Menu
حضارة

بحيرة الدم

تفجير الكرادة

الكرادة"، "المنيا"،" حمص"، "دمشق"، تتوالى التفجيرات ويواصل رسل الموت حصد ارواح ابناء مدننا وبلداتنا، على كامل امتداد الجرح العربي المفتوح، مع الوقت شيئا فشيئا بتنا نعي الشكل المكرر لهذه المجازر، والتشابه في ادوات تنفيذها، ولكننا فعلا لا زلنا نعجز عن معرفة اسبابها حتى وإن ادعينا العكس.

ننسب هذه المجازر الى تأثر منفذيها بالدعاية الدينية التكفيرية، ونتجاهل أن هذا الفكر التكفيري ذاته يثمر خضوع كامل وتخلي عن التمرد في بقاع عربية بعينها نبت منها هذا الفكر، فيما يمطر على الهلال الخصيب وحواضره موت ودمار، ونتجاهل ايضا ان هذه الدعوى بكل علاتها اقدم من هذا الاشتباك، وان كانت اثمرت تطرف وقمع سابق لكنها لم تصل بنا لكل هذا التشظي الانتحاري.

هذه ليست تبرئة للفكر التكفيري من مساهمته في هذه الجرائم، ولكن الأمر فعلا بات يتجاوز الحدود المعروفة عن استخدام نظم الخليج هذا الخطاب الطائفي لتجنيد بعض المجموعات واستخدامها ضد هذا البلد العربي او ذاك، او الاستفادة منها لتحصيل مكسب وحضور سياسي هنا او هناك، هناك قفزة حقيقية الى رغبة بتدمير كامل للمجتمعات العربية، واستخدام واسع النطاق لعمليات القتل تستهدف، البنى الاجتماعية الاكثر حساسية في كل بلد.

في العراق يجري استهداف الشيعة، بهذه التفجيرات وعلى نحو واضح، بل ويجري استفزازهم الى اقصى حد ممكن حين تضرب مزاراتهم الدينية، ثم تجمعات للعائلات في مساء رمضان امام محل للبوظة، هذه جريمة لا تهدف للقتل فحسب بل تهدف لدفع الناس للجنون والرد بشكل هستيري مماثل، وفي مصر ينال الاقباط امر مماثل فتستهدف الكنائس والاحتفالات الدينية، ومن ثم باص ينقل حجاج اقباط جرى اعدامهم بابشع الطرق، في استكمال لجرائم تهجيرهم من سيناء ومساعي تطييف الاقباط واخراجهم من مصريتهم.

هذه الخيارات في الاهداف بالنسبة للمنفذين لا تأتي لمواجهة خصوم سياسيين، او حتى خصوم عقائديين، فليس من المعقول ان الخصم العقائدي المفضل يتحول باختلاف البلد، لكن الواضح أن تكييف المقولات العقائدية التحريضية يتم حسب البلد، وحسب الأهداف الإجرامية المتوخاة في هذا البلد او ذاك.

الامر من حيث دوافعه وتداعياته ونمط العمليات المعبرة عنه، يتجاوز الهوس الطائفي التكفيري، ويصل لإعطاء اشارات واضحة تؤكد على بعد مخطط ومدروس لهذه العمليات يهدف فعليا تفتيت مقومات التماسك المتبقية للدولة والمجتمع في العالم العربي، عبر الضرب على مفاصل محددة وحساسة في هذه المجتمعات.

الهدف من هذا كله يتجاوز طموحات وأفكار وأحلام، فتيان الجماعات التكفيرية وشيوخهم، ويتماثل اكثر مع اهداف المنظومة الامبريالية وطموحاتها القديمة في المنطقة.

رغم إدعاء البعض بعدم معرفة ما يجري بشكل كامل، لكن ما يتفق عليه كل عاقل هو ضرورة مواجهة مشروع تحويلنا لبحيرة دماء ومستنقع موت، وهذه المواجهة تبدأ بجهود تلك القوى الحية والممثلة للارادة الشعبية العربية، وعبر مشروع صمود عربي يقر بمركزية الصراع حول فلسطين والصراع مع المنظومة الامبريالية وهيمنتها، وبحق الشعوب في حياة حرة وكريمة في ظل المواطنة والمساواة والعدل.