Menu
حضارة

الدولة الدّينية أم الدولة المدنيّة؟: صراعٌ على مداخل الإصلاح

الدولة الدّينية أم الدولة المدنيّة؟: صراعٌ على مداخل الإصلاح

بقلم: يوسف هريمة

1. شذرات من مسار العلمنة الأوربي:

مثّلت أوروبا من خلال مسارها التاريخي تجلِياً واضحًا من تجلّيات الدّولة التي عبّرت عن مسار النّظام الثيوقراطي في فترة من فتراتها، حين كانت تحكمها الطّبقة الكهنوتية، وتسُوسها الكنيسة بوصفها ممثّلاً عن الله. إذ النّظام الثيوقراطي ليس سوى شكلٍ من أشكال التّعبير عن السّلطة الشّمولية، النّاطقة باسم الحقّ الإلهي، والمحتكرة لحقّ الإنسان في حريّته العقدية والدينية. ولو تأمّلنا قليلاً لوجدنا بأنّ الحاكم في النّظام الثيوقراطي لا يأتي منتخبًا إلا من خلال المجمع الإكليركي أو الطّبقة الكهنوتية، ويفترض فيه أنْ يكون موسوماً وسماً إلهيًّا، وأنْ يكون خليفة لله على الأرض. ويحتمل أنْ تكون الثيوقراطية سلطة عليا تحدّ من سيادة الحاكم الزّمني وتجعله خاضعًا لإدارة الرّئيس الدّيني كما يؤكّد على ذلك روبرت ماكيفر[1].

لم ينشأ هذا الواقع الأوروبي من فراغ، بل كانت تغذّيه مجموعة من العوامل ساهمتْ بشكل كبير في تسريع حركة الخروج من الدّين ونشأة مسار العلمنة على حدّ تعبير مارسيل غوشيه، هذا الخروج من الدّين الذي كان يعني بالنّسبة إليه المرور من مجتمع خاضع منظّم بواسطة الدّين إلى مجتمع مستقلّ يستمد من ذاته قانونه[2]. لم تخرج أوروبا من هذا النّفق كما سبق الإشارة إلى ذلك إلا من خلال توفّر عوامل ثلاثة لخّصها هاشم صالح في ما يلي: الأول: الاكتشافات البحرية والجغرافية التي قام بها الإسبان والبرتغاليون والتي أدّت إلى ازدهار الحياة الاقتصادية في أوروبا. الثاني: تطوّر النّزعة الإنسانية humanisme وانتشارها في مختلف أنحاء أوروبا بفضل اختراع آلة الطّباعة. الثالث: الإصلاح الدّيني[3]. ينقل لنا كوينتن سكينر عيوب الكنيسة، فيقول بأنّ لوثر حاكى في هجومه على المفاسد الكنسية مجموعة من المواقف، سبق أنْ شاعت في أوروبا في أواخر القرون الوسطى. فكان تركيزه الرئيسي على عيوب البابوية، مصرّاً على الحاجة إلى العودة إلى سلطة الكتاب المقدّس، وإلى إعادة بناء صورة للكنيسة الرّسولية تكون أبسط وأقلّ دنيوية[4].

في ظلّ هذا الواقع الفكري والثّقافي نشأتْ فكرة السّيادة بوصفها جزءاً من تصوّر هذا العقل الأوروبي لفكرة الدّولة، وضِمن مخاضٍ عرفتْه أوروبا، وعاشت على وقعِه عهودًا طويلة من الاستعصاء التاريخي، والاستبداد السّياسي، والتسلّط الكهنوتي، الذي مهَّد لعصر التنوير أو الاستنارة[5] على حدّ تعبير المسيري، وغيره من الباحثين الذين يتّفقون على أنّ هذا المصطلح هو تعبير عن مرحلة زمنية من التاريخ الأوروبي، سادتْها الفلسفة العقلية، والرؤى العلمية التي حمَلها مجموعة من المفكّرين والفلاسفة، والنّخبة الثّقافية والسياسية حينذاك. وكان هذا هو المدخل الحقيقيّ نحو الحداثة السّياسية بتجلياتها الأربعة: العقلانية، الذاتية، السّيطرة الكونية، التوتاليتارية. أو ما قام به ستراوس في تحليله لموجات الحداثة الثلاث: رفض الغائية، توسط التاريخ بين الواقع والمثال، التاريخانية[6].

لقد أكّد العديد من الباحثين أنّ مفهوم السّيادة هو منتوجُ فقهاء القرن السّادس عشر، وهو صناعة أوروبية بامتياز، ولو أنّه ارتبط بشكلٍ كبير بجون بودان من خلال كتابه "ست كتب في الجمهورية"، إذ دافع فيه عن السّيادة التي كانت تعني بالنسبة إليه "السّلطة المطلقة على سنّ القوانين وإلغائها". ويفهم من الصفة "مطلقة" أنّ هذه السّلطة ليست لها حدود أو قيود، ويفهم من منعة الدائمة أنّ هذه السّلطة ليست محدودة بمدّة معينة. كذلك قال إنّ السيادة لا تنقسم"[7].

إنّ تعريف بودان للسّيادة ليس منفصلًا عن إطاره الزّماني والمكاني. لهذا لا بدّ من استحضار حقبة القرن السّادس عشر، والحالة التي كانت تعيشها مجموعة من الدول. وهنا كان أحد افتراضات فِكْر بودان متمثّلاً في حسّه بالصّعوبة الكبيرة في تأسيس نظامٍ مناسب وانسجام في كلّ دولة، وبضرورة ذلك أيضًا. وهذا لن يتأتّى إلا بحاكمٍ يتمتّع بالسّيادة المطْلًقة، محصّنًا ضدّ أيّ مقاومة قانونية أو غير قانونية، لأنّ الشّخص الذي في يده السّيادة، مطلوب منه أنْ لا يقدِّم حسابًا لأحد سِوى الله[8]. ولقد كشفتْ كتابات بودان عُمْق انحيازه التامّ إلى جانب الحُكْم المطلق، ومناهضته لأشكال المقاومة والمعارضة، إيماناً منه بأنّ القبول بمَلكية قويّة هو السّبيل الوحيد لتحقيق الوحدة والسّلام والأمن.

كانت أفكار ميكيافيلي مصدَراً رئيسيًّا لفكر بودان، ومن أتى بعده كما سنرى لاحقاً. وهو الفيلسوف والسّياسي الإيطالي المثير للجدل، والذي أعطى للعمل السّياسي بُعده اللاأخلاقي. ففي كتابه "الأمير" حاول أنْ يُنظِّر للمواصفات التي يجب أنْ يتمثَّلَها الأمير أو الحاكم. إذ لا يمكن ممارسة الحكم أو السّلطة، إلا بعد التخلِّي عن كلّ القيم الأخلاقية، وتبنِّي القيم النفعية، واتّصاف الأمير بصفات الغشّ والخِداع والغدر، والقسوة. وهي صفات ملازمة لمن يريد أنْ يثبِّت الأمن، ويستديم في مركز القرار، ويبني دولة قويّة على دعائم الوحدة. فالدّولة الضّعيفة هي التي تتميّز بالتشكّك في قراراتها، أمّا الدولة القويّة فتبني قراراتها على الحزم والشدّة. والتّاريخ يؤكِّد بأنّ ما قام به ميكيافيلي، كان متأثّرًا فيه بالواقع التّاريخي الذي عاشته إيطاليا في القرن 16، لكنّه كان متحيِّزًا للسّلطة التي كان جزءاً منها. ولعلّ من يبحث عن صورة الوداعة والبراءة في تنظيرات ميكيافيلي[9]، بالقول بأنّها كانت تهدف إلى الصّالح العامّ، يجد الإجابة لدى كاسيرر الذي اعتبر أنّ أيّ عمل مثل هذا يتعارض مع الحقيقة التّاريخية، ولا يختلف في تعارضه معها عن خرافة الشّيطان ميكيافيلي[10].

