على مدار الساعة
أخبار » ثقافة وفن

عن جائزة "بوكر" واستلاب الخيال العربي

29 تموز / أبريل 2017
الجائزة العالمية للرواية العربية
الجائزة العالمية للرواية العربية

غزة - خاص بوابة الهدف

منذ تأسيس جائزة "بوكر" المخصصة للروايات 1968، باتت تلعب دور أساسي في تحديد اختيارات القراء لتلك الأعمال الأدبية الروائية التي ستحظى بمطالعتهم، وعلى غرارها النسخة العربية من الجائزة "الجائزة العالمية للرواية العربية" 2007.

على غرار أي عملية إنتاجية فإن الانتاج الأدبي يحتاج بشكل أو بآخر إلى موارد مالية، ومنذ انهيار المعسكر الشرقي، بات تمويل الكتابة في عالمنا العربي ومعظم دول العالم شبه محتكر لمصلحة المعسكر الغربي وتابعينه المحليين، فيما تتعرض الهوامش والأقلام الخارجة عن المنظومة لمحاولات دائمة لمصادرتها أو إلحاقها بالنسق الأساسي الذي يجري التحكم فيه بواسطة ضخ المال.

الإهتمام الإعلامي الكبير بالنسخة العربية من جائزة "بوكر"، لا يمكن فصله عن سيطرة ذات المنظومة على الفضاء الإعلامي، ويؤكد الإعلام العربي للمتابعين عبر سيل من التقارير على أهمية الجائزة على المستوى الأدبي، وعلى جدارة خياراتها بمتابعة القارئ، دون الإلتفات لكون اللجنة يتم تعيينها واختيارها من المؤسسة الممولة، أو أن هذه اللجنة التحكيمية النزيهة المهنية المحترفة حسب التوصيفات التي تطلقها عليها التقارير الصحفية العربية، قد اختارت روايات مسروقة، أو مشكوك في ملكية أصحابها الفكرية، أي أنه كان الأجدر اختيار هذه الروايات وكتابها للمحاكمة لا لنيل الجوائز.

العديد من الزملاء الصحفيين يجيبون بوضوح على سؤالنا لهم، حول سر حافزيتهم العالية لكتابة تقارير عن الجائزة والروايات الفائزة بها، بأن ذلك يتم بناء على طلب وإلحاح من مؤسساتهم الإعلامية، فيما يؤكد البعض الآخر أنه مهتم فعلياً ويرى في هذا الحدث السنوي ما يستحق الكتابة عنه في إطار الإهتمام الثقافي لهؤلاء الزملاء.

الجهة الممولة للجائزة وهي "هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة"، تقول على موقعها الرسمي أن الهدف من أنشطتها هو "استقطاب الأطراف المعنية، في سبيل بناء مجتمع ثقافي يلعب دوراً محورياً في صون التراث الثقافي وحفظ القيم الأصيلة للإمارة"  هذا فضلاً عن "استقطاب الإستثمارات المحلية والعالمية من خلال الترويج لأبرز المقومات السياحية، وزيادة أعداد السياح، وتحفيز معدلات النمو لدعم مكانة الإمارة كوجهة سياحية وثقافية متميزة"، اعتبار الهيئة تمويلها للجائزة كجزء من استثماراتها، لا يعني شيئًا بالنسبة لمن يسوق للجائزة وخياراتها، ولا يجري الإلتفات لكون هذه الخيارات تأتي من جهة حكومية في نظام ليس واحة للتعبير الديموقراطي، وأن حصته من المساهمة الثقافية تتلخص في قدرته الشرائية والتمويلية.

الزميلة ميرفت صادق وهي من المتابعين لمسار الجائزة منذ 2013 تفيدنا، بـ"أن القائمة الطويلة للروايات المرشحة للجائزة يتم اختيارها وفق معيار اقتصادي وهي الروايات الأكثر مبيعاً" وتضيف ميرفت "مفهوم ضمناً أن هناك مؤسسة عربية تحاول توجيه القارئ إلى مساحات ثقافية معينة وأن هناك أبعاد سياسية للأمر ولكن لا ضير فبوسع القارئ أن يحكم".

وتضيف بـ"أن ما دفعها لمتابعة الجائزة كبداية هو اهتمامها بالأدب الروائي ورغبتها بمتابعة الروايات الفلسطينية المرشحة للجائزة، بجانب اعتبارها قوائم ترشيحات الجائزة فرصة للتعرف على العديد من الروايات الجديدة".

عملية تحديد الذوق العام هي جزء أساسي من أدوات التحكم في سلوك الجماهير حول العالم، وعند التأسيس لـ"بوكر"، كانت أحد أدوات انجلترا للتحكم في المجال الثقافي والأدبي في دول "الكمنولث" الخاضعة لهيمنتها، المشهد نفسه هو الذي يحضر في الحيز العربي، حيث تواصل الدول الريعية النفطية مد حيز سيطرتها على الحيز العام العربي، فالوفرة المالية الهائلة في هذه البلدان خلق لديها اعتقاد راسخ بإمكانية تصدير وتعميم القيم الملائمة لنخبتها الحاكمة/في الحيز العربي، وإذا كانت السعودية كبرى الدول النفطية الريعية قد اختارت الإستثمار في تصدير نموذجها الديني التكفيري، فإن لكلٍ من الإمارات وقطر الدولتين الطامحتين اتجاهات أخرى لتعزيز نفوذها في الحيز العام.

هناك مثال يصح كدلالة هامة على السياق الذي تتخذه مثل هذه الجوائز في خدمة مموليها، فالعديد ممّن يستذكرون غسان كنفاني يؤكدون على إمكانية فوزه بجائزة نوبل للأدب العالمي لولا استشهاده، ولكننا نعلم يقيناً أن الشهيد غسان كنفاني لم يكن سيفوز على الإطلاق بـ"الجائزة العالمية للرواية العربية" الممولة إماراتياً، لأن الرجل الذي تحدث مراراً عن الكتابة بالدم، لم يكن سيتلائم مع معايير الكتابة بحبر النفط والدولار. على هذا التساؤل تجيب الزميلة ميرفت صادق "لا أعرف إذا كانت الجوائز المادية تستحق أن تقترب من أدب غسان كنفاني، غسان الأديب والشهيد موضوع وسياق آخر مختلف"، ولكنها تتسائل "هل هناك حالياً أعمال روائية بمستوى منتوج غسان حالياً تتناول قضية فلسطين ومقاومتها؟"

هذا السؤال يستحق إجابة مطولة قد لا يكون موضعها سطور هذا النص، ولكن تراجع الرواية والأدب المقاوم، هو سياق يستحق الدراسة والبحث، مع التسليم بالدور للتراجع السياسي الفلسطيني والعربي في إفراز التراجع الأدبي والروائي، وإن كان هناك رهان فهو على جدلية قديمة تقول أن الكتابة أشبه بنبوءة تكون في كثير من الأحيان معارضة ومتمردة على واقعها، حتى وإن كانت وليدة لهذا الواقع.

متعلقات
انشر عبر