على مدار الساعة
أخبار » رأي الهدف

استباحة

29 كانون أول / أبريل 2017
رأي الهدف - تعبيرية
رأي الهدف - تعبيرية

غزة - بوابة الهدف

الاعتداءات الصهيونية الأخيرة لا يمكن تناولها بانفصال عن سياق توسع التدخل الغربي في أرضنا العربية، واتخاذه أبعاد أكثر عنف ودموية، فعملياً هناك ست جيوش على الأقل تمارس عدوان ممنهج على الأراضي والشعب السوري، دون أي مسوغ قانوني أو شرعي، وكذلك الحال في العراق، ويومياً تزهق طائرات القوى الأجنبية المعادية تاريخياً للأمة العربية أرواح المواطنين العرب في سوريا والعراق واليمن وغيرها، هذه حقيقة قائمة وليس تحذير من خطر قادم.

في كل يوم يتوسع فيه حيز الاستباحة الغربية لبلداننا العربية نُدرك فيه أن المستقبل يصبح أكثر قتامة، وأن فرص الأجيال القادمة من أمتنا بعيْش حياة أفضل تتضائل، وتصبح هذه المنطقة من العالم أكثر وحشية وسواد.

في عالمنا الحالي باتت مصائرنا الفردية وليس مصير أوطاننا فحسب، تُحدد من قبل ضباط متوسطي الرتبة في غرف العمليات الحربية الغربية، وباتت طائرات القتل الآلي دون طيار، لا تحتاج لأكثر من تشخيصنا كهدف محتمل وإذنْ من الضابط المقصود في تسلسل الأمرة حتى تطلق صواريخها لتختطف الأرواح وتهرق الدماء.

القتل والاستهداف والتدخل العسكري تعتبر أوضح صور هذه الاستباحة، ولكن ما لا ندركه، أن نمط حياتنا أيضاً يجري تحديده بناء على هذا التدخل، وبناء على السياسات التي تقرها هذه الدول الغربية تجاه بلداننا وشعوبنا، فيجري تحديد معدلات دخلنا، وقدرتنا الاستهلاكية، ودرجة التلبية المسموح بها لحاجاتنا المعيشية في هذا البلد أو ذاك، فالجوع والفقر والتهميش لم يحدث صدفة في بلداننا وسائر بلدان العالم الثالث، ولكن بفعل السلب والنهب الغربي لكل مقدراتنا.

والحقيقة أن المستقبل الأسوأ ليس ما نشاهده في العراق وسوريا واليمن وفلسطين، فهذه الشعوب تدفع ثمن رفضها الخضوع لشروط الحياة في العالم الذي تحدد ملامحه الولايات المتحدة والقوى الغربية، بل أن هذا المستقبل الأكثر سوء على الإطلاق ينتظر تلك البلدان التي قررت الإذعان، فسياسات صندوق النقد الدولي، أو اتفاقيات التجارة الحرة هي أكثر سوء وفتك وقتل، من البطش المباشر للآلة الحربية الغربية والاستعمارية، ومن يظن أن رفع الدعم عن السلع الأساسية، أو تخصيص الخدمات الصحية، في هذا البلد أو ذاك هو شيء مختلف عن القتل بواسطة صواريخ الطائرات عليه مراجعة حساباته وتقييمه، فهذه عملياً أحكام بالموت على الفقراء، وتحديد لمناسيب أعمارهم، وفرصتهم بالإنقاذ من المرض هم وأولادهم، وكذلك فرصهم بالتعليم وبناء المستقبل، أو الحصول على الحد الأدنى من الاكتفاء المعيشي، وهذا كله مجتمعاً هو وصفة لتعزيز الاضطراب في هذه المجتمعات، وتفجيرها مستقبلياً لتشهد صراعات أكثر وحشية مما تشهده الدول الأكثر اضطراباً اليوم.

والضحايا الأسوأ هم أولئك الذين اختاروا أن يكونوا أدوات بيد دول القتل والهيمنة، وشركاء لها في جرائمها بحق شعوبنا، فمن يختار التقارب مع الكيان الصهيوني اليوم يحكم على بلده بالاستباحة، وعلى شعبه بالفقر والموت، وبالحرب الأهلية في وقت أقرب مما يتخيل، فمنظومة تقويض المجتمعات والدول تستند أولاً لهذا الاختراق والتقارب، ولا تعمل دون هذه التمزق والتشرذم العربي، الذي بات يسهل مهمة المستعمر الغربي في تدميره المُمنهج لمستقبل حياتنا.

الحقيقة اليوم أن القوة الغربية هائلة، فتاكة، ولا يمكن مواجهتها دون التعاضد الكامل بين شعوب المنطقة، ودون إطفاء نيران التحريض الطائفي، وخلق حصانة وطنية لكل قُطر عربي في إطار المصالح العليا المشتركة للشعوب العربية، هذا وحده قد يسمح بفرصة لنا في الفوز في المعركة لأجل مستقبلنا، ودون ذلك فنحن ماضين نحو الموت والاستعباد، بأيدينا ومساعدتنا لهذا الغزو الغربي الوحشي، والذي لن يرده عنا إلا قتالنا مجتمعين في مواجهته.

متعلقات
انشر عبر