على مدار الساعة
أخبار » آراء

في 15 أيار كانت نكبة أمَّة... وما تُخَبِّرُ به رُقُمُ الطِّين الكنعانيّ!

16 تموز / مايو 2017

(11) 
 قالت أقدار التكوين ورُقُم الفخّار الكنعاني: يولد في هذي اللحظة طفل قرب الشاطئ على جبل أو في خيمة... ما أن يطلق صرخته الأولى حتى يبقى مشغولاً بسؤال مِلْحاحٍ وشقيٍّ: أأنا فلسطينيّ؟ وماذا يعني ذلك؟
 منذ أن انفجر البحّار في اليوم الثامن من تموز... وفلسطين تنجب أطفالا وزوارق... زيتونا وبنادق... عشرون حربا... ألف هجرة... مئة سجن... مليون زنزانة... ألف شهيد... وآلاف أخرى... وتزدحم جدران البيوت والشوارع بالصور... فيغفو وجه شهيد فوق الآخر... وتطول القائمة وفلسطين لا تتعب أبدا... تنجب أطفالا... ترضعهم ... تغسلهم بالزيت وتفركهم بالملح البحريّ..وما أن يكتمل البدر... حتى تطلقهم نحو الشمس وتنتظر... هي أسطورة خلق تتبع دورتها المنقوشة على رُقُمِ الطين الكنعاني الأول... يقتل "موتٌ" "بعلاً" فترتبك فصول الكون... فتنتفض "عناة" وتنهض فتعيد النبض إلى بعل...... فينهمر المطر ... فيكون ربيعٌ... ويكون صيفٌ ويكون أيلولٌ وتكون أوراقٌ بلون الوهج. 
تتسع الصحراء وتمتد...  تتجاوز جثث رجال ماتوا في الشمس... فوق الرّمل اللّاهِب... الصحراء ما عادت تسأل: لماذا لم يدقوا جدران الخزان... بل تسأل: أين فلسطين... ولماذا باتت أصغر... الفكرة كانت أكبر...؟ هذا ما قال الشاعر... ولماذا بات الموت حياة... والحياة باتت تشبه موتا؟. 
 أين الخطأ؟ يسأل شيخ كنعاني يتوقد ذاكرة ونقوشا... يحفظ أسطورة بعل وعناة... كيف ضاق الوطن كثيرا...؟ فرسائل بعل لعناة من أقصى الكون كانت حاسمة:
[عند قدمي عناة انحنيا واركعا، اسجدا وبجلاها
وقولا للعذراء عناة، أعلِنا لسيدة الأبطال
رسالة بعل العليّ، وكلمة بعل الظافر:
"أن أقيمي في الأرض وئاما،
وابذري في التراب المحبة،
واسكبي السلام في كبد الأرض،
وليهطل الحب مخترقا جوف الحقول...] (من الأسطورة الكنعانية).
 فكيف انحسر البحر...!؟ كان الأجداد يجوبون الأزرق من أقصاه إلى أقصاه... لا يقربهم لص أو قرصان... كانوا أسطورة هذي الأرض وهذا البحر... أين نخيل الكنعانيين السامق يغازل قمر أريحا... وقدور الفخّار الأولى بالزيت تفيض... ما نعرفه أن الكنعاني لا ينسى مكان ولادته... كهفا كان أو سفح جبل أو عند الساحل أو فوق رمال الصحراء... أين الوطن الأسطورة؟ والأسطورة ليست عبثا... فمنها الأسماء ومنها الوعي... هي حكاية سنبلة تشرب مطرا "بعليا"... ثم يراقصها المنجل في أيار فتنقسم إلى خبز ثم تعود وتفنى لتنبت حقل سنابل... وتروي الأسطورة أيضا حكاية ثوب امرأة كنعانية تحرسها أوراق العنب وعلى الصدر سنابل قمح... هلالٌ وصليبٌ... كانا حتى قبل الأديان... فأين الفكرة... أين الوطن الفكرة؟.
 صمت الشيخ الكنعاني قليلا... ذهب بعيدا... ثم عاد يهمس أين الوطن الفكرة؟ فعكا لم تغادر شاطئها... لقد أطلقت البحار ليحمل فكرتها وها يعود إليها قلم يسبح عبر البحر... ومن قبل ومن قبل... لعكا أحلام شاسعة... ألم يزرع فيها الشيخ الكنعاني ظاهر العمر الزيداني بذرة ثورة...تقول الرُّقم الكنعانية أن الظاهركان يحلم بوطن ممتد... يصعد شمالا ويمضي جنوبا... كانت عكا نقطة تكوين للفكرة... ومنها نادى الظاهر مريم الناصرية لتحمي الحلم "هيّا يا ابنة عمران جعلت اتّكالي عليك بعد الله إن أنت نصرتني فلآخر حياتي لا أنسى لك هذه الآية. ويكون زيت قنديلك من عبدك". ولم تخذله ابنة عمران فأوفى العهد... غير أن اللصوص اغتالوه... لكن الفكرة بقيت تنبض في عكا... تتحدى البحر وتحلم بشيخ أو بحار... ليحملها في قبضته كالجمرة.
فأين الوطن الفكرة... ؟ أين الأحلام الكبرى؟
(4)
من شفق الأفق البحريٍّ... من زبد الأمواج  خرج ولدٌ كنعانيّ كان بحجم الطلقة... يحمل "بارودة"... كانت أطول منه قليلا...
 قيل أن خاله أوصى أن يكتب على شاهدة قبره " لا يحمل بارودتي من بعدي إلا من يقسم أن لا تفارق يده حيّا... وأن يحفظ وجهة ماسورتها وشرف رصاصتها".
 ... قيل أن أم الولد الكنعاني حين رأت الولد يحمل بارودة خاله دمعت عيناها... قالت: يا طفلي... ثقيلة "بارودة" خالك...؟ لا تحملها قبل أن تتأكد من ساعدك.... لا.. لا... بل أولا من قلبك... فبارودة خالك غالية وعنيدة... لا تستسلم أبدا... فهل ستطيق عليها صبرا... إن كنت كذلك فاقسم... وإلا فوالله لن تحملها...!
 راز الولد البارودة... تأملها... فسرت منها في الساعد نحو القلب نبضة تشبه برقا... نظر الولد في عيني أمه...قال: أقسم بعقال خالي الأسمر كالليل... بشالك الأبيض كالغيم... أن لا تترك هذي القبضة بارودة خالي... وأن أحفظ في كل الأنواء وجهة ماسورتها... وشرف رصاصتها كما كانت في يده... 
أطلقت الأم نظرة عزٍّ قالت: خذها يا ولدي... هذا قدرك مكتوب في الرُّقُم الأولى... ولا تنس  فخالك لا يمزح أبدا... فالوعد هو الوعد... والقسم هو القسم... فاذهب... لا تفقد دربك... "فبارودة" خالك تعرف تيارات البحر كبحّار ماهر... وتعرف تضاريس الأرض كفلاح كنعانيٍّ لا ييأس... فلاح يزرع قمحا وشعيرا... زيتونا... رمانا عنبا... وينتظر الغيم يدفع غيما... والرعد يتبع برقا والمطر وراء المطر... يحصد قمحا... يعصر زيتونا يعصر عنبا وينتظر المطر التالي... ولا ييأس أبدا.
وقف الولد على الشاطئ... والماء المالح كالدمع يقطر من عينيه ويتلاشى في الرمل الحارق... هل كان ماء أم دمع... لا يدري! ما يعرفه من والده أن الملح ينقّي الجرح... وأن الدمع ينقّي القلب... والبارودة بالملح وبالدمع سيدة الكون ولا تخطئ. 
 عند الحد الفاصل بين اليقظة والحلم... جمعت أقدار الكون على شاطئ بحرٍ في وطنٍ في درب التّبانة ولدا كنعانيا مع يد بحّار يدعى غسان تحمل قلما يشبه مجذافا أو محراثا أو مفتاحا أو بندقية... يدٌ أدمنت البحر وصراع الأمواج... ومع ذلك لم تترك في كل الأنواء الدفّة... والدفّة قلم كالرمح وضوحا... كالسيف... يحدد خط السير في البحر وفي البر كذلك... وخط السير يقود إلى وطن مسبيٍّ منذ ثلاثة أجيالٍ ويزيد... نحو حدودٍ يحفظها القلم تماما... كان يعلِّمها... وكرغيفِ الخبز يقدِّسها... فكيف يكون الخبز بلا أرضٍ!.
سأل الولد يد البحّار: من أنت؟
 نظر البحّار أو يده، لا فرق، إلى الولد... ولد يحمل بارودة أطول منه! أعجبه ذاك كما أعجبه صفاء العينين وحسمهما...
قال البحّار: أنا الذاكرة وحقل الحنّون... ألا تعرفني؟ ألا تذكرني؟  أنا البحّار الذي أنقذه الموت ليحيا... أجوب الشاطئ منذ عقود وعقود... ترافقني فراشة تترك أثرا للآتين مع الليل أو عند صلاة الفجر... أقول سينمو الأثر... وسيمتد حتى يُحدِث موجا... فيغسل هذي الأرض وبالملح وزيت الزيتون يطهّرها... صمت قليلا وأضاف: وأيضا بالحبر الصادق كالطلقة يحميها الوطن الفكرة.
صمت الولد تأمل وجه البحّار... وقال: أيها البحّار العارف بالأنواء وقناديل البحر ينبؤني الحدس البحريّ أنك تشبه "صاحب قبر له رقم (230191)" هو صديقك... أليس كذلك...؟ سامق وعنيد كان، ويحمل قلما أيضا ولا يرسم إلا بالأسود والأبيض... كان يقول كي يبقى الحد الفاصل بين الليل الداجي ونهار يشرق كالصبح... اسمه ناجي... لم يستطع العودة أيضا... فغفا هناك... هناك بعيدا بين الصنوبر في لندن... هو أيضا يرفض أن ينسى... بل ومنذ عام الرّماد الأول يرفض حتى أن يكبر... هو طفل في السادسة وينسي أن يكبر... ينتظر ويحلم بقمر معلق فوق الجليل حتى يعود... يعود إلى "الشجرة"...
نظر البحّار بعيدا... غامت عيناه...  ارتجف القلب... وهمس: نعم ... هو صاحبي... كما كان صاحبي أيضا صديق مات على سرير له رقم أيضا... (السرير رقم 12) . 
- والآن خبّرني...!
- أخبرك بماذا؟ 
 - عن يافا.

(5)
وقف الولد... حمل "بارودة" خاله... نظر في وجه البحّار مباشرة: أتسألني عن يافا؟ ... ماذا أخبرك! برتقالها لا زال يزهر حزنا وله طعم الحزن المرِّ... ورجال يافا يغذُّون السير تحت وهج الشمس بحثا عن ميناء في وطن... والصحراء كما تعرف شاسعة... لو تعرف كم دقّ رجال يافا جدران الخزان... لقد دقوه كثيرا! وغزة أيضا دقت جدران الخزّانات جميعا!... واليرموك كذلك... ونهر البارد! غير أن آلاف أبي الخيزران كالجراد انتشروا يقودون شاحنات تحمل أطفالا ونساء ورجالا كانوا يلقون بهم جثثا في الصحراء أو البحر لا فرق أو عند الحدود... ماذا أقول سوى أن العالم لا زال كما تعهده قبل أن تنفجر ككوكب دُريّ منذ أربعين صيفا ويزيد... "عالم ليس لنا"...! 
أيها البحّار... هناك سؤال يحيرني فقل لي: كيف لململت جسدك... وكيف ميّزت أشلاءك عن أشلاء لميس لتأخذها معك... كيف؟ أم هو "عشق" الخال لابنة أخته.. أن ينفجرا معا... ويرحلا معا!؟ 
قلتَ بأنك كنت تكتبُ لها كل عام كتابا وبالرّسم تزيِّنه... خالي رحل ولم أرحل معه... لم يرسم لي رسما... وكتابا لم يكتب... كانت أمنيتي أن يكتب لي .. لكن لم يفعل... ولكن ترك لي هذي "البارودة"... قالت أمي البارودة ستعلمك الرسم ولم أفهم.
قال البحّار: ليت الفراشة لم ترحل معي... ليتها الآن معك... ولكن هذا ما كان... وتسألني كيف ميزت الأشلاء؟ كان الأمر سهلا... لقد تبعت أثر أجنحة الفراشة... وهو أثر لا يخطئ أبدا... بالضبط كما "بارودة" خالك لا تخطئ وجهتها.
والآن – قال الولد - ماذا تركت لنا أيها البحّار الراقد عند حدود الصبر وصبرا؟ اعذرنا فإنا نسأل بغباء كالعادة... 
نظر البحّار عميقا في البحر وقال: قلمٌ وبقايا جسدٌ منثور في بيروت... في وجه الجبناء ولصوص الأوطان وقراصنة الدّم... قلمٌ لم يصمت أو يرضخ... لم يجدوا معه حلاّ إلا التفجير... أتريدون أكثر من هذا... فماذا أملك غيرهما؟ هذا "ما تبقّى لكم" فهل هذا يكفي ... كي لا تتوه البوصلة... ولا تخون الدفة وجهتها!؟
نظر الولد إلى الأرض حياء... ثم إلى البحر... وشدّ على "البارودة" قبضته...
(6)
قبل أن يمضي الولد في رحلته نحو الأقدار المرسومة... كما هو مكتوب في رُقُم الطين الكنعانية... التفت البحّار إلى الولد وقال: إمض أيها الولد... قد نلتقي بين حينٍ وحين... بين موتٍ وموت، بين حياةٍ وحياة... بين شمسٍ وقمر... بين بحرٍ وبرٍّ... بين وطنٍ وشبه وطن... بين بحرٍ وميناء... ولكن إياك أن تترك بارودة خالك... مهما كلّفك الأمر... فتلك "البارودة" مجذافك كي لا تغرق... وعندما يرهقك الرمل ستتكئ عليها... وعندما يغمرك الحزن ستغني لك... وعندما ترغب بالنوم ستفرد ضفائرها كالغيمة فتوسّدها... ستحميك من أهوال الأحلام ومن قطّاع الطرق وقطّاع الأوطان والليل ومن القراصنة... فلا تنس.
سأل الولد: 
أفي البحر قراصنة ولآلئ؟
ضحك البحّار: كما على البرِّ نخيلٌ ولصوصٌ وبنادق!
(8)
أنتظر الولد على الشاطئ... في أفق البحر الغربي غيم بلون الرّماد... ريح تعوي... انقبض قلب الولد فشد البارودة... من عمق البحر يلوح شبح وحشي... شراع لا يحمل خيرا... وحش فولاذي القلب... شراع وبنادق... غير بعيد... تقدم قرصان وقراصنة... اقتربوا... واقتربوا... صرخ القرصان: سلم بارودتك أو الموت!
اهتز القلب... هاجمه الخوف... نظر الولد يمينا وشمالا... نحو البحر ... نحو الأرض... لا أحد... هو وحده... ابتعد الولد قليلا... شد إلى القلب البارودة... هدأ القلب... ثم أضاء... جنوبا فوق البحر وكطير بريّ تراءى وجه امرأة... راحت تنتظر...قال الوجه: الآن هي اللحظة... فقرّر يا ولدي... هل ستسلم بارودة خالك؟
صمت الولد... حدق في الأرض ... نظر إلى البحر... ثم إلى البارودة... كانت هادئة تنتظر...
نحو السماء أرسل عينيه وقال: أقسمت برأس خالي ومنديل أمي أن أحفظ شرف البارودة... فهي البوصلة وهي المجذاف... وهي الشرف فكيف أسلمها!
احتضن الولد الأرض... وشد القبضة... وقال باسم الله وباسم الأرض وباسم الوطن وبرأسك يا خالي وبشالك يا أمي... وعمّرها بالطلقة... 
ارتجف القرصان قليلا... فاجأه 
أمر القرصان الحشد... فتقدم والبعض تردد... في تلك اللحظة حيث الحسم يأخذ شكل الطلقة... وحين تكون المواجهة تعادل موتا... أطلقت البارودة أغنية... دوت طلقة... سقط القرصان... وساد الصمت... ما حادت عين الولد عن الحشد... عمّر ثانية... هدأ القلب تماما... انحسر الغيم الأسود... بدت الشمس تطل على البحر وعلى ولد يحتضن الأرض ويقاوم وحده...
قيل أن القدس في تلك اللحظة شاهدت البرق يضئ البحر... وأن النوارس في غزة هبطت قرب الشاطئ... وقيل أن امرأة في غزة لها ولد يحمل بارودة خاله ويجوب الأرض شمالا وجنوبا... قد نهضت والبسمة تغمر عينيها بهاء... قالت: هذا ولدي... وهذا البرق طير الوعد... لقد أوفى الولد الكنعاني الوعد واجتاز اللحظة... ومنذ الآن سيرسم أقدار التكوين... وحدود الأرض. 
إلى البحر عاد القراصنة وغابوا كضباع مهزومة... نهض الولد... ومعه نهضت بارودته... كانت دافئة كالصبح... كانت تبتسم... قبلها الولد وعانقها حد النشوة. 
الموقف والحسم... اهتزت سيقان القراصنة الأصغر... قالوا ماذا نفعل فالولد عنيد لا يمزح...!؟ 
(9)
مع الصبح حمل الولد البارودة ومع الشاطئ غرّب غربا... كانت وجهته صفد... في البحر الممتد اشتد الموج... وبعض السفن العابرة اقتربت منه... هابته... قال البحارة: في عيني هذا الولد ألقٌ سحريٌّ ويحمل أيضا بارودة... إنه يذكِّرنا... يذكِّرنا برجل كان... وما هانت ذمته يدعى أحمد طرباي... يعود إلى طئ... قبل قرون جاء... وإليه التجأ المظلوم ابن سِيفا هربا من ظلم الوالي... قيل بأن الوالي العثماني طلب التسليم... فأعلنها أحمد حربا... ليبقى الشرف... وأحمد هذا أعطى صفد المجد... والولد يقول أن وجهته صفد فما هذا التقويم؟ 
نادى بعض البحارة من بعدٍ: لا تمض... فصفدٌ ذابت في البحر كما الملح... ولهذا سنحاول أن نرسو على جبل في "الضفة" فذلك يكفينا... ألا تتبعنا؟ سنكفيك متاعب هذا السفر وهذا البحر... لكن عليك أن تترك عند الشاطئ بارودتك... لست بحاجتها... فماذا تقول؟
نظر الولد شمالا نحو الأفق... عاد وفي شكٍّ سأل البحارة: وأطفال الضفة والقدس... ألا يبحرون من باب العشق إلى صفد؟ نظر البحارة خجلا نحو الأرض... وعادوا نحو السفن الرّاسية على الرمل... كانت سفنا تحمل بقايا أعلام باهتة... فيما الصّاري مكسور والصدأ البحريُّ يغطي المرساة. 
قال أحد البحارة: اتركوه... فهذا الولد لن يعيش طويلا... ألم يحاول طرباي قبل أربعة قرون ومات قبل أن يحقق فكرته... وبعده بقرنين نهض الشيخ الزيداني فقتلوه... كما قتلوا قبل عقود البحار غسان هو أيضا سيقتلوه.. فاتركوه!
قال بحار طاعن في السن: حتى لو قتلوه... فلن يغير هذا من الأقدار شيئا... فهو فكرة عابرة للزمان والمكان... والأفكار النبيلة لا تموت... الم تقولوا أن فيه شيئا من طرباي والشيخ الزيداني... رغم أنهما رحلا قبل قرون! فانظروا الآن... هذا الولد هو فكرتهم التي لم تمت... حتى وإن قتلوه فسيأتي غيره... لا يمكن قتل الفكرة... فقط يتم تأخيرها هذا كل ما في الأمر.
سار الولد على الشاطئ حائرا... وتساءل: لم الكل يحاذر هذي البارودة تحديدا؟ فهي لم تفقد وجهتها... ولم تطلق خطأ... شد القلب على "البارودة"... وقال: هو ذاك إذن... لأن ماسورتها لم تفقد وجهتها... لم تنس الماضي... وبالنار الساطعة وبالفكرة تخط طريق المستقبل...
نظر الولد إلى البحارة... كان حزينا... قال: لا بأس سأذهب إنشاء الله إلي صفد فيما بعد... ولكن لن أتبعكم... فدربي تختلف... ودرب التبانة تؤشر نحو الموج... وأنا اتبع قمري... وأدار البوصلة جنوبا وفي البال امرأة عند الشاطئ تنتظر... امرأة تحلم بشربة ماء من بئر، بئر تحرسه شجرة صبّار، فيه ماء يراقصه القمر مساء فيغسل وجهه ويمضي راحلا مع ليل الجليل...
