Menu
حضارة

"أيُّ كرامة؟ أسرانا يكذبون، أسرانا مخادعون"

81bf1c34-e433-4aa1-a8a6-214c049b0dd8

أحمد مصطفى

بسمِ ربِّ القيد والزنزانة،،

إنهُ الثامنُ والعشرين من نيسان، للعامِ الفلسطيني التاسع والستين بعد نكبةٍ ونكسة ومعاركَ طويلة، والسابعُ من (تموز) لعام ألف وتسعمائة وثمانين ميلادي.

مهلًا.. حتى لا أنسى، بسمِ قُمَع السجائر الإسرائيلية الفاخرة، المتروكة خلف الكرسي الخشبي الذي لا ظهر له، والمرسومةِ على أجسادِ الأسرى في غرفة الشّبحِ والتعذيب..

في هذهِ الجُمعة المباركة وفي ذاك الاثنين المبارك من العام 1980، وبعد أن رُفِعتْ أعمالُ المسلمين إلى بارئهم، وصعدَ النبيُّ موسى إلى جبل سيناء ليرى وجهَ السّماء ملخّصًا في عشرةِ وصايا.

يعكفُ الجنديُّ اليهوديّ الهولندي على رباطهِ الثقيل عند بوابة سجنِ "نفحة"، والمُطلّ على تلكَ الجنائن الخضراء الّتي أمست بَرَاحًا هولنديًا بعد أن شيّدتها إسرائيل على أنقاضِ تجريفِ الصنوبر في طَورِ مخاضها لزيت الزيتون.

يتركُ شُرفةَ البوّابة، ويتحرّكُ متّوجهًا صوبَ برجِ المُراقبة، فيصفعُ نفسه صفعةً قويّة على حينِ غرّة، ويرددُ على لسانهِ برجفةِ الشِفاه "أسير تدفاريوم"، أي أنه قد نَسِيَ قراءة وِردَهُ اليومي من الوصايا العشرة.

يجلسُ على نافذة البرج فيُعطي للسجون مؤخّرته من البصر، ويبدأ في قراءةِ وِرْده اليومي من الوصايا التي لا يستطيع حفظها، فيمرُّ على "لا تزنِ، لا تقتلْ، لا تسرق، لا تشهد شهادة الزور" مرور الكرام، إلا أنهُ يقفُ عند الوصيّة: "لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ".

يبتسم كما جرت العادة، ويذهبُ إلى دورة المياه ليمارس طقوس عادته السريّة على وقعِ الترانيم الإباحيّة، فيستحضرُ نشوته الحيوانيّة مستمتعًا، ويضعَ سمّاعات أُذنيه حتى يصرف سمعه عن صراخِ الأسرى تحت وطأة التعذيب ويبقى مُنصتًا لصراخِ الممثلة الإباحية، وبعد أن يقضي حاجته يمسحُ يديه بسرواله ويعودُ إلى أدراج بوابته متباهيًا بذنبٍ لم يُرتكب.

السابعة والنصف صباحًا.. العصفورُ على بابِ الزنزانة يرفضُ أن يشذو نغمًا، الأسرى يستيقظون بعد أن أغمضوا أجفانهم لعشرين دقيقةٍ كاملةٍ تحت وطأة القمع والتعذيب، الجنديُّ الهولندي يُعدُّ طعام أسرى العَزلِ الانفرادي في المطبخ، طابورُ الصباحِ يُقرع، الجنودُ يتوزّعون حول العنابر، لا صوت يهمسُ في الأُفق، ماذا يوجد؟، ماذا يحصل؟ لماذا لا نسمع صوتًا؟ أين الضجيج؟ أبوابهم قد فُتِحَتْ؛ فلماذا لا يخرجون؟

يذهبُ المسؤول للغرفة رقم 14، فيسحبُ الأسيرين القائدين من سجودِ الضُحى ليقودهما إلى غرفةِ التحقيق ويتساءل لأحدهم: ماذا يحدث أيها الإرهابي؟ لماذا تصمتون؟ لماذا لم تخرجون؟ هل تتمرّدون؟ أم نحجبُ عنكم الفورة أيها الملعونون؟

يبتسمُ الأسير الآخر ويقول: "سَلْ هذا العصفور الصامت عن صمته، هو من سيُخبرك". فأجابَ العصفورُ مُزقزقًا: "إنّنا مُضربون"!

وبدون سابقِ إنذار، ينهمرُ الضابطُ بضربِ الأسير متخبّطًا: "يا ابن الش..، يا ابن الق.."، فيتدخّل زميله في الأسر لإنقاذه، فيُخرج الضابط سلاحه مُشهرًا صوبهما محذرًا من العِناد والاستمرار في الإضراب، فيُرحِّبا بالموتِ على صيام. "فيقتلهما".

يخرجُ للممرِ الطويل، ينادي ويصدح: "هُنا سجنُ نفحة، لا نفحاتُ الوردِ تداعبكم، ما لكم فيهِ إلا جهنما. قوموا فتناولوا طعامكم، فالإضرابُ لا يُطعمكم تسريحًا وإن ادّعيتم أنه يُشبعكم كرامة".

ومن جانبٍ آخر، تستيقظُ المجتمعات الإسلامية على وقعِ الأخبار العاجلة التي لا تمتُّ للأسرى الفلسطينيين بِصِلة، لكن كانت هُناك فضائيّة قريبة للنزاهة، فاكتفت بذكرِ خبر الإضراب في شريطها السريع؛ فثارت حَميّةُ المُسلمين عندما شاهدوا الخبر العابر، وأسرعوا لفتحِ صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وبدأوا في تعميم (الهاشتاجات) بكلِّ قوةٍ ووفاءٍ أصيل، وتوحّدوا لأولِ مرة تحت سقيفة "#إضراب_الكرامة" ولمدّةِ سبعة أيامٍ كاملة!

بالعودةِ إلى الزنزانة.. الأسرى يكتظون خلسةً حول هاتفٍ مُسرّب، يتابعون الأخبار وفق الراديو المُرفق به، يستمعون للإذاعات المحليّة وهِيَ تشجُب وتُندِّد، وتخرجُ الأحزاب بالمسيرات التي تنتهي عند حلول المساء، ولا يبقى في الساحةِ التضامنيّة سوى الشرفاءِ ممن ينامون على الطُرقات.

ينظرُ الأسرى لبعضهم البعض بعد أحد عشر يومًا من الإضراب، يلتحفون الصبر بعد يأسِ الحِراكِ المُثمر، وينتظرون شمس الحريّة بعد ليلٍ قد أدبر.

- أيها الأسرى، لطفًا بحالكم، لماذا تكذبون؟

لماذا أوهمتمونا بأنّ هناك كرامةٌ خارج السجون؟ لماذا أنتم بنا ترأفون؟

لماذا أسميتم الإضراب "بالحريّة والكرامة"؟، ولماذا اخترنا الكرامة وكُنّا عن الحرية مُعرضون؟

- أيها الأسرى، لطفًا بأحوالكم، لماذا تُخادعون؟

أنتم أعلمُ منّا بأحوالنا وأحوالكم، قد أضعنا أنفسنا بين حفِّ اللحيةِ وحفِّ الشّارب؛ فغدونا كالشَّعرِ محفوفين. فلماذا ومن تُخادعون؟ أم أنهُ ذنبٌ مصدّرٌ إلينا بأننا مقصِّرون؟

عذرًا أسرانا، ليس باليدِ حيلةٌ غير الدُعاءِ فأخبروهم.. أنكم غير عونِ الله لا ترجون.