على مدار الساعة
أخبار » العدو

ما وراء جريمة كفر قاسم: ذاكرة للموت الفلسطيني

07 أيلول / يونيو 2017
شهيد كفر قاسم: محمد محمود طه
شهيد كفر قاسم: محمد محمود طه

بوابة الهدف/ أحمد.م.جابر

في أجواء من الحزن والغضب تم في كفر قاسم المحتلة مساء اليوم تشييع الشهيد محمد محمود طه الذي أطلق عليه شرطي احتلالي رصاصتين في الصدر وثالثة في الرأس بدم بارد.

"شعرت بتهديد على حياتي" هذا ماقاله الشرطي الاحتلالي، وتلك لازمة معتادة في عمليات القتل التي ترتكبها الشرطة والجيش الصهيوني للفلسطينيين، "كان يشكل تهديدا ارهابيا" أليس هذا ماقاله وزير الداخلية الصهيوني جلعاد أردان عن الشهيد يعقوب أبو القيعان. وهاهي المؤسسة الاحتلالية تعود لنفس السلوك الكريه والعنصري وعلى لسان أردان نفسه الذي يرفض أي انتقاد لسلوك الشرطة الاجرامي باعتبار هذا النقد يشجع على العنف.

لكن أي عنف؟ لايمكن مشاهدة جندي مسلح واحد في مظاهرة لليهود ولو ضمت عشرات الآلاف، لايمكن التفكير بضرب، مجرد ضرب مستوطن في مسيرة للمستوطنين تحاصر منزل مسؤول صهيوني كبير وتحرق وتخرب الاماكن العامة، لايمكن رفع السلاح في وجه عصابات تدفيع الثمن الارهابية،  ولكن الاصبع القاتلة تكون خفيفة على الزناد عندما يتعلق الأمر بعربي.

فجأة عادت كفر قاسم إلى السمع والبصر، لتكون كل السمع والبصر، منذ المجزرة الرهيبة عام 1956، الفلسطينيون طبعا لم ينسوا كفر قاسم، والسلوك الذي ارتكبته الشرطة الصهيونية بالأمس باغتيال الشهيد الشاب محمد طه ليس أقل من المجزرة. هل سيعاقبون القاتل بـ "قرش شندي"؟ لكن قرش شندي كان غرمة لقتلة غير مهددين، فما هو الحل مع الشرطي الاحتلالي الذي يقول أن حياته كانت مهددة؟ هل سيغرمون القتيل؟لم تتوقف شرطة العدو أبدا عن اعتبار  المواطنين الفلسطينيين في "إسرائيل" كـ "العدو"، لذلك فاطلاق النار المميت هو القاعدة وليس الاستثناء.

منذ بداية هذا العام لقي أكثر  من 30 مواطنا فلسطينيا مصرعهم فى حوادث عنف منذ بداية العام، لقى معظمهم مصرعهم بالرصاص. وشهدت المدن العربية والمختلطة في جميع أنحاء البلاد، على مدى الأسابيع القليلة الماضية، احتجاجات ضد عدم فعالية الشرطة ضد تزايد العنف ومعدل القتل في المجتمع. وناشد القادة والمواطنون العاديون ما لا نهاية للشرطة ان تبدأ بشكل ملائم فى معالجة الجريمة المنظمة وحواجز الاسلحة التى تهدد المجتمع الفلسطيني. لكن العنف ليس وليد نفسه بل يتم تغذيته باستمرار من السلطة المحتلة وأجهزتها، التي تستفر جيشها كله لملاحقة سكين مقاوم وتعجز عن ضبط أسلحة العصابات والقتلة الجنائيين بل تغض البصر عنهم مادامت الجرائم محصورة داخل المجتمع العربي ولاتعكر صفو اليهود.

الفلسطينيون بدورهم يدركون تماما أن الشرطة الصهيونية لاتستحق ثقتهم، وطالما عاملتهم كعدو وكمواطنين من الدرجة الثاني، وطالما الفلسطيني مشتبه به في كل حادث، حتى لو كانت كل الأدلة تشير إلى مجرم يهودي. عدم الثقة له تاريخ طويل: لو نظرنا إلى قتل 48 مواطنا فلسطينيا في الكيان منذ عام 2000، وفقا لمركز مساواة، وحادث ليلة أمس  فى كفر قاسم جاء بعد أقل من ستة اشهر من جريمة أم الحيران واغيتال الشهيد المربي يعقوب أبو القيعان.

المزيد من القصص وذاكرة الموت:

تعول المؤسسة الحاكمة على جهاز الشرطة الصهيوني بشكل كبير في قمع وضبط واستمرارية الرعب في الأقلية العربية داخل فلسطين المحتلة عام 1948،  وليس غريبا أن المجلس الإسرائيلي للأمن القومي أوصى بتغيير قانون الخدمة الأمنية بحيث يتم  الاعتراف رسميا بالشرطة كجسم يعمل في المجال الأمني وليس فقط في مهمات الشرطة الكلاسيكية مما يعني أن الشباب في جيل الخدمة العسكرية بامكانهم التجند للشرطة والعمل في مختلف الوظائف فيها.وتظهر هذه التوصية في الوثيقة التي يعدها مجلس الأمن القومي بالتعاون مع شعبة التخطيط في الجيش والشرطة.

بدون أدنى شك إن نقل الشرطة من مجال الخدمة المدنية للمجتمع إلى مجال العسكرة يمثل خطوة أساسية في الانتقال إلى نظام القمع العسكري الصارم، يعزز هذا المهمات المنوطة بهذا الجهاز وهي مشاركة الجيش في مهمات أمنية جارية، ومكافحة الإرهاب وإحباط عمليات.

فيما يلي نذكر بأمثلة مباشرة على عنف الشرطة الصهيوينة  وكيف أن هذا العنف هو ممأسس وبنيوي وليس مجرد شطحات عابرة، وطبعا يجب أن يتذكر القارئ دائما إن ما يدرس هنا ليس سجلا رصديا وإنما هو نموذج للتحليل لا أكثر لأن الرصد والتوثيق ليس من مهمات هذا المقال من جهة ولأن العملية تحتاج إلى مجلدات ضخمة لرصدها.

دعهم يختنقون:

تستمر المعاملة العنيفة التي يلاقيها أبناء الأقلية الفلسطينية من قبل أجهزة الأمن في مجالات مختلفة وتعتبر تنفيذ أوامر هدم البيوت أحد خطوط المواجهة بين الشرطة والأقلية الفلسطينية. فالشرطة التي يفترض أنها جهاز مدني تتعامل مع المواطنين الفلسطينيين كأعداء يمكن التعامل معهم فقط من خلال استعمال العنف المفرط.

لقد جاءت الاعترافات حول هذه المسألة حتى من القضاء الصهيوني، فاثر أحداث أكتوبر عام 2000 أكد رئيس لجنة التحقيق القاضي أور«على الشرطة أن تدرك أن الوسط العربي في إسرائيل ليس عدوا ولا يجب التعامل معه بهذا الشكل»

ولكن جهاز الشرطة لم يتغير أبدا وبقي على حاله لأن هذا وضع بنيوي بالنسبة له، في قرية البعنة وفي إطار تنفيذ أوامر هدم في 15 شباط 2004، سمحت الشرطة لنفسها بإعلان جزء من القرية (منطقة محظورة) مما أعطى ضباطها التبرير لاستعمال العنف والقسوة ضد كل من تواجد في هذه المنطقة بغض النظر عن أي اعتبار لسبب وجوده هناك.

وقد اقتحمت الشرطة منزل عائلة تيتي ولم يكن له علاقة بأوامر الهدم واعتدت على الرجال والنساء (الذين يفترض أنهم مواطنون إسرائيليون) أمام أطفال العائلة، كما تعرض وفد من مندوبي المجلس البلدي بينهم رئيس البلدية للرش بالمياه الصفراء المستعملة للسيطرة على المتظاهرين عندما حاولوا التوجه لقيادة الشرطة بهدف تخفيف التوتر وتهدئة الأوضاع، وقد تعرض اثنان على الأقل من أعضاء هذا الوفد للضرب المبرح من الشرطة دون أي مبرر يذكر.

كما حاصرت الشرطة حضانة للأطفال وأطلقت قنابل الغاز حولها مما عرض الأطفال للهلع الشديد ومشاكل التنفس وحين حاولت فاطمة صالح بكري مديرة الحضانة التحدث مع الشرطة لإخبارهم أن الأطفال قد اختنقوا في الداخل كان جواب أحدهم «دعهم يختنقون»وعندما استمرت محاولتها لإقناعهم صوب شرطي بندقية إلى وجهها مباشرة وقال «يا مخربون، سوف نهدم لكم كل بيوتكم».

إن طبيعة العملية وإعلان (المنطقة المحظورة) يشير بوضوح إلى تخطيط محكم ومسبق ومرتبط بأعلى المستويات القيادية والتصرف العدائي من قبل الشرطة لم يكن تصرفا فرديا أو محض صدفة بل نتيجة لسياسة مؤسسية واضحة. وقد اتضح انه قبل تنفيذ الهدم وأثناءه وبعده استعملت الشرطة بدون أن تتعرض لأي خطر يذكر العنف الجسدي المفرط تجاه الناس الذين تواجدوا في المنطقة المحظورة. وقد كشفت لجنة أور عن وجود ثقافة عنصرية مؤسسة داخل قوات الشرطة وقالت أن ذلك ساهم أيضا في أحداث أكتوبر.

حادثة كفر قاسم (أيلول 2003)

يوم 11/9/2003 دخل جنود حرس الحدود إلى قرية كفر قاسم وتوجهوا إلى كراج تصليح سيارات حيث كان ثلاثة عمال عرب يستعدون لإغلاق الكراج، وادعوا إنهم يبحثون عن تراكتورون (جرار صغير) مسروق، وعندما باءت جهودهم بالعثور عليه بالفشل قاموا بالاعتداء على العمال وعندا فر هؤلاء من المكان طاردهم أفراد الشرطة وأطلقوا عليهم الرصاص الحي، وعندما وصل والد أحد العمال إلى الكراج وحاول الدفاع عن ابنه أطلقوا الرصاص وأصابوه في قدمه.

حادثة عماد سليمان وسعيد أبو خيال (تشرين ثاني 2003)

صادف وجود مواطنان عربيان يوم 3/11/2003 من الناصرة عندما خرجا من مسجد حسن بك في يافا بعد صلاة العصر، فألقي مفك على سيارتهما، التي كانت عالقة في زحمة السير، وعندما حاول السائق معرفة الأداة الملقاة فوجئ بقدوم شخص تبين انه شرطي وقام بضرب السيارة وشتمهما، وعندما حاول