Menu
حضارة

أن نخجل من شبعنا وشعبنا

أن نخجل من شبعنا وشعبنا

بقلم / أبو فايز

تُشير الإحصائيات الفلسطينية المتعلقة بالأسرى في سجون الاحتلال بأنه ومنذ العام 1948 جرى اعتقال قرابة ( المليون ) فلسطيني و( المئات ) من جنسيات عربية مختلفة، وأن (210 ) من الأسرى ارتقوا شهداء داخل سجون العدو، كان أولهم الشهيد عبد القادر أبو الفحم والذي استشهد بتاريخ 11/7/1970 خلال إضراب سجن عسقلان . واليوم وفي الوقت الذي يدخل فيه أكثر من ( 1500 ) أسير يومهم الحادي عشر من إضرابهم عن الطعام، ما زال يقبع خلف القضبان وفي عتمة الزنازين أكثر من ( 6500 ) أسير، بينهم ( 300 )طفل، و ( 56 ) امرأة ، و ( 500 ) محكوم بالسجن المؤبّد، و( 29 ) بطل معتقلين قبل توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم وبعضهم مضى على اعتقاله أكثر من ثلاثين عاماً، و ( 500 ) معتقل إداري، و ( 20 ) أسير عربي، والمئات من أولئك الأبطال يعانون من حالات مرضية صعبة وخطرة .

هذه الأرقام السابقة تشير إلا أنه لا يكاد يوجد بيت فلسطيني إلا وتعرّض أحد أفراده لحالة اعتقال، وعانى من عذاباتها بكل ما تعنيه الكلمة من أوجاع، وهذا يعني أنه من البديهي والواجب الوطني أن تكون معركة أسرانا خلال إضرابهم وكل لحظة هي معركة الكل الفلسطيني . وما لجوء الأسرى لهذه الخطوة والتي كان أولها بسجن نابلس بأوائل عام 1968 إلا بعد نفاذ كافة الخطوات النضالية الأخرى لتحقيق مطالبهم ونيل حرّيتهم، هي معركة إرادة وتصميم، وبطولة أخرى إضافة لبطولاتهم التي قدّموها قبل اعتقالهم، والأهم أنها نداء لمن هم خارج المعتقلات من أبناء شعبهم وقادرين على فعل الكثير من أجلهم، هي رهان على كل حر أصيل من شعبنا بأن يأخذ دوره ويقدّم واجبه تجاه أولئك الأبطال والوطن عموماً، وهي رسالة عتابٍ ولوم لكل مقصّر "وجميعنا كذلك" من خيرة أبناء شعبنا ممن أكلت جدران الزنازين والمعتقلات أعمارهم وعافية أبدانهم ولم تقتُل عزائمهم وإيمانهم بقضيتهم وحريّتهم، هي توق البطل لحريته وشوقه لعناق أحبته أو من تبقى منهم حيّاً ينتظر بألمٍ وأمل، وهي معيار على أساسه تُبنى الأحكام على مصداقية ما ترفعه فصائلنا " والتي ينتمي لها أكثرية أسرانا " من شعارات متعلقة بشكل خاص وب فلسطين والتحرير بشكل عام .

يأتي هذا الإضراب في ظروف فلسطينية وعربية أكثر صعوبةً من سابقاتها وهذا يعني معاناةً أكبر واختباراً أصعب لنا ولهم ، وليس خفيّاً على أحد أن آثار الانقسام بين حركتي فتح وحماس وصلت وللأسف حتى داخل السجون وأثّرت بشكل كبير على نضالات حركتنا الأسيرة ومعنوياتها، وخلقت حالة متباينة في بعض المواقف والإضرابات السابقة، ومنحت المحتل مساحةً أكبر لقمعهم وعربدة وتعنّتاً في تلبية مطالبهم . وليس هذا فحسب بل أن كلاهما بدل انشغاله بقضية الأسرى كقضية جوهرية، أخذته مناكفاته وحساباته الحزبية الضيّقة بعيداً عن الحالة الوطنية بعمومها، فأصبح لدينا معتقلين سياسيين في غزة ومثلهم في الضفة ممن انتقدوا سلطتا الحكم فيها، أو فضحوا بعض ممارساتها اللاوطنية، بل أن السوء تجاوز ذلك وبلغ بالبعض قيامه بالإساءة لرموز وطنية من حركتنا الأسيرة ومحاولات فاشلة لتشويهها كما يحدث مع الشيخ خضر عدنان، أو التنكيل بها وتهديدها كما حصل مع المناضل الوطني محمود الزق في غزة . كل هذا أسهم في تعميق الانقسام شعبياً والابتعاد أكثر عن ضرورة وفاعلية وحدة الصف الوطني في مواجهة العدو وحسم المواقف في قضايانا الوطنية وعلى رأسها قضية الأسرى . وبكل الكوارث التي حملها هذا الانقسام إلا أنه لم ولن يمنع أي حر ومناضل حقيقي صادق الانتماء من القيام بواجبه المطلوب تجاه أبطالنا الأسرى، وشاهدنا كيف التفت جماهير كثيرة من شعبنا حول الأبطال الذين خاضوا إضراباتهم الفردية وانتصروا بإرادتهم وصمودهم ومؤازرة الأحرار من شعبهم، شاهدنا كيف يصنع حرٌ نصره، وسطّر كل من خضر عدنان ومحمد علان وثائر حلاحلة ومحمد القيق وسامر العيساوي وبلال كايد ومالك القاضي والأخوين البلبول ملحمةً قلّ نظيرها . هؤلاء الأبطال الذين قدّموا أعظم التضحيات وما زالوا، يستحقون منّا جميعاً ما هو أكثر من الوقفة والمسيرة، يستحقون وفاءً ونضالاً يليق بتضحياتهم وحجم معركتهم، نضالاً بكل الوسائل تتظافر فيه كل الجهود وتتوحد فيه كل القوى الوطنية بإعلامِها وحشودها، ومقاومتها المسلحة والكفيلة دون شك بإنجاز الكثير وتحرير أبطالنا من السجون، وشاهدنا كيف نجحت هذه المقاومة حين تمكنت من أسر جنود للعدو بإنجاز صفقات مشرّفة لتحرير أسرانا .

علينا أن نخجل من 300 طفل بعضهم كبر سنين في لحظات، ومن 56 امرأة الواحدة منهن بألف رجل، علينا أن نخجل من دموع الأمهات ولهفة أبناءٍ حرموا لقاء آبائهم وأمهاتهم سنين طويلة، علينا أن نخجل من صمود أكثر من 500 مريض منهم رغم آلامهم، علينا أن نخجل من البطل جورج عبد الله والذي لم يتركهم مرةً لوحدهم رغم بعد المسافة وسنين السجن الطويلة، علينا أن نخجل من شبعنا وشعبنا.