(10)
عند الشاطئ عصرا امرأة من غزة تطلق في البحر مئة زجاجة في كل منها ورقة تطلب فيها شربة ماء... وفي السماء طيّرت ألف رسالة تطلب فيها أيضا شربة ماء... لكن لم يسعفها أحد لا بالماء ولا بالردِّ... كان الموت يحاصرها... انتظرت طويلا.. لكن لم يسعفها أحد... لم تر "الأفق وراء البوابة"، فقط كان يحاصرها الموت الفولاذي المتوحش... ويمارس رقصته السّادية في غزة... 
داهمها الحزن... فراحت تبحث عن حلٍّ من ذات الحال ... من تحت الأرض... حلّ يشبه أفقا... حلّ يشبه نفقا... راحت تحفر ليلا ونهارا... قالت: قد أصل البحر... وعلى الشاطئ أنتظر شربة ماء من بئر تحرسها شجرة صبّار... بئر يرقص فيها القمر مساء... نفسي في شربة ماء وعدني أن يحضرها ولد كنعاني يحمل بارودة... سأنتظر... إنشاء الله سيعود الولد ومعه شربة ماء من بئر على سفح الجليل.
(11)
سأل الناس: من هذا الولد؟ 
- قال أنا من هنا... من غزة... وأنا من هناك أيضا... من الجليل...
- أأنت فلسطيني؟ 
- هذا ما قالوه... وكيف لي أن أعرف...؟
شيخ كنعاني شقّ الجمع... كان بعمر الزيتون بهاء... قال: كي تعرف... أنظر في البحر كما عكا... فإن خفت فلست فلسطينيا...إغرس في الرمل قدميك وفي الأرض... فإن غصت فأنت كذلك... أتعرف ما معنى النفق الواصل من عمق الليل إلى عكا...؟ إن عرفت فأنت فلسطيني... 
نظر الولد في البحر الممتد... تأمل صورته ترقص مع خفق الموج...
قال: لا أخشى البحر... وجذري ممتد في الأرض... وبوصلتي تبحث عن عكا... عن صفد... تحلم بالبحر شمالا... وتبقى تحلم حتى عكا.
نظر الشيخ الكنعاني عميقا في الرُّقُم الكنعانية... قلّبَها... قال: مكتوب عندي في الرُّقُم أن سيأتي ولدٌ كنعانيٌّ... يتنكبُّ قوسا أو رمحا يطلق نارا أو ما يشبه ذلك... سيجوب البحر شمالا وجنوبا... وأحيانا يبحر في العمق... يطارد قرص الشمس... وفي الليل يلاحق قمرا... هذا الولد كنعاني المولد والنشأة والأحلام... ولدٌ يشبه بعلا... يحفظ شعرا... يبحث دوما عن نقش الأجداد ومواقدهم... ومكتوب عندي أيضا في الرُّقُمِ... أن البحر سيحرسه... ما دام هو يحرس روحه ولا يتبع سفنا هاربة نحو البرّ... مسح الشيخ العارف وجه الولد بعينيه... فلاحت في عمق العينين عنقاء تنفض عن جناحيها الرماد وتنطلق... فتنهد بما يشبه أمنية بعمر التكوين وأكثر. 
(12)
أمسك الولد الكنعانيُّ البوصلة... وعلى الكتف الثابت ثبّت بارودة خاله... ويمّم صوب البحر... غاصت في الرمل قليلا قدماه... وتابع سيره...
سأل الشيخ الولد: إلى أين؟ 
قال: بوصلتي تشير إلى حيفا... ومنها إلى عكا... ومن هناك صعودا صعودا حتى صفد...
إذن انتظر الريح لتأتي ... فالأشرعة تحتاج الريح... والبحر عنيد...
قال الولد: بوصلتي حاذقةٌ... سأفرد أشرعتي... ستأتي الريح... ويعتدل البحر... سأنتظر.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

نصّار إبراهيم

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر