب.

هناك خلل واضح في فهم مجموعة من البديهيات يقود لمثل هذا النوع من القرارات، أبسط هذه البديهيات، أنه لا يمكنك الاحتجاج فيما أنت ممسك بالسلطة وبكل أدوات السيطرة والقهر، وأنه لا يمكن أن تؤذي الضحية كاحتجاج منك على أذى ألم بك أو بها، أي أنّه لا يمكن للسلطة الفلسطينية أن تؤذي الفلسطيني في غزة لأنها فقدت السيطرة على القطاع نتيجة لسياساتها الخاطئة، ولا يمكنها تهديده بمزيد من العقوبات، فهذه الافعال تجعلها خارجة تماماً عن دائرة المشروعية والقانون، كذلك لا يُمكن لمن يحكم غزة فعلياً – أي حركة حماس- أن يقوم بعقاب السكان احتجاجاً على قيام السلطة الفلسطينية بمعاقبة ذات السكان، أو بمعاقبتهم احتجاجا منها على سوء أوضاعهم المعيشية، او مواصلة احتجازهم كرهائن لسلطتها احتجاجا منها على البرنامج السياسي للسلطة الفلسطينية، هذه ببساطة وفي كلا الحالتين جرائم، ولا يجب أن نخجل لحظة واحدة في توصيفها كجرائم.

وحتى لا نظن أن ما يحدث لنا قد وقع من السماء، يجب علينا فهم الأمر كجزء من المعادلات الناتجة عن أوهام تشكيل السلطة تحت الاحتلال، فالواقع القائم في غزة ورام الله هي نماذج لسلطة مشوهة، نتجت عن اتفاقية لتصفية القضية الفلسطينية اسمها اتفاقية أوسلو، هذه السلطة بكافة أذرعها ومسمياتها والنخب المستفيدة منها أفسدت حقل العمل العام في فلسطين، وأرهقت شعبها بما لا يمكنه تحمله، في سياق مغامرات لا يمكن فهمها في أحسن الظنون إلا كانتهازية وقصر نظر، هناك الكثير مما يجب الحديث عنه في اطار فهم ما الذي اوصلنا لهذا الحال.

 فلقد تعرضت ثقافة الاحتجاج في فلسطين الى تشوهات كبيرة، يمكن احتسابها كجزء من الدمار الهائل الذي الحق بالعمل العام في هذه البلاد، ويمكن القول ان اسوء اضرار الاتفاق التصفوي لم تقتصر على الحيز السياسي المباشر وذلك الخلل الذي احدثه بمجرد توقيعه على معادلة الصراع مع العدو، بل ان الاتفاق المذكور اسس بنى وهيكليات ممسوخة، ربطت تفاصيل حياة الانسان الفلسطيني بها، وقلصت هوامش التمرد والاحتجاج.

هذه التغيرات والبنى ربطت معيشة الانسان الفلسطيني بالتمويل الغربي، وقامت بكسر كل تلك المحاولات البكر لتحرير الاقتصاد الفلسطيني من الهيمنة الصهيونية، والحقتها مجددا بمركزي الاتفاق، التمويل الغربي، والاقتصاد الصهيوني، وهنا لا يمكن النظر للمأزق المعيشي الذي يلمسه ويعيشه معظم الافراد باخفاق تقني في ادارة حياتهم، او حتى اخفاق تقني من قبل السلطات المعنية داخل حكومات السلطة الفلسطينية المتعاقبة، وهنا يجب ابصار هذا التأثير المميت كهدف اساسي للاتفاق، فلم يكن هناك فرصة لكسر الارادة والفعل السياسي الفلسطيني على المدى الاستراتيجي دون كسر قوة المجتمع، ذلك المجتمع الذي انتج وعاش تجارب استقلالية شجاعة وذكية في انتفاضة الحجارة 1987.

ما نحتاجه اليوم هو استعادة قوة الشعب وارادته، واعادة تكريس نموذجه الثوري الفريد، في مواجهة هذه الرعونة الكارثية، ورغم كل العقبات المتجذرة في مواجهة تكريس هذا النموذج الا انه لا خيار او افق امام الشعب الفلسطيني دون ذلك، فالاستسلام امام هذه الممارسات يعني فعليا نهاية حقيقية تتجاوز الخطر السياسي الى خطر افناء كل تجليات الوجود الفلسطيني الجمعي على هذه الارض.

بوابة الهدف

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر