على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

جامعات مصر العريقة تمنح شهادات عليا "مضروبة"!

07 تشرين ثاني / مايو 2017
تعبيرية- جامعة القاهرة
تعبيرية- جامعة القاهرة

القاهرة _ خاص بوابة الهدف

في مصر يوجد (186) مركزاً بحثياً بالجامعات، والمراكز البحثية تبذل جهداً كبيراً سواء في رسائل الماجستير والدكتوراه أو بحوث الأساتذة، بالاضافة الي المراكز البحثية التابعة لوزارة البحث العلمي والمراكز التابعة لبعض الوزارات والدوائر المختصة بالبحث العلمي وبحوث الرأي.

مقابل ذلك تنتشر في مصر العديد من المكاتب التعليمية "الخدماتية"، التي توفر لطلاب الدراسات العليا المصريين والعرب رسالة ماجستير أو أطروحة دكتوراه جاهزة من دون أن يبذل الطالب جهداً يُذكر، لا ينتهي الأمر عند ذلك، بل أن هذه المكاتب مقرها مقابل أضخم وأعرق الجامعات في مصر والشرق الأوسط وهما "جامعة القاهرة وعين شمس" وغيرها من الجامعات الحكومية والخاصة.

لا نتحدث هنا عن شهادة مُزورة أو غير مُعترف بها، بل عن شهادة حقيقية يقوم باحث شاب بالعمل عليها نيابةً عنك مُقابل مبلغ مالي مُتفق عليه لتقدمها للجامعة التي ترغب في الحصول على درجة علمية منها.

"درجتك العلمية أسهل مما تعتقد" كانت هذه هي الجملة الأبرز في منشور على إحدى صفحات فيسبوك المصرية، مع شرح يُفيد بأنّ الصفحة لمركز تعليمي يُساعدك على إنجاز شهادة الماجستير أو الدكتوراه من أهم الجامعات المصرية الحكومية . 

"بإمكاننا أن نكتب لك الرسالة بأنفسنا"

"بوابة الهدف" تواصلت مع الرقم المذكور في المنشور، لتكون هذه بداية رحلتنا في سوق بيع الشهادات والرسائل العلمية في المحروسة.

لم يكن العنوان الذي أعطاه لنا القائمون على الصفحة صعباً. إنه مكتب خدمات طلابية في أحد الشوارع المُواجهة لجامعة القاهرة في منطقة بين السرايات "المعروفة بين أوساط الطلاب والباحثين المصريين والعرب"، إحدى مناطق حي الدُقي قرب جامعة القاهرة، وهي مشهورة بوجود مكاتب تصوير المستندات التي يستفيد منها طلاب الجامعة.

"ما هي الخدمات المتاحة لطالب يرغب في عمل ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة القاهرة؟" 

طرحت بوابة الهدف السؤال على المُوظفة الشابة الجالسة وراء مكتب خشبي صغير داخل المقر. فأجابت "يمكننا أن نكتب لك proposal مقترح الرسالة التي ستعرضها على الكلية أومجلس إجتماع القسم للاقرار، وإذا وافقوا على الرسالة، هناك اختياران، إما نساعدك في جمع وترجمة أي أبحاث تحتاجها لرسالتك وأنت تهتم بالكتابة والترتيب، أو ننهي لك الرسالة لتقدمها بعد ذلك بنفسك للكلية. لكن هذا سيكلفك أكثر". 

وقالت إن تكلفة إنجاز الرسالة 25 ألف جنيه مصري (حوالي 1370 دولاراً)، مؤكدةً أن هذا السعر للمصريين، لكنه سيكون ثلاثة أضعاف للعرب، أما الدكتوراه فتكلف 40 ألف جنيه (حوالي 2250 دولار) على أن يزيد السعر لحوالي 6500 دولار للطلاب العرب. 

وحول مُدة العمل، أجابت المُوظفة أنّ التنفيذ يستغرق حوالي ستة أشهر ثم يسلمها المكتب للباحث حتى يقدمها للجامعة، التي تحدد موعداً لمناقشتها. وفي النهاية، يحصل الباحث على الدرجة العلمية من دون أي مجهود.

أزمة ضمير

داخل كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أجرت "بوابة الهدف" لقاءً مع أسماء رمضان، المدرّسة المُساعدة بقسم الصحافة. بهدوء تقول "تدعي هذه المكاتب أنها تساعد الباحثين، لكنها في الحقيقة أكبر كارثة تواجه البحث العلمي في مصر".

من وجهة نظر رمضان، فإن هذه الكيانات تمنح بعض الأشخاص درجات علمية دون أن يعرفوا المعنى الحقيقي للبحث العلمي ولا يستطيعون تنفيذه ولا استخدام أدواته.

الأزمة الأكبر بحسب رمضان هي أن بعض الأساتذة المشرفين على رسائل هؤلاء الأشخاص لا يقومون بمراجعة المحتوى العلمي للبحث بشكلٍ جاد للتأكد من صحته وصلاحيته، مما يجعل الأمر يمر مرور الكرام ويمنح هؤلاء الدرجات العلمية دون مجهود يذكر.

وتكمل "هنالك غياب واضح للضمير في هذه الأزمة، فلا ضمير لمن يدفع ولا ضمير للمراكز التي تبيع ولا ضمير للمُشرفين المُجيزين لتلك الأبحاث".

أحد الباحثين بجامعة عين شمس المُلتحق بكلية الحقوق لدرجة الدكتوراه حديثاً، قال يحتاج الأمر من وجهة نظره لمجهود من الأساتذة المُشرفين على الرسائل للتأكد من أنّ الباحث قام بالفعل بعمل مجهود حقيقي، وأن رسالته فعلاً تجاري مستواه العلمي.

الباحث المغربي حسام بنشقرون المُتقدم لنيل درجة الدكتوراه من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، قال أنّ "هذا الأمر طُرح عليّ منذ قدومي إلى مصر، وكان الأمر يتداول بين أوساط الطلبة الوافدين في فترة الدراسة والامتحانات التمهيدية للدكتوراه، ذلك الأمر سيُؤثر سلباً علي سمعة مصر العلمية وسيصبح التعليم فيها بلا قيمة". 

إفساد وتقليل هيبة الدراسات العليا

بالقرب من مكاتب خدمات الطلاب المُنتشرة أمام جامعة القاهرة، وقفنا مع أسماء قنديل، الصحافية بمؤسسة روز اليوسف القومية، والحاصلة على ماجستير من كلية الإعلام، والتي عانت كثيراً حتى حصلت على الدرجة العلمية.

تشير بيدها وهي تقول "بعض هذه المكتبات تقدم رسائل جاهزة للباحثين المصريين والعرب، فتختصر على الباحث كل خطوات البحث العلمي التي يتكبدها الباحثون الحقيقيون لتخرج الرسالة إلى النور".

الدكتور محمد علم الدين ووكيل شؤون الدراسات العليا بكلية الاعلام بجامعة القاهرة، والذي خبرته في مجال التعليم العالي والدراسات العليا تمتد لأربعين عاماً في البحث والتدريس بكلية الاعلام، قال لمراسل "بوابة الهدف": هنالك قانون ينظم الدراسات العليا في مصر وتلتزم به كافة المؤسسات التعليمية الخاصة، بمثابة أن يكون الطالب حاصل على شهادة الليسانس من جامعة أو معهد مُعترف به في مصر أو من بلاده للطلبة الوافدين، وكإشتراط للحصول على قرار المناقشة على الطالب التقدم والحصول على شهادة التوفل في اللغة الإنجليزية.

وقال علم الدين، أنّ أهم المُشكلات الحالية في الدراسات هي النوعية البحثية والجودة الذي تفتقر لها أغلب الدراسات والتكرار والأمانة البحثية، فيما دعا الى توفير مراكز بالجامعات لفحص الرسائل المقدمة ولقياس نسبة الاقتباسات من الدراسات الأخرى، وتوحيد تصنيف القيمة العملية المضافة في الأبحاث الجديدة، قبل مُناقشتها واقرارها لضمان الجودة وعدم التكرار، وتجنباً لعملية السطو العلمي والفكري، مُحذراً من إفساد العملية التعليمية وتقليل هيبة الدراسات العليا من خلال وضع تاريخ عريق من العملية البحثية على طريق الاندثار والانحدار. 

شهادات مضروبة 

في بداية شهر أبريل للعام الحالي، تقدمت إيناس عبد الحليم، عضو مجلس النواب المصري، ببيان بخصوص ما أسمته "الشهادات العلمية المضروبة"، وقالت في بيانها أن مصر تتصدر عربياً سوق الشهادات العلمية، علماً أنها قبلة الدارسين العرب الأولى، لكنها مؤخراً تواجه أزمة المصداقية والأهمية العملية.

تقول عبد الحليم، أنها تستغرب من أن بعض الدارسين العرب في مصر قادمون من دول بها جامعات تحتل مراتب متقدمة في التصنيفات العالمية، لكن استغرابها زال حين حققت في الأمر، فاكتشفت أن السبب هو الخدمات التي توفرها لهم هذه المكاتب.

تغيب الرقابة الحكومية، بحسب الدكتور كمال الدين محمود المُتفرغ بكلية الادارة بجامعة عين شمس عن هذه المكاتب وهو ما جعلها أقرب لمافيا تبيع الشهادات لكل من يريد بمُقابلٍ مادي. 

كما ودعا لضرورة وجود رقابة صارمة على المكاتب التي يتبيّن أنها تقوم بمساعدة طلبة الدراسات العليا في إعداد رسائل الماجستير والدكتوراه ومُحاسبة القائمين على ذلك.

متعلقات
انشر عبر