على مدار الساعة
أخبار » صحافة المواطن

العدو في زمن الاشتباك على بعد سكين

18 تموز / مايو 2017

مرح خليفة - رام الله

سأقول لك شيئاً، أنا أعيش في رأسي. ورأسي عالم شاسع مليء بالحيرة والتناقضات. ما يجري أمامي كل يوم وكل دقيقة يعنيني بالقدر نفسه الذي لا يعنيني. للعالم ثلاثة تجليات، حياة، وموت، ومصيدة. وهذا المكان مصيدة. كيف مصيدة؟ يعني مثلاً أن تخدعك الحياة وتسوّل لك أنّها ستعطيك قبلة، ثم في لحظة، عند اقتراب الشفتين من الوجنتين، تشيح بوجهها بعيداً وتعدو كمجنونة. إذاً قد يكون موت، تقول لي. أقول لك لا، ليس موتاً، لست في اللامكان. أنظر إلى العالم نظرة الغائب والمشاهد، ثم أنّي لم أر صحيفة أعمالي، وأحس بالألم. الموت لا يوجع الموتى، أليس كذلك؟ ثق بي، إنّه مصيدة كبيرة تبتلعنا جميعاً. لا أكثر ولا أقل.

في الوقت الذي يحدث الاشتباك في الخارج، في الوقت الذي يعيد فيه الشباب ترتيب الأولويات، أشتبك أنا مع نفسي. أقول إن الاشتباك طريق تحرّر أولاً، تحرير العقل وتحرير الأرض، أساساً مجنون الذي يرى غير ذلك. ثم أصمت وأعود إلى المصيدة. أشد أنواع الاحتلال مكراً، هو ذلك الذي يجعلك غير قادر على تخيّل ما عداه. أعني أنّك تعتاده في اللاوعي ورغماً عنك، وتتقلّص مقاومتك اليومية له شيئاً فشيئاً. لكن مهند الحلبي تغلّب على ذلك. أنظر ماذا فعل: ذهب إلى القدس، إلى أشد المناطق خطورة، تحت بيت آرييل شارون في البلدة القديمة بالتحديد، وعلى بعد أمتار من مكان تواجد المستوطنين للمراقبة على أحد الأسطح، استلّ سكينه بكل هدوء وانقضّ عليهم، ثم انتزع مسدس مستوطن حاول إطلاق النار عليه فصوّبه اتجاهه وأرداه قتيلاً، قبل أن تأتي قوات الاحتلال إلى المكان ليشتبك معهم، ثم يرتقي.

ثم أصمت وأعود للاشتباك مع نفسي، وأعجز عن تجاوز ضباب أفكاري، وحسم الأمر. وأفكر أن فلسطين جغرافيا محتلة حد الشلل. جميع المدن محاطة بالحواجز من كل الجهات، ودخولك وخروجك من أي منطقة مترتبان على أمور عدة. خذني أنا كمثال، لم أزر القدس إلّا مرتين، ولم أدخل أراضي 1948 ولو لمرة. كيف تجاوز مهنّد، ابن مدينة البيرة المكان والزمان؟ كيف اختار هذه المنطقة بالذات؟ ثم كيف استطاع تجاوز حاجز قلنديا في ظل كل هذه القيود؟ كيف استطاع بسكينه أن يصبح أستاذ جغرافيا، لتطال السكاكين مستوطنات الخليل والقدس وتل أبيب والعفولة والناصرة؟ ثم أترك كل هذا وأفكر في أمه، وأحاول أن أرى الأشياء بعينيها، وكيف عليها أن تعيد ترتيب الحياة من جديد، بوجع أكثر ومقعد خالٍ.

أتعلم، المراهنة اليوم عليهم، الجيل الرابع للنكبة. الجيل الأول لما بعد أوسلو. راهنّا على ذاكرتهم أولاً، ومن الواضح أنّهم نجوا. واليوم نراهن على سكاكينهم وحجارتهم. قد ننظّر عليهم أنا وأنت، وندّعي أن مواجهتهم "رومانسية"، وقد نرميهم بكلام مثل "العين لا تواجه المخرز"، وأن الحجارة والسكاكين عبثية في ميزان قوة الاحتلال. لكن قبل ذلك دعنا نجرِّب أن ننظر إليهم من نافذتهم، نتنياهو يستدعي جنود الاحتياط، والمستوطنون مذعورون أكثر من أي وقت مضى. عرف شباب الهبّة هؤلاء أن المستوطنين أحسّوا بالأمان، فعرفوا كيف يعيدوهم إلى الواقع من جديد. لم يقفوا عند حدودنا، ولم يكونوا مجرد نشطاء على "فايسبوك". ثم ماذا لدينا لنخسره، راهنّا على "اتفاقية أوسلو" وأخواتها أكثر من عشرين عاماً، لذا من حق هؤلاء الشباب أن يُعطَوا فرصة واحدة على الأقل.

أتذكر ما قاله غسان كنفاني في يومٍ من الأيام: "وقت الحرب هناك دائماً مَن يلعب دور الخائن". سنخون إن أجبرناهم على التراجع. سنخون كـ "أوسلو" إن أملينا عليهم رؤانا وأوامرنا. اليوم في زمن الاشتباك هذا، هناك أيضاً من يلعب دور المساوم والمزايد. وهناك مَن هم مثلي، عالقون في شباك المصيدة، وهناك من أعادوا ترتيب التجليات. الحياة مقاومة، الموت الاستسلام. والمصيدة، اللاسلم واللاحرب.

متعلقات
انشر عبر