على مدار الساعة
أخبار » رأي الهدف

اعطونا كذبة .. اعطونا دولة

06 آيار / مايو 2017
  • لقاء ترامب وعباس
  • لقاء ترامب وعباس

غزة - بوابة الهدف

هناك مجموعة من الأركان الأساسية لقيام أي دولة، تأتي في مقدمتها الإقليم وهو الأرض التي ستقوم عليها، والشعب وهم مواطني هذه الدولة المقيمين على أراضيها، السيادة وهي قدرة هذه الدولة على احتكار حق إنفاذ إرادتها وتنفيذ قوانينها وقراراتها على كامل أراضيها ومجموع سكانها، بجانب هذه الأركان هناك مكونات أخرى للدولة يصنفها علم السياسة في مراتب أقل أهمية وجوهرية ضمن ضرورات قيام الدولة وشروط استمراريتها، منها الحكومة، والاعتراف الدولي، والشرعية، في الزيارة الأخيرة للرئيس الفلسطيني إلى واشنطن تتضح ملامح التشوه في فهم القيادة الفلسطينية لمعنى كلمة دولة.

خلال هذه الزيارة والكلمة التي ألقاها الرئيس الفلسطيني ضمنها، كان هناك إصرار على فهم جديد للدولة، باعتبارها كلمة أو إيماءة صادرة عن الرئيس الامريكي، وفي مقابلها يتم إسقاط أي اعتبار للمكونات الأخرى، فتم التجاهل المتعمد لقضية عودة اللاجئين، إلى الأراضي التي تم تهجيرهم منها، وبذلك تواصل القيادة الفلسطينية تجاهلها المتعمد لتناول قضية اللاجئين مقتصرة على ذكرها بشكل عابر واعتبار حلها حسب الصيغ المبهمة للمبادرة العربية هي صيغة مناسبة لذكرها، في تجاهل فاضح لحقيقة أن الحقوق تطلب وتنتزع ولا تترك تحت رحمة مسارات التفاوض، خصوصاً أننا نتحدث عن القضية التي تلخص لب الصراع العربي الصهيوني، فالكارثة الكبرى التي أحاقت بشعب فلسطين ليس عدم إقامته دولة، ولكن تهجير هذا الشعب واحتلال أرضه، وهو ما يحول دون إقامة الدولة ويهدد الاستمرار حتى بأبسط معاني الوجود والحياة.

لا تقتصر أضرار هذا التجاهل المتعمد على فتح الباب واسعاً لمقايضة حق العودة للاجئين مقابل قيام الدولة، وكليهما متصل بشكل جوهري لا فكاك منه، ولكنه يهدد حتى فكرة قيام الدولة ويلغي معنى الحديث عنها، خصوصا أن هذا التجاهل كان له امتداد آخر هو عدم الوضوح في طرح موضوعي الارض والسيادة، وكأننا نطالب الخصم الأمريكي الحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني قائلين "اعطونا أي شيء واطلقوا عليه اسم دولة".

 يبدو أن القيادة الفلسطينية الرسمية، تجاهلت كون هذه المعادلة والطرح الذي تقدمه، يضرب الأساس الذي حازت بموجبه منظمة التحرير الفلسطينية حق تمثيل الشعب الفلسطيني، وهو توليها مسؤوليات تحرير الأرض وعودة اللاجئين، وقيادة الشعب الفلسطيني في صراعه مع العدو الصهيوني لتقرير مصيره وإنجاز هذه الحقوق.

إن المفتاح الأساس، والحلقة الجوهرية لمقاربة القضية الفلسطينية، يكمن في الانطلاق من فهم طبيعة الصراع، وطبيعة العدو، وتحديد معسكر الأصدقاء والأعداء، فالمشروع الصهيوني هو من فتح هذا الصراع الذي لم يقع صدفة أو بفعل سوء فهم، بل كنتاج لقيام المشروع الصهيوني بتهجير شعب فلسطين، وإحلال المستوطنين الصهاينة مكانهم بدعم كامل من القوى الاستعمارية وقوى الهيمنة الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وبالتالي أن المنطق البسيط يقول بأن ما أسقط فرص قيام الدولة الفلسطينية هو النكبة وتهجير الشعب الفلسطيني واحتلال واستيطان أرضه، والمطلوب أولا إزالة اثار هذه النكبة بإعادة الشعب الفلسطيني الى أراضيه التي هجر منها، وتعويضه عن المعاناة التي ألمت به، وذلك لن يتم دون خوض الصراع مع المشروع الصهيوني وحلفاؤه وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، وبقية قوى الهيمنة الغربية.

إن استمرار الرهان على المسار التفاوضي والرعاية الأمريكية لهذا المسار هو كارثة بكل المقاييس، وتعامي عن حقيقة الموقف الأمريكي، ولو اخترنا تجاهل كل تفاصيل موقف الإدارة الأمريكية الحالية التي تعلن العداء السافر لشعبنا وحقوقه، وتخيلنا أو أوهمنا أنفسنا بوجود إرادة لديها لصنع السلام العادل، وتلبية حقوق شعبنا، فهل نتخيل أيضا أن هناك رئيس أمريكي يستطيع إلزام الكيان الصهيوني بذلك، أو أن مؤسسات صنع القرار الأمريكي ستسمح بذلك.

هناك من يقول أن على شعب فلسطين أن ينتحر، ويلقي بكل تضحياته، وتاريخه، إلى هامش التاريخ، مقابل الحصول على الرضا الأمريكي، هذا ما تقوله شروط إدارة ترامب التي واصلت القيادة المتنفذة في "م ت ف" الرهان عليها، دون اكتراث بمواقف القوى الفلسطينية الحية، أو بموقف معظم الشعب الفلسطيني من هذه الشروط.

الحقيقة التي يبدو أن السياسي الفلسطيني بات لا يدركها بفعل انغماسه في هموم الحفاظ على سلطة الوهم الفلسطينية القائمة تحت الاحتلال وبشروطه، هي أن هذا المسار سيفضي حتماً إلى الفشل، وربما  لوضعه ووضع سلطته في مواجهة الشعب الفلسطيني، الذي لم يعرف عنه يوما بقبول الاستسلام، وأن أصغر طفل في مخيمات اللجوء الفلسطيني لو بقي وحيداً سينتصر، وسيحاكم هذه المرحلة، وأن دماء شهداء فلسطين وصمود أسراها، وتضحيات جرحاها، لم تقدم لأجل دعوة لدخول البيت الأبيض ونيل رضا الإدارة الامريكية، فهذا الكفاح والتضحيات الأسطورية ستستمر وستحقق هدفها وهو دخول كل لاجئ فلسطيني إلى أرض فلسطين، وإقامة الدولة الفلسطينية، بعد الحاق الهزيمة بالمشروع الصهيوني وحليفته الولايات المتحدة الأمريكية.

متعلقات
انشر عبر