2. عصر النهضة العربي ودوافع الإصلاح:

كانت هذه مسوّغات النّهضة ومبرّراتها في أوروبا، وكان الإصلاح الدّيني هو ثمرة هذا الجهد الإنساني. لينتقل بذلك هذا المفهوم إلى الحقل العربي والإسلامي ويصير عنوانًا لحركة ثقافية ودينية وتجديدية. فنقل الأسئلة النهضوية الأوروبية إلى المجال الإسلامي فرض مقاربة تستدعي السياق والتاريخ والعوامل، وتستفيد من الإمكانيات المتاحة ليتحول الواقع العربي إلى واقع أوروبي، ويتحوّل إصلاح الفكر الدّيني المسيحي إلى إصلاح للفكر الدّيني الإسلامي وفق خصوصيات كلّ واقع على حدة. لأنّ النظام الثيوقراطي كما أشرنا سابقًا هو نفسه ما مارسته الدولة العثمانية في فترة حكمها، حيث كان السّلطان خليفة المسلمين وكان الرأس الديني والزمني للدولة. فالإصلاح الديني لم يكن ثمرة لمنطق تطور الدين الداخلي كما يقول أحمد برقاوي "بل المدخل لظاهرة الإصلاح الديني يقوم على النظر إلى هذا الاتجاه بوصفه تجاوزًا لعجز الإيديولوجيا الدينية السائدة عن الاستجابة لمطالب فئات اجتماعية نمت وتطورت في قلب التحولات الطبقية والسياسية والثقافية"[11].

نشأت الحركة الإصلاحية الدينية سواء في المشرق أو المغرب من تحسس القائمين عليها والداعين إليها للانحلال الاجتماعي وانتشار البدع والضلالات في الإسلام والابتعاد عن أصول العقيدة، ناهيك عن الاحتلال العسكري لبعض الأقطار العربية والغزو الذي رافقه وعجز الدّول الإسلامية عن مواجهة التحدّي الخارجي.[12] لقد أثّرت هذه العوامل في روّاد عصر النهضة، وهم يشاهدون التغيير الذي أحدثته حركة الإصلاح الدّيني، وتشكّل الدّولة المدنية في الغرب، وتراجع المدّ الإسلامي، وانسداد الأفق العقلي للمسلمين الذين لم يعد لهم أيّ دور ريادي في عالم متسارع، سوى اجترار الماضي، وإعادة إنتاج القديم احتماءً به من جور الحاضر، وضبابية المستقبل. وبهذا المشروع التنويري حينذاك بدأت معالم تشكّل سؤال النّهضة العربية، والجواب عن إشكالية التراجع والإخفاق كلّ من وجهة نظره.

لم يقف الإصلاح الديني عند هذا الحد، بل تجاوز سؤال النهضة والتخلف ومواكبة التطور العلمي، إلى الإصلاح السياسي بما فيه الجواب عن سؤال السّلطة في الإسلام، وإصلاح نظم الحكم المستبدة التي تعد عاملًا من العوامل المؤثرة حينذاك في الوضعية التي وصل إليها العالم العربي.[13] مثَّل الإصلاح السّياسي رديفًا للإصلاح الدّيني نتيجة عاملين أساسيين: الأول: السّلطة الاستبدادية التي كانت تمثلها الدّولة العثمانية. والثّاني: أنموذج السّلطة الذي أفرزه الإصلاح السياسي بالعالم الغربي. شكَّل هذا العنوان الإصلاحي بدايةً لثورة على مجموعة من المفاهيم المرتبطة بالجانب السياسي، فالبحث في قضية الدولة مثير للجدل، والمجال السياسي يحتاج إلى الكثير من الدراسة لحساسيته من جهة، وأيضًا لتركيبة المجتمع الإسلامي من جهة أخرى. لهذا شغل البحث في طبيعة الدّولة حيّزًا كبيرًا من اهتمامات المفكرين قديمًا وحديثًا. وهنا بدأت المقارنة بين أنظمة الحكم الغربية وما تحتويه من قيم موجودة في الإسلام. فنظام الشورى الإسلامي هو جزءٌ لا يتجزأ من ديمقراطية الغرب من وجهة نظرهم وإن اختلفت الأشكال والأوجه، ولم يخف المصلحون تحمّسهم لهذا الأنموذج. فهذا جمال الدين الأفغاني يقول: "انظروا إلى العالم الغربي ترونه على تقسيماته الحاضرة واستقلال عناصره بمميزاتهم القومية، لما تساووا على الوجه النسبي بالفضيلة وأهمها العلم بالواجبات سواء كانت لهم ومعرفة وجوه المطالبة بها أو عليهم والمسارعة لأدائها انتفى من بين ظهرانيهم أمد التفرد بالسلطة وسوق الأمة على هدى السلطان"[14].

لقد غلب على هذا العصر خطاب النهضة، باعتبارها مجالاً تتبلور فيه كلّ أماني الإنسان العربي وطموحاته، منذ أواخر القرن التّاسع عشر، وبدايات القرن العشرين. فمن حمل لواء النّهضة حينذاك أدرك بواسطة فكر النّهضة، واليقظة العربية، أنّ مشروع النّهضة الحقيقي يبتدئ من التحرّر من سلطة هذا الأجنبي الجاثم على مقدّرات هذه الدّول، وبالوحدة القومية، والتقدّم الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي. لقد ضخّم فعليّاً روّاد النّهضة الأوائل حسب الجابري من دوْر الفكر، فألحّوا على نشر التّعليم والمعرفة، وتعميمهما، ودعوة النّاس إلى استخدام العقل. وهنا نقطة ضعف هذا المشروع "لم يدركوا أو لم يعوا أنّ سلاح النّقد، يجب أنْ يسبقه نقد السّلاح. لقد أغفلوا نقد العقل.[15]".

3. الواقع العربي والصراع بين مدنية الدولة ودينيتها:

لم يكن موضوع الدّولة ترفاً في النقاش الدائر بين مختلف المكوّنات الإسلامية قديمًا وحديثًا. فمنذ التّأسيس للرّعيل الأوّل طرح هذا الموضوع نفسه بحدّة، ليتشكّل من خلاله الجدل القائم إلى حدود اللّحظة، في وجود الدّولة في الإسلام بالمعنى الثيوقراطي، أو التنظير لمدنية الدّولة كما ذهب إلى ذلك مجموعة من الباحثين، الذين رأوا في العديد من النّصوص والوقائع والأحداث ما يبرر وجود بوادر علمانية ناشئة في الإسلام[16]. واستمرّ النّقاش من اللّحظة التي توفي فيها النّبي محمّد، لتتأسّس بذلك أشكال من الدّول بشرعيات مختلفة، تدور غالبيتها حول نقطة "الخلافة"، وهو ما أكّده محمد عمارة نفسه حينما قال بأنّ: "جوهر النظام الإسلامي هو الاستخلاف الإلهي للإنسان"[17]. والخلافة التي يتمسّك بها دعاة الإسلام السّياسي تعني أنّ الدّولة في الإسلام يدير مفاصلها إنسان "خليفة" عن الله في هذه الأرض، يقيم شرعه، ويطبّق حدوده، وينشر دينه بين النّاس، بما تقتضيه هذه الخلافة من مواصفات النِّيابة عن الله في الأرض: "فالإنسان وفْق هذه الرّؤية مأمور بسلوك طريق الحق والخير، الذي يرسمه له الشرّع المقدَّس، والحكومة بدورها مأمورة بتنفيذ ما ورد في الشّريعة المقدّسة من أحكام وقوانين، تكفل للإنسان والمجتمع سعادة الدّارين، وتضمن له مسيرته في خطِّ العدل والحقِّ والتقدّم المادّي والمعنويّ."[18].

إنّ هذه الرّؤية السّابقة التي تحدّث عنها أحمد القبانجي في كتابه السّابق، لم تكن تهويلاً، أو استسهالاً لموضوع شغَل التّفكير السّياسي الشّرعي. فالخلافة حسب هذه المعطيات تتجاوز البشريّ إلى ما هو إلهي، حين يصير الخليفة ناطقاً باسم الله، ومجسِّدًا للإله في ممارساته السّياسية. وهي الفكرة نفسها التي أشار إليها مارسيل غوشيه حينما قال إنّ المُلْك ـ وهو يتحدّث بطبيعة الحال عن تاريخ فرنسا ـ: "هو حشْدٌ من الدّين ذو وجهٍ سياسي... فالسّلطة كانت منزَّلة من عند الآخر، كانت تهبط من فوق، وتفرض نفسها من فوق إرادة البشر. وأعادتها الثّورات الحديثة إلى الأرض - الثّورة الإنجليزية، وبعدها الثّورة الأمريكية، ثمّ الثّورة الفرنسية- ووضعتْها على مستوى الإنسان."[19].

لم تكن إشارة غوشيه سابقاً بعيدة عن ما نرمي إليه، بخلاف ما يمكن أنْ يطرحه اختلاف التّسميات من إشكالات، تبدو لبعضهم بأنّها قياسات مع وجود الفارق. فالمَلِك في القرون الوسطى كان حاكماً مطْلقاً، يستمدّ مشروعيته من تجسيده للإرادة الإلهية. والثّورة الفرنسية نفسُها كان من بين أسبابها هذه المَلَكية المُطلقة.[20]. وقد رأينا دوافع بودان وهوبز وميكيافيلي في التّنظير لمثل هذه المَلَكيات، وهي شكلٌ من أشكال الحُكم الدّيني الذي يستمدّ شرعيته من الحقّ الإلهي مع فارق المرجعيات فقط.

ما يدفعنا إلى تأكيد التّشابه بين الخلافة الإسلامية وبين المَلكِية المطلقة، كما تحدّث عنها لوبون وغوشيه، وهي السُّلطة التي كانت حاكمةً في فرنسا إبّان العصور الوسطى، ما أورده المودودي في تعريفه للخلافة حين قال: "الخلافة الرّاشدة التي ذكرنا خصائصها المميّزة، ومبادئها الأساسية لم تكنْ في الحقيقة حكومة سياسية، وإنّما كانت نيابة تامّة كاملة عن النّبوة."[21]. وما يزيد الأمر تأكيداً وتوضيحاً ما ذكره محمّد رشيد رضا حولها حين قال: "الخلافة، والإمامة العظمى، وإمارة المؤمنين، ثلاث كلمات معناها واحد. وهو رئاسة الحكومة الإسلامية الجامعة لمصالح الدّين والدّنيا."[22].

يتّضح من محورية الخلافة في الفكر السّياسي الإسلامي بأنّ السّيادة في الدّولة الإسلامية مطلقةٌ يمثّلها الخليفة عن الله في الأرض. ولعلّ الفتنة الكبرى أو الأحداث التي وقعت بعد حادثة السّقيفة، هي أحد تجليات البحث عن الروابط بين السّيادة والسّلطة السّياسية. وهذا ما أشار إليه أركون حين بيّن أنّ الصّراع على الهيمنة هو الذي تحكّم باقتناص السّلطة السّياسية وممارستها. وقد قدّمت الدائرة اللاهوتية والقانونية التي رعاها العلماء من رجال الدين، ترسانة كاملة من المفاهيم والمجريات الخاصة بخلْع الشّرعية والمشروعية. وهو ما تفعله الحركات الإسلامية اليوم مع السّلطات والأنظمة القائمة[23]. وأكثر من ذلك فإنّ الإسلام باعتباره دينًا وتطبيقًا تاريخيًّا كان قد وُلد نتيجة النّضال الذي استبدَل بالسّلطات المتبعثرة، والمتنافسة المبنية على اللّعبة الميكانيكية للعصبيات القبلية السّائدة في الجزيرة العربية، سلطة وحيدة مرتكزة على السّيادة العليا للإله الواحد[24].

إنّ غياب حدود الدّولة الإسلامية بشكلٍ تفصيلي في المصادر الأساسية للإسلام، يمكن أنْ يؤدي بنا إلى القول بما يسمّيه بعضهم علمانية الإسلام. حيث ظلّ هذا اللّفظ يشكّل حالة العداء التّاريخي بالنِّسبة إلى الكثيرين في عالمنا العربي، خاصّة أولئك الذّين يرون بأنّ الإسلام دينٌ ودولة، وليس بينهما أيّ انفصال كما يروّج له أصحاب الطّرح العلماني. فحديث تأبير النّخل وغيره يقف معادلاً للقولة الإنجيلية المشهورة "أعطوا لله ما لله، وما لقيصر لقيصر". فهذا الحديث يميِّز بين مستويين من الحياة الإنسانية: الدّنيا والآخرة. فالرّسول بشهادة القرآن كان بشراً، تسرِي عليه كل مقوِّمات الإنسان. وقد أشار سمير حسن إلى أنّ العلمانية secularism في صيغتها الإنجليزية تحمل دليل الحياة الدّنيا ومفهومها، وبها يُحّدد ٱلنّاس للحكومة وجهة أوامرها ومناسكها. فتهتمّ بحياة ٱلفرد منهم وسبيل طعامه وسبيل أمْنه في "ٱلحياة ٱلدّنيا" ولا تأمر ولا تنسك بما يؤثِّر فيما يأمل به فى "ٱلحياة ٱلأخرة".. هذا ٱلمفهوم للكلمة ٱلإنكليزية. هو ممّا جاء بيانه في "ٱلقرآن" بتفريق قوله بين "ٱلحيوٰة ٱلدنيا" و"ٱلحيوٰة ٱلآخِرة". وفي بيانه أنّ ٱلحياتين مسؤولية ٱلفرد. وأنّه ليس لأحد من ٱلناس وكالة عنه أو ولاية عليه. فهو مَن يختار كيف يعيش حياته ٱلدنيا. وأنّ "ٱلحيوٰة ٱلآخرة" مسؤوليته وليس لأحد سلطة عليه.

وبالرّغم من الإشارة القرآنية إلى الحياة الدّنيا مفهومًا موازيًا لكلمة secularism الإنجليزية، إلا أنّ المسلمين لم ينتبهوا لهذا التّحديد، فوضعوا كلمة العلمانية ترجمة للكلمة الإنجليزية، وحتّى من زعم القضاء على الحكم العثماني وتبني secularism، أطلق اسم تركيا على ميديا وكيلكيا والأناضول وعلى السّلطة الجديدة فيها دون مراعاة وجود قوميات أخرى كالكورد والشاميين واليونان والأرمن.

أما طرابيشي فقد ناقش في ما كتبه حول الأنتلجانسيا العربية، المفكِّرَيْن محمّد عابد الجابري، وحسن حنفي، ويصف موقفهما تحديداً من مسألة العلمانية في الوطن العربي بالإضراب عن التّفكير. فالجابري يرى بأنّ العلمانية هي فصلُ الكنيسة عن الدّولة، وبما أنّ الإسلام ليس فيه كنيسة، فالإسلام لا يحتاج إلى عِلمانية، وهو موقفٌ يحمِل مجموعة من المغالطات حسب طرابيشي. فلئنْ كان الإسلام خالياً من الكنيسة وهرَمية الكهنوت فيها، فإنّ فيه سلطة دينية ممثَّلة في رجال الدين، الذين يقومون بالوظيفة نفسها "إذن ليس في الإسلام كنيسة، ولا كهنوت. ولكنْ فيه سلطة دينية"[25]. إنّ الاقتراح الذي جاء به الجابري للخروج من تناقضاته الفكرية حسب طرابيشي، هو استبدال كلمة العلمانية، بالعقلانية والدّيمقراطية، لتعبيرهما الدّقيق عن حاجة المجتمع العربي حالياً، وهي مقولة شاهدة على ما سمّاه طرابيشي بحالة الإضراب عن التّفكير:

- النصّ بدَلاً من التّفكير يمارس ضرباً من لعبة الاستغماية.

- النصُّ بدلاً من التّفكير يمارس ضرباً من تحريم التفكير.

- النصُّ بدلاً من التّفكير يمارس ضرباً من التّناقض في التّفكير.

- النصُّ بدلاً من التّفكير يمارس ضرباً من العزل، والتقطيع للمفاهيم.

بعد الانتهاء من تعرية فكرة الجابري، القاضية بعدم حاجة العالم العربي إلى العلمانية، ينتقل طرابيشي إلى مناقشة أحد رموز الفكر العربي ألا وهو حسن حنفي، ويتّهمه أيضاً باستعمال مبدأ المنشار بديلاً عن التّفكير. فهو (حسن حنفي) أيضاً يقول بأنّ الإسلام لا يحتاج إلى علمانية غربية. لقد كانت هذه الدّعوة مبنية على أنّ العلمانية منتوجٌ غربيٌّ، إضافة إلى أنّها كانت صناعة مسيحية، على اعتبار أنّ من حمَل لواءها، والدعوة إليها همْ مجموعة من المسيحيين العرب. وهو ما يحمِل حسب طرابيشي مجموعة من المغالطات:

- وجود عدد كبير من الدّعاة إلى العلمانية من المسيحيين، لا يجعلها صناعة مسيحية خالصة، وإلاّ فالكثيرون من المسلمين دعوا إليها أيضاً كالكواكبي، وقاسم أمين، ورفاعة الطّهطاوي، وعلي عبد الرّازق، وغيرهم.

- بالرّغم من أنّ وجود مسيحيين عرب كانوا من دعاة الانفصال عن الإمبراطورية العثمانية، فقد وجد أيضاً من يدعو إلى الاتّصال بها كبطرس البستاني، وسليم البستاني.

- إذا كان الغرب سبباً كافياً في الرفض، فلماذا لا تُرْفض الدّيمقراطية والعقلانية، وكذلك مفاهيم اليسار، والقومية، واليمين، وغيرها.

- ربْط المسألة العلمانية بالوضع الدّيني للأقلّية المسيحية، يتجاهل القيمة الأساسية للعلمانية، وهي فاعليتُها على مستوى العلاقات بين الأديان، والطوائف، وغير ذلك.[26]


[1]- ماكيفر، روبرت. (1984). تكوين الدولة. (ط2). دار العلم للملايين. ص 193.

[2]- غوشيه، مارسيل. المعتقدات الدينية والمعقدات السياسية. دراسة منشورة على موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود. ترجمة منوبي غباش. ص 3.

http://www.mominoun.com//articles/المعتقدات-الدينية-والمعتقدات-السياسية-3440

وانظر أيضا، غوشيه، مارسيل. (2007). الدين في الديمقراطية مسار العلمنة. ترجمة وتقديم شفيق محسن. مراجعة بسام بركة. (ط1). المنظمة العربية للترجمة. ص 27.

[3]- هاشم، صالح. (2005). مدخل للتنوير الأوروبي. (ط1). بيروت. دار الطليعة. ص 69.

[4]- كوينتن، سكينر. (2012). أسس الفكر السياسي الحديث/ الجزء الثاني: عصر الإصلاح الديني. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. (ط1). لبنان. بيروت. المنظمة العربية للترجمة. ص 51.

[5]- انظر: المسيري، عبد الوهاب. (1998). فكر الاستنارة وتناقضاته. (ط1). دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع. ص 9.

هاشم، صالح. (2005). مدخل للتنوير الأوروبي. (ط1). بيروت. دار الطليعة. ص 138.

[6]- شايغان، داريوش. (1993). أوهام الهوية. (ط1). دار الساقي. ص 117.

[7]- بدوي، عبد الرحمن. (1996). فلسفة القانون والسياسة هند هيجل. (ط1). المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ص 162.

[8]- كوينتن، سكينر. (2012). أسس الفكر السياسي الحديث/ الجزء الثاني: عصر الإصلاح الديني. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. (ط1). لبنان. بيروت. المنظمة العربية للترجمة. ص 474.

[9]- انظر ما كتبه حول الموضوع وقراءة المتن الميكيافيلي: الطيب، بوعزة. (2009). نقد الليبرالية. (ط1). مجلة البيان (1430). ص 33 وما بعدها.

[10]- كاسيرر، إرنست. (1975). الدولة والأسطورة. ترجمة أحمد حمدي محمود، مراجعة أحمد خاكي. الهيئة المصرية للكتاب. ص 196.

لمعرفة المزيد عن ميكيافيلي يرجى الرجوع إلى: روس، كينج. (2008). ميكيافيللي فيلسوف السلطة. ترجمة فايقة جرجس، مراجعة مجدي عبد الواحد عنبة. (ط1). كلمات عربية للترجمة والنشر.

كذلك: القمودي، سالم. (1999). سيكولوجية السلطة: بحث في الخصائص النفسية المشتركة للسلطة. (ط1). مكتبة مدبولي. ص 11.

[11]- برقاوي، أحمد. (1999). محاولة في قراءة عصر النهضة (الإصلاح الديني/ النزعة القومية). (ط2). دمشق. الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع. ص 60

[12]- المحافظة، علي. الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة. (1798/1914): الاتجاهات السياسية والدينية والاجتماعية والعلمية. الأهلية للنشر والتوزيع. ص 70

[13]- محاولة في قراءة عصر النهضة ص 68

[14]- المرجع السابق. ص 67.

[15]- المرجع نفسه. ص 9.

[16]- انظر مثلا: طرابيشي، جورج. المرجع السابق. ص 22.

[17]- عماره، محمد. (1998). هل الإسلام هو الحل: لماذا وكيف؟. (ط2). دار الشروق. ص 67.

[18]- القبانجي. أحمد. الإسلام المدني. ثقافة إسلامية معاصرة (7). ص 18. ملف pdf.

[19]- غوشيه، مارسيل. (2007). الدين في الديمقراطية مسار العلمنة. ترجمة وتقديم شفيق محسن. مراجعة بسام بركة. (ط1). المنظمة العربية للترجمة. ص 28.

[20]- لوبون، غوستاف. روح الثورات والثورة الفرنسية. ترجمة عادل زعيتر. كلمات عربية للترجمة والنشر. ص 136.

[21]- المودودي، أبو الأعلى. (1978). الخلافة والملك. تعريب أحمد إدريس. (ط1). دار القلم. ص 63.

[22]- رضا، محمد رشيد. (1988). الخــــلافــــة. الزهراء للإعلام العربي. القاهرة. ص 17. وانظر المزيد في:

نوار، صلاح الدين محمد. (1996). نظرية الخلافة أو الإمامة وتطورها السياسي والديني: دراسة تحليلية ونقدية مقارنة. منشأة المعارف بالإسكندرية. ص 11.

البهنساوي، سليم. الخلافة والخلفاء بين الشورى والديمقراطية. الزهراء للإعلام العربي. ص 57.

[23]- أركون، محمد. الفكر الإسلامي نقد واجتهاد. ترجمة هاشم صالح. المؤسسة الوطنية للكتاب. ص 134.

[24]- أركون، محمد. (1996). تاريخية الفكر العربي. ترجمة هاشم صالح. (ط2). ص 166.

[25]- المرجع نفسه. ص 67.

[26]- المرجع نفسه. ص 76 وما بعدها.