على مدار الساعة
أخبار » منشورات

الصهيونية والهولوكوست* عقدة (الشعب المختار)

29 أيلول / أبريل 2017
الصهيونية والهولوكوست
الصهيونية والهولوكوست

ببساطة شديدة: الدم اليهودي أفضل وأكثر أهمية من غيره، وبالتالي تعظيم الخسارة والاحتفاء بها يأتي ضمن سياق الفرادة، ويتحول إلى أداة ابتزاز، وأداة تبرير للسلوك الإجرامي المبني على أفضلية الوجود وترتيب المكانة بالعلاقة مع الله. وهذا هو جوهر عقدة الهولوكست اليهودي، وجوهر تحويلها من حالة تظهر معاناة البشر وكدرس لا يجب أن يتكرر إلى مشروع تجاري بغيض، بل حرب عنصرية ضد شعب آخر.

ثمة ارتباط مباشر بين فكرة فرادة الضحية وعقدة (جوهوفا( (1) وتقوم على الاعتقاد بأن المرء اليهودي أسمى من بقية البشر، والميل إلى الارتباط بالإله والاعتقاد بالضحية التي لا نظير لها.

وتعتبر فكرة الضحية مسألة حاسمة في تمثيل الواقع اليهودي والهوية اليهودية من زاوية ما يسمى مشروع التحرير الصهيوني (2) «الذي استند بحزم إلى أسطورة ضرورة تخليص اليهود من منفاهم ومن عذاب المنفى عبر جمعهم في أرض الميعاد» أصبح كل مطلع يعرف زيف هذه الأساطير ولكن تحليلها باستمرار يبقى ضروريا لكشف وقاحة الصهيونية وزيفها في سبيل دحضها النهائي.

ورغم ولع مؤرخي الصهيونية وأنصارها برواية تاريخ اليهود كضحايا أبديين لكراهية دائمة وشاملة، إلا أن فكرة أنه بالإمكان رواية تاريخ ضحايا آخرين، بل وأن جزءا منهم هم ضحايا «القومية»اليهودية، تثير معارضة عنيفة، ففي حالة المؤرخين الليبراليين تصيبهم مثل هذه الأطروحات بعمى أبستمولوجي والى بلبلة فكرية، وتنكشف عندها عدميتهم ولا عقلانيتهم ومفارقتهم الطروحات للمنهج العلمي، وهكذا ينكشف الخطاب الصهيوني، وما يلحق به عن أعراض عدم الراحة من مجرد فكرة أن اليهود أنفسهم أنتجوا ضحايا، والتفسير السائد للتاريخ لا يفسح مجالا للحديث عن اليهود كمضطهدين جماعيين على امتداد سنوات التاريخ الصهيوني منطلقا من أن اليهودي واستمراره الإسرائيلي هو ضحية فقط.

الهولوكوست: فرادة الضحية وضعف المنفى

تشير القصة الرسمية الإسرائيلية إلى أن «الكارثة (بالعبرية شؤآة) هي الفظائع التي حلت بالشعب اليهودي إبان الحكم النازي في أوربا في الفترة من 30 كانون ثاني 1933 عندما أصبح هتلر مستشارا لألمانيا وحتى 8 مايو أيار 1945 (يوم النصر) عندما انتهت الحرب في أوربا، خلال هذه الفترة من الزمن تعرض اليهود في أوربا إلى اضطهاد قاس ومتزايد انتهى بقتل 6 ملايين يهودي (بضمنهم 1.5 مليون طفل) وبإبادة 5 آلاف جالية يهودية، ويمثل هذا العدد من القتلى ثلثي يهود أوربا وثلث يهود العالم، ولم يكن اليهود الذين لاقوا حتفهم ضحايا القتال الذي دمر أوربا خلال الحرب العالمية الثانية، بل إنهم كانوا ضحايا محاولة مقصودة ومبرمجة قامت بها ألمانيا لإبادة اليهود في أوربا تماماً، وهي الخطة التي أطلق عليها هتلر اسم الحل النهائي en losang ) (3).

تلك كانت القصة الرسمية الصهيونية، وقد تناولت عشرات وربما مئات الكتب والدراسات والمحاضرات القصة الحقيقية أو المزيفة للهولوكست وهي موضوع رائج للدعاوى القضائية والمعارك الإعلامية والسياسية، بل للحصار والإرهاب الفكري والمطاردة والنبذ، وقد دفع الكثير من الباحثين والمؤرخين والصحفيين وحتى العلماء ثمنا شخصيا عاليا جراء أعمالهم العلمية والموضوعية والتي حاولت إعطاء وصف حقيقي لما حدث في فترة الحرب العالمية الثانية، لذلك وبسبب وفرة هذه المؤلفات لن يكون إعادة العمل عليها من أهداف هذا النص، وإنما الهدف إلقاء الضوء على هذا التاريخ من زاوية أثرت على البيئة النفسية للصهاينة كمجتمع وقيادة والاستخدام الأيدلوجي المرضي لهذه القصة.

عموما يستخدم مصطلح الإبادة في العصر الحديث ليدل على مسعى طائفة أو مجموعة عرقية أو سياسية معينة للقضاء على أقلية أو طائفة أو شعب قضاء كاملا، وفي الخطاب السياسي السائد في أوربا يطلق مصطلح (إبادة اليهود) extermination the Jews على محاولة النازيين التخلص من الجماعات اليهودية في ألمانيا والمناطق الأوربية الخاضعة لسيطرتهم عن طريق تصفيتهم جسديا، وتستخدم أيضا كلمة genocide جينوسايد المؤلفة من كلمتين لاتينيتين هما genus بمعنى نوع و caedes بمعنى مذبحة ويشار إلى الإبادة في معظم الأحيان بكلمة (هولوكست) وهي كلمة يونانية تعني (حرق القربان بالكامل) وتترجم إلى العبرية (شؤآة) وتستخدم كلمات (هولوكست والكارثة وشؤآة) كمترادفات. للدلالة على عملية إبادة اليهود) في الخطاب السياسي الغربي والصهيوني.

وفي الأصل فان (شؤآة) مصطلح ديني يهودي يشير إلى القربان الذي يضحى به للرب فيحرق حرقا كاملا على المذابح، وهو من أكثر الطقوس قداسة، ويقدم تكفيرا عن جريمة الكبرياء ومن ناحية أخرى هو القربان الوحيد الذي يمكن للأغيار تقديمه. وهكذا يصبح قيام الألمان بهذا القتل ضد اليهود مستوعبا ذهنيا لدى هؤلاء الأخيرون لأن الألمان هم أغيار بالنسبة لهم.

وتستخدم الكلمة (هولوكست) لدى الجماعات المسيحية الأصولية (الحرفية) في الولايات المتحدة مركزة على «جريمة الكبرياء»إذ ترى أن «الإبادة عقاب عادل حاق باليهود بسبب صلفهم وغرورهم وكبريائهم» (4).

كما ذكرنا سابقا بغض النظر عن حقيقة الهولوكوست التي ليست موضوع هذا البحث، ولكن المهم هنا هو الطريقة التي تم خلالها استبطان الهولوكوست كمركب داخلي وعنصر أساسي في الشخصية اليهودية الحديثة. وإظهار كيف انه (وكما في موضوع المسادة) تم تصوير المحرقة من قبل الصهيونية بشكل أيدلوجي ينطبق عليه ما قاله جون ستيوارت مل منذ زمن بعيد عن أن «الحقائق التي لا توضع موضع التحدي المستمر ستتوقف في نهاية المطاف» عن أن تمتلك وقع الحقيقة، لأن تلك الحقائق ضخمت حتى غدت باطلا» (5).

وإذا كانت الصهيونية قد استفادت من ثغرة دراسة التاريخ وسطوة الأسطورة وانبهار الجماهير بجماليات الحكايات البطولية في إعادة صناعتها لأسطورة (المسادة) فقد استفادت من رعب الصدمة التي كانت أحدثتها الحرب العالمية الثانية ورعب أوربا الأخلاقي ورغبتها في تنقية ضميرها، في، ليس إنتاج بل صناعة قصة المحرقة منذ بدايتها، وتقديم صورة وحيدة بل حكاية وحيدة عما حدث.

ولم تستخدم حكاية الإبادة النازية لليهود لتبرير السياسات الإجرامية لدولة إسرائيل كما يذهب فنكلشتاين (6) أبرز نقاد القصة الرسمية فحسب، بل أيضا لإعادة صياغة الهوية اليهودية وتشغيل ماكينة بوتقة الصهر المروعة، التي لا تقل بشاعة في الحقيقة (وإن رمزيا) عن (غرف الغاز) الهتلرية، وقد يبدو هذا حكما أخلاقيا لا يليق بدراسة تتوخى العلم منهجا، غير أن دراسة تاريخ الجماعات اليهودية المهاجرة إلى إسرائيل وخصوصا اليهود الشرقيين وعمليات محو ذاكرتهم وتاريخهم وإعادة إنتاجهم كأجزاء من آلة الصهيونية التي لا ترحم تثبت هذا الحكم الذي ذهبنا إليه (7).

هكذا أصبحت «ذكرى الإبادة النازية بعد أن مررت من خلال موشور أيدلوجي أداة فعالة في يد القيادة الإسرائيلية واليهود في الخارج» (8).

وهذه الأداة لعبت دورها في مستويين داخلي لصياغة هوية العبري الجديد عبر إنتاج تاريخ ورواية و حيز ثقافي واحد ليهود القادمين إلى فلسطين، وخارجي كما قلنا لتبرير الجرائم ضد الفلسطينيين من جهة ومواصلة عمليات الابتزاز المادي والأخلاقي ضد أوربا.

وقد لاحظ الكاتب الإسرائيلي يواس ايفرون أن «الوعي بالهولوكست»هو في الواقع «عملية تلقين دعائية رسمية، تمخض عنها شعارات وتصورات زائفة عن العالم، وليس هدفها فهم الماضي على الإطلاق بل التلاعب بالحاضر».

وقد صيغ الهيكل الأيدلوجي للهولوكست على ما يذهب فنكلشتاين على مذهبيتان جامدتان (دوغماوان) مركزيتان، الأولى: أن الهولوكوست تشكل حدثا تاريخيا فريدا بصورة مطلقة في تأكيد على (الفرادة) والثانية أن الهولوكوست تشكل ذروة كراهية أبدية لا عقلانية يكنها الأغيار لليهود.

وهنا بالضبط يأتي القبول الصهيوني بمصطلح (الهولوكوست) تعبيرا عن عملية (إبادة اليهود) من قبل النازيين حيث أن في هذا القبول تأكيد على المذهبيتان الآنفتان، فالنازيون الأغيار عبروا عن ذروة الكراهية اللاعقلانية لليهود (لا سامية مطلقة) من جهة واختيار اليهود (كضحية) للإبادة النازية تعبر عن فرادة اليهود الذين حرقوا لأنهم أكثر الشعوب قداسة (قربان مقدس بل الأكثر قدسية).

وهنا يبرز الاستقطاب العنيف للهولوكست في البنية الذهنية لليهود المعاد اختراعهم صهيونيا/ ما يعني تمجيدا للكارثة واحتفالا بها كتعبير عن الفرادة وكنتيجة للفرادة من جهة وما بين رفض لها لما تمثله من ذكرى اليهودي الضعيف في المنفى، المساق إلى الذبح بدون مقاومة وما يتعارض به هذا المفهوم مع فكرة العبري الجديد الرائد الاستيطاني المحارب، وكان أيخمان النازي الشهير في محاكمته الأكثر شهرة بعد اختطافه إلى (إسرائيل) قد أثار الكثير من الدهشة عندما صرح بأن سلوك الضحايا اليهود كان مدهشا حين لاقوا حتفهم بدون مقاومة، وفي النقاشات اللاحقة نظر الجيل الجديد من أبناء الاستيطان الصهيوني إلى هذا السلوك باعتباره سلوكا نموذجيا ليهودي الجيتو الضعيف مقابل العبراني الجديد القوي.

من الإشارات المهمة على عنف الاستقطاب الذهني حول مسألة الهولوكوست ذلك الجدل الواسع (9) الذي دار مطلع عام 1988 حول سؤال عجيب: هل يتوجب السماح للجنود ذرف الدموع في جنازات زملائهم؟ حينها صرح قائد الجبهة الشمالية أن البكاء صفة إنسانية، بينما اتخذ رئيس الأركان موقفا ضدا، فاعتبر البكاء علامة ضعف لا تليق بالمقاتل إجمالا، وهي حتما لا تليق بالمقاتل الإسرائيلي.

والعجيب أن باحثا إسرائيليا واحدا فقط ناقش الموضوع بجدية هو أفيشاي مرغليت الذي أطلق على هذا النوع من المناقشات صفة (kitsch) سقط المتاع، في مقال ممتاز بعنوان (قلة ذوق إسرائيل) وقد قام بإرجاع الجدل إلى ظاهرة جوهرية أكثر شمولا لا تتصل بالمسألة العاطفية في «الثورة الصهيونية» تلك التي هدفت لقولبة (اليهودي الجديد) ورأت في المآقي الدامعة علامة محافظة سلبية على اليهودي الضعيف-المنفي – العتيق – الطيب الذي يتوجب استئصاله من الذاكرة اليهودية إلى الأبد (10).

لكن ذلك الجدل ليس سوى جزء من جدال أوسع حول شخصية اليهودي من الهولوكوست وكيف ينبغي أن تطوى إلى الأبد صورته السالفة، خائفا وذليلا ومستسلما وهو يساق إلى أوشفتز ومواقع الاعتقال الأخرى كما أشار أيخمان، ويجب أن تحل محلها صورة اليهودي لجديد مواطن دولة إسرائيل الصباري، المقاتل ضد الوشاح الأصفر(الذي كان الألمان يجبرون اليهود على ارتدائه) حسب نشرات السياحة المعتمدة.

الاستقطاب العنيف يبرز في معادلة مستحيلة إذ كيف يمكن استئصال هذه الشخصية وفي الآن ذاته استمرار تحويل الهولوكوست إلى هوية لمواطن الدولة اليهودية ولدولة في حد ذاتها؟

في الحقيقة فإن فكرتا الفرادة وكراهية الأغيار لليهود، رغم كونهما واسطتا العقد في أدبيات (الهولوكوست) إلا أن أيا منهما لم تبرز على الإطلاق في الأبحاث الأكاديمية الحقيقية حول الهولوكوست النازية.

ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية لم تطرح الهولوكوست النازية بوصفها حدثا خاصا باليهود، ناهيك عن القول أنها فريدة تاريخيا، وقد جهدت الحركة اليهودية المنتظمة بشكل خاص في أن تضعها في سياق كوني ولكن بعد حرب حزيران أعيد صياغة (الهولوكوست) جذريا، وقد كتب المؤرخ دافيد ستانرد مقالة معبرة سخر فيها من «صناعة صغيرة من كتبة سير قديسي الهولوكوست الذين يؤكدون فرادة التجربة اليهودية بكل ما ملكت أيديهم من طاقات اللاهوتيين المتعصبين وبراعتهم»(11)، وذلك أن المذهبية الجامدة القائلة بالفرادة منافية للمعقول بعد كل حساب.

والادعاء بفرادة الهولوكوست هو جزء من المنظومة المخترعة المتكاملة حول (شعب الله المختار) و (الشعب الكاهن) إذ ليس معاناة اليهود هي ما جعل الهولوكوست فريدة بل كون اليهود، واليهود تحديدا هم من عانوا، بمعنى آخر الهولوكوست مميزة لأن اليهود مميزون وليس العكس. وهذا ما ينزع الأهمية عن أي حادثة مشابهة أو أكثر فظاعة عانت منها مجموعة بشرية أخرى على مر التاريخ.

وقد عبر ايزمار شورش رئيس المعهد اللاهوتي اليهودي السابق بسخرية لاذعة عن ادعاءات فرادة الهولوكوست بوصفها بأنها «نسخة علمانية بغيضة عن فكرة الاصطفاء (الشعب المختار)» (12).

ومن المعروف أن الحركة الصهيونية في سعيها للاستيلاء على فلسطين استخدمت إلى جانب القوة المادية الغاشمة أدوات فكرية مزدوجة ذات طابع ديني وعلماني يعبر الخلط الانتقائي فيما بينها عن طبيعة تفكير فاشي صريح، فإلى جانب فكرة أرض الميعاد ووعود يهوا الغامضة، المفتقدة لأي حس أخلاقي، أو ملمح للعدالة المتوقعة من (إله)، استغلت أيضا مذهبية الهولوكوست الجامدة القاتلة بكراهية الأغيار الأبدية لليهود لتبرر ضرورة وجود دولة يهودية، ولتفسير العداء الموجه لإسرائيل، حيث وبمقتضى هذه المنظومة من الأفكار تصبح «الدولة اليهودية هي الملجأ الوحيد أمام التفجر الآني و (المحتوم) لللاسامية الإجرامية» ويعلق فنكلشتاين ساخرا على هذه الدعاوى «إذا كان العالم بأجمعه يريد اليهود أمواتاً، فالعجيب في الحقيقية هو أنهم ما يزالون أحياء، بل هم على عكس قسم كبير من البشرية لا يتضورون جوعا» (13) وما يعزز هذه الفكرة أنه في أثناء تقديمه لعريضة الاتهام ضد أيخمان بين المدعي العام الإسرائيلي أن الشعب اليهودي تعرض للاضطهاد والملاحقة في كل البلاد عبر التاريخ وهنا تلقف محامي الدفاع الفكرة ليتساءل: ما هي طبيعة هذا الشعب الذي يجد نفسه عرضة للطرد والملاحقة أينما كان؟ وأضاف: ألا يوجد احتمال أن يكون هذا الشعب مسؤولا عما يلحق به من أذى وأنه شعب مستفز بنظر كل الشعوب في كل زمان ومكان لطرده وملاحقته (14).

واستخدمت هذه الدعاوى كما ذكرنا لتبرير العدوانية الصهيونية المستمرة، عبر منح تعويض كامل لإسرائيل فإذا كان الأغيار عازمين كحالهم أبداً على قتل اليهود، فلهؤلاء الأخيرون كل الحق في حماية أنفسهم وبالطريقة التي يرونها (في أعقاب الاعتداءات الإسرائيلية المروعة على لبنان في العام 1996 والتي بلغت ذروتها المذبحة التي ذهب ضحيتها مئة من المدنيين في قانا، لاحظ الكاتب الصحفي الإسرائيلي آري شافيت أن بإمكان إسرائيل التصرف متمتعة بالحصانة، لأن لدينا اللجنة المعادية للتشهير ومتحف ياد فاشيم ومتحف الهولوكوست( (15).

مذهبية الهولوكوست الجامدة هذه، واحتكارها المطلق تجلى في تحويل (الهولوكوست) إلى أيقونة مقدسة غير قابلة للنقد ولا يطالها الباطل، وأنشأ نظام متكامل للدفاع عنها قانوني وسياسي وأيدلوجي بهدف منع أي تشكيك وتدمير أي مشكك.

إن المذهبية الجامدة للهولوكست والتي يطلق عليها ادغار موران (16) (عصاب المحرقة) قد برزت في السلوك والذهنية العامة لعموم الإسرائيليين نتاج (بوتقة الصهر) في ثلاث عناصر رئيسية:

  1. بإبراز فرادة (استشهاد ) اليهود، الذي يشير إلى مركزية يهودية وسواسية لا تتناسى فقط وغالبا المصير الذي كابده الغجر فحسب بل وعدد لا يحصى من ضحايا المعتقلات والاضطهاد النازي من غير اليهود وأكثر من ذلك الضحايا الأبرياء لدريسدن الألمانية وهيروشيما اليابانية وناغازاكي، على سبيل المثال.
  2. إن الفرادة الآنفة تفتح الباب أمام تغييب الآلام التي ينزلها الصهاينة بالعرب عبر تنحيتها جانبا وعذرها والتسامح معها بذريعة أن إسرائيل تحمل وجه  ضحية نصف قرن مضى وليس وجه قامع نصف قرن أخير.
  3. إصابة كل يهود الشتات بذهان الانتماء غير المشروط لإسرائيل عبر تذكية ارتياب اليهود في إمكانية الاندماج في الأمم، ويقدم للمشتت العلماني الشهادة على تعذر اختزال هوية ليهودية، وهكذا فالمشتت يجزع ويتعرف على نفسه في آن واحد يهوديا صحيحا في كل تذكير بالماضي النازي (كمحاكمة النازيين) وفي كل نكئ للماضي (مراجعة أو مراجعون) وفي كل مقاييس حاضرة بالماضي المهلك (الخطر على إسرائيل).

عقدة المحاصر

ترتبط عقدة الهولوكوست وفرادة الضحية بوثوق بعقلية الحصار، في إطار هذا النوع من الفكر العدمي، ولتعزيز طروحاتها تسعى الفاشية إلى التمترس خلف أسيجة عالية من المحرمات، وهذا التمترس هو جزء من إرساء وضعية الحصار ومشاعره في الضمير الجمعي، سواء أخذ معنىً أمنياً (أسطورة العرب الذين يريدون رمي اليهود في البحر) أو تلفيقا لتعزيز شرعية معينة (الهولوكوست ومعاداة السامية) أو حضاريا (إسرائيل هي القلعة المتقدمة للحضارة الغربية في وجه الشرق البربري) وذلك ببساطة ما يأخذ تسمية (الإجماع القومي) في دولة مثل إسرائيل.

لقد كتب شاريت في يومياته (17)  لجوء المؤسسة السياسية –العسكرية في إسرائيل إلى خلق عقلية الحصار بين المستوطنين ورفد خرافة التهديد العربي بإبادتهم وبالتالي تبرر العنف والعدوان «كنت أتأمل في السلسلة الطويلة من الأحداث المفبركة والأعمال العدائية ضدنا التي اخترعناها والكثير من الصدامات التي افتعلناها، والتي كلفتنا الكثير من الدماء، وفي خروقات القانون الدولي التي قام بها رجالنا وكلها جلبت مصائب خطيرة، بالمحصلة حددت مجرى الأحداث كلها وأسهمت في خلق أزمة الأمن»هذا ما أدخل الاستيطانية الصهيونية في حلقة مفرغة من عقلية الحصار التي تغذي الدوران والعدوان الذي يعمق عقلية الحصار، ووصف موشيه دايان عقلية الحصار هذه بأنها «الحلف الحيوي لنا الذي يساعدنا على الاحتفاظ بدرجة عالية من التوتر بين سكان إسرائيل، كما داخل الجيش ومن أجل حفز الشباب للذهاب إلى النقب، علينا أن نصرح بأنه في خطر».

عقلية الحصار هذه تخلق ما يسميه جورج أورويل في روايته 1984 عناصر بنية ثقافة الخوف باعتبارها البنية المؤسسة على التفكير المزدوج وهي تقوم على أن تعرف وأن لا تعرف، أن تعي حقيقة صادقة كل الصدق، وترى بدلا منها كذبات موضوعة بعناية، أن يكون لديك في اللحظة نفسها وجهتي نظر متباينتين وأن تعتقد وتؤمن بكليهما وأن تستدم المنطق ضد المنطق وتنكر الفناء وادعاءه وتؤمن أن الديمقراطية غير ممكنة وفي نفس الوقت تدعي أنك حاميها (18).

لعل عقلية الحصار المذكورة تتلخص فيما قالته امرأة إسرائيلية لصحيفة نيويورك تايمز (19) «حقا إننا محظوظون لوجود الحرب فهي تساعد شبابنا على الإقلاع عن إثارة المشاكل و الاضطرابات كما هي الحال في فرنسا وأمريكا». تتبدى الحرب كمهرب ملائم من المشاكل والأزمات التي يعاني منها المجتمع فهي تتيح حصانة غير مسبوقة لحفاظ هذا المجتمع على بقائه وتماسكه ويصبح مبررا أنه في الوقت الذي تحارب فيه الأمة من أجل بقائها فلا يحق لأحد أن يخرج عنها حتى لو كان مختلفا مع الذين بدؤوا الحرب .

عقلية الحصار تؤمن تأكيد الشعور بالقلق والتوتر لتحقيق استمرارية الإحساس بالاضطهاد عند الأجيال اليهودية المتعاقبة وتكوين –بالتالي- الاستعداد لديها للعنف والاحتلال والتوسع على حساب العرب بحجة إنقاذ الأرض (20).

ولتعزيز عقلية الحصار تلجأ الفاشية الصهيونية إلى طرق عدة نكتفي بنموذجين واضحين في مجالي الجيش والإعلام.  فلتبرير تضخيم ميزانية الأمن عام 2003 مثلا إلى 43.33 مليار شيكل بزيادة مليارين عما كانت عليه عام 2002 ثمة في الجهاز الأمني من ادعى بأن وجود الدولة سيتعرض للخطر إذا ما نفذ تقليص آخر في ميزانية الأمن، وعندما تقرر وزارة المالية القطع من ميزانية الأمن لا تمر أيام حتى يبدأ جنرالات الجيش من مختلف الأفرع بالنواح والادعاء أن «الأمن سيتأذى وأننا على أبواب حرب» (21) وتتمة الاسطوانة «سنقلص الأنشطة العسكرية إذا ما قلصتم الميزانية وسنتوقف عن التزود بأي عتاد جديد» أما الإعلام الصهيوني فمهمته حماية المجتمع من أي معرفة للسياق الذي ينتح المآسي الفلسطينية فلا يوجد ذكر للاحتلال والإهانات وعمليات الاغتيال والاعتقال الجماعي وهدم البيوت والمجاعة التي ولدت الهجمات الانتحارية (22) وهكذا حين يكون العقل العام مغلقا بحذر شديد فانه ليس من الغرابة بمكان أن يتم قبول السياج دون شروط من قبل معظم الإسرائيليين لأنه له معادلة سحرية، هذا الجدار لذي يزيد الإحساس الهائل بالعزلة ويعزز عقلية الحصار التي غذت السياسات العدائية المتصلبة لجميع حكومات إسرائيل.

تلك المحرمات ترهنها الفاشية لصالحها بعد أن تجعل من نفسها الحارسة لها والمدافعة عنها ومن خلالها وباسمها تفرض سلطتها وتمارسها، وقد لا تكتفي بالموروث من المحرمات، بل تبتكر في الغالب محرمات جديدة أخرى مضافة وخاصة بها في لحظة تاريخية معينة وتجعل منها بمرور الوقت وبالاستثمار قوة قمع ورعب وسيطرة.

*نشر هذا النص في مناسبات سابقة وجرى تنقيحه ومراجعته ويعاد نشره بمناسبة احياء الكيان الصهيوني لما يسمى )ذكرى الهولوكوست(

هوامش:

  1. رد جرمو شيلي. العقد النفسية. ترجمة وجيه أسعد(دمشق: وزارة الثقافة السورية. 1985). ص 38.
  2. أيلا شوحاط. ذكريات ممنوعة. ترجمة إسماعيل دبج. (دمشق: كنعان للدراسات والنشر، 2004) ص 119
  3. تاريخ الكارثة. موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية على الانترنتwww.altawasul.net
  4. عبد الوهاب المسيري. موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية. المجلد الثاني: الجماعات اليهودية إشكاليات. الباب الرابع: الإبادة النازية والحضارة الغربية الحديثة. مشكلة المصطلح. ص296
  5. نورمان فنكلشتاين. صناعة الهولوكوست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية. ترجمة سماح إدريس. وأيمن ح حداد.ط1(بيروت: دار الآداب.2001) ص18
  6. المرجع السابق ص8
  7. أحمد مصطفى جابر. . اليهود الشرقيون في إسرائيل: جدل الضحية والجلاد. دراسات استراتيجية 92ط1(أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 2004).ص 20
  8. نورمان فنكلشتاين. مرجع سابق. ص49
  9. عبد الوهاب المسيري. موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية. المجلد الثاني: الجماعات اليهودية إشكاليات. الباب الرابع: الإبادة النازية والحضارة الغربية الحديثة. مشكلة المصطلح. ص296
  10.  صبحي حديدي. سؤال الهولوكوست. من سيكون في غرف الغاز القادمة،في:www.rezgar.com بتاريخ 29/1/2005
  11. نورمان فنكلشتاين. ص50
  12. المرجع السابق.
  13. المرجع السابق ص.58
  14. عبد الوهاب المسيري. موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية. مرجع سابق. ص296
  15. نورمان فنكلشتاين. مرجع سابق. ص85
  16. ادغار موران. فلسطين-إسرائيل نظرتان في نظرة. ليبراسيون 11 أيلول 1997
  17. الياس شوفاني. إسرائيل في خمسين عاما.المشروع الصهيوني من المجرد إلى الملموس. الجزء الأول.ط1 (دمشق: جفرا للدراسات والنشر. 2002) ص75
  18. عبد الرزاق عيد. ثقافة الموت. محاضرة ألقيت في منتدى الأتاسي بدمشق www.mowaten.org
  19. سلمى.س. حداد. الطلاب في إسرائيل.(بيروت: مركز الأبحاث م.ت.ف. 1971 ) ص76
  20. نائل نخلة. ندوة البيان:www.albayan-magazine.com/files/edu.06.htm
  21. ميزانية الأمن تتضخم المشهد الإسرائيلي. مرطز مدار.  14/3/2003
  22. آيلان بابه. السياج في قلب فلسطين. المشهدالإسرائيلي. مركز مدار 15/1/2003

 

أحمد مصطفى جابر

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر