Menu
حضارة

’’قتلتُ صديقي الأسير‘‘

18471233_684248871761757_821103764_n

أحمد مصطفى

 

 

السلامُ على زِنزانةٍ توشَّحت لِباسَ الليل الداكن على خاصرةِ الشوقِ الأليم.

مرحبًا يونس، أنا صديقكَ المُسِنُّ أحمد، أتذكَّرُ ابتسامتكَ قبل خمسين عامًا، وأذكرُكَ شابًا شاعرًا مقاومًا فذًّا، تعلّمتَ من شِعركَ أن تستسيغ الكلمة الطيِّبة من شِفاهِ البُندقيّة، وتعلّمَ الأطفالَ منك كيف يداعبون الزِنادَ على وقعِ الأهازيج المنبعثةِ من نايِ جدّكَ موسى.

كنتَ رجلًا شديد البأسِ رحيمَ القلب، محبَّبًا بين فتيةِ القوم وكبارهم رغم أنك لم تبرح عامك الثاني والعشرين حينها، ولتعلم أنّ زهرة التوليب التي قمتَ برعايتها في كوخِ والديك – رحمهما الله - لا تزالُ على (قيدِ) الحياة، وزوجتكَ سُعاد التي لم تُكمل شهرَ عَسَلِها معكَ لا تزال أيضًا على قيدِ الحياة.

بعد يومٍ واحدٍ، وعندما قامت ملحمةُ شيشيت هياميم، رأيتكَ باسلًا، قاومتَ طائرة ميراج-3 الإسرائيلية بغصنِ زهرةِ البنفسج المغروسِ على حافةِ الصخرةِ القديمة. أجل يا صديقي، أذكرُ إمساكك لغصنها واستفساري منكَ عن سبب استبدالك لغُصنِ الزيتون بها، فأخبرتني أنّ الزيتون مشغولٌ في مزادِ الأُونصاتِ العربيّة، وجمالُ البنفسجِ مستعدٌ هُنا لمحاربةِ هذهِ الطائرات الورقيّة.

كان القدرُ غالبًا، فسرعانَ ما أصابوكَ في اليومِ الخامس بأعيرةٍ ناريّة في مثانتك وقدميك، فاقتادوكَ إلى معتقل غوانتانامو إسرائيل والذي أُطلقَ عليه لاحقًا مسمّى سجن (1391).

حطّت الحربُ أوزارها يا صديقي، ولَبثتَ في هذا المعتقل قُرابة أربعين عامًا، أدري أنكَ عانيتَ فيهم بما يعجزُ قلمي عن وصفه، ولتعلم أنني أدفعُ الآن مِحبرة قلمي بقدمي بعيدًا؛ حتى لا ترتجلُ الحروف في وصفكَ ما دمتُ مؤمنًا أنها لن تُنصفك.

سُعِدنا يا يُونس بمعرفةِ أنكَ حيٌ وتتنفس، وأنّ إسرائيل قامت بنقلك من وَحْشةِ ذاك السجنِ بعد أربعين عامًا لتنتمي إلى صفوفِ إخوانك الفلسطينيين في سجنِ النقب وقد هَرِمَ سِنُّكَ ولم تَهْرَمْ روحك. وكانت زوجتكَ سُعاد -التي أعلمُ أنها لم تفارق مُحيّاك- سعيدةٌ بقدرِ سعادة اسمها التي تحمله، فلم تبرح يومًا إلا وكانت تُهَلِّلُ في الأُفق بِعُكّازِها وبملء الفمِ تقولُ لنا: "شفته في المنام، يونس زي الفُل، الحسرة عليكم، قلي إنو حيكون بخير قبل ليطلع عالحرب، يونس بيكذبش".

ظننّا على مدارِ هذه السنوات الطويلة أنها جُنّت من فقدك، وأخذنا بها صوبَ المراكز الصحيّة والنفسيّة، فأخبرونا أنها حالة يصعبُ تشخيصها، فإيمانها بك قد حيَّرَ الأطباء وساسة الحربِ العُظماء وجعلنا جميعًا على كفِّ الدهشةِ سَواء، وتأكّدتْ لنا بصيرتها عندما علمنا قبل عشر سنوات بأنكَ حيٌ، وكم كان من أمرٍ مُخجلٍ أن نرى عبارات المواساة التي أفضنا بها تتساقطُ مضرّجةً بالاندهاش وقلة الإيمان، فوحدها من كانت تؤمنُ بك حقّ إيمان، وتنتمي للقدرِ والصبرِ حقّ انتماء.

لم أنسَ الرسالة الوحيدة التي وصلتني منكَ بعد أن سُرِّبتْ من داخل السجن، ولا زلتُ مندهشًا حتى اللّحظة من تلكَ الفقرة التي كتبتَ فيها:

’’أشتاقكَ يا أحمد، وأشتاقُ لِزوجتي سُعاد التي تُسامرني كلّ ليلةٍ في المنام، ووددتُ أن أخبرك أمرًا، في سجني.. هُنا رجالٌ (فاتحون)، ورجالٌ (متحمِّسون)، ورجالٌ (جهاديون)، ورجالٌ على (الجبهاتِ) يعكفون، سِعدتُ بهم جميعًا وسُعِدتُ بنصرنا على بني صهيون، لكن رُدّ إليّ الخبر مُجيبًا.. أين هُم (الفلسطينيون)؟!‘‘

أعتذرُ لكَ صديقي يُونس، فقد اضطُّررتُ للإجابة عليك، فقد أمضيتَ عقودًا من الزمنِ دونَ أن تدري ما يجري، فأرسلتُ لك برقيةً لا زلتُ أذكرُ حِبرَ ريشتي عليها، فاستطردتُكَ القول: ’’أُبرقُ لكَ محبّة أحمد وشوقَ سُعاد، وأُجيبكَ يا صديقي باليقينِ.. فالساسةُ مختلفون، والأحزابُ مُشكّلون، والشُعراءُ مأجورون، والعربُ كما تركتهم منفصلون، والأطفالُ بالدماءِ مُلبَّدون، وَوُلاةُ أمرنا ببلادنا يقتسمون، واحتلّت إسرائيلُ بقيّة الأرضِ والعالم لا زالوا يَشْجِبون، وحروبٌ دارت في غيابكَ هَزَمَنا فيها الخائنون، وأصبحَ حُكّامنا يا صديقي بالسوطِ والوعيدِ يحكمون، وللثوراتِ عبر الإنترنت أصبحوا يقودون، وأمسى تُجار الكليشيهات في بلادنا يقطنون، والشرفاءُ في بلادنا أضحوا تحت الأرضِ يسكنون، وزهرةُ التوليب خاصّتك أُبيدَ غُصنها تحت الرمادِ بكلِّ فنون، والإسلامُ يا صديقي باتَ في قلوبكم وفيما تعبدون، آهٍ يا صديقي الهَرِمْ كم نحنُ مُتعبون، ولأرجاءِ العالم ارتدفَ الفلسطينيون يلجئون، وها أنا أكتبُ لكَ هذه الرسالة على وقعِ نايِ جدِّكَ المكسور يا صديقي وبكلِّ عجزٍ وبملءِ دمعِ الجفون.‘‘

لم أعلم أنّ كلماتي كانت قاسيةً لهذا الحدِّ على يونس، أهِيَ قساوةُ المشهدِ أم قساوة الحرف الذي كُتِبَ من جَلْمدِ الواقعِ المرير، فتلقيتُ نبأ وفاته لحظة قراءته للرسالة بجلطةٍ قلبيّة مُميتة، لطالما علّمني يونس أن أكون صامدًا صابرًا محتسبًا، لكنهُ كان عكس ذلك الصبرِ الذي أوعز بهِ إليّ طوال العقودِ التي أمضاها في الشبحِ والتعذيب.

تلقّفهُ الأسرى في شهقته الأخيرة وهو يُردد على لسانِ قلبه: ’’اتركوني وشأني، ما لِيَ من عيشٍ بائسٍ في عصرِ فُتوَّتكم، فالأرضُ أحقُّ بي إن كنتم لا تعلمون.‘‘

مات يونس عن عمرٍ يُناهز الاثنين وسبعين عامًا، وأذِنَ القدرُ لسعادٍ أن تلتحقَ بزوجها برهة وصول نبأ وفاته، عن عمرٍ يُناهزُ التاسع والستين ربيعًا، وها أنا أجلسُ كما اعتدتُ الجلوس على كُرسيِّ العجزِ لأسردَ ما جاء من متنِ الحدثِ بكلِّ ما أوتيتُ من حِميةِ الموتِ المؤجَّلْ، فهذا الوطنُ المُقسَّمُ باتَ يُؤلمني كثيرًا.

 

ولا أودُّ من هذا المقامِ إلا أن أقول لِمَنْ أسلفتُ ذِكرهُمْ آنفًا :-

’’لستم أنتم من قتلهُ.. أنا من قتلَ الأسير، أنا من قتلَ الأسير، أنا من قتلَ الأسير‘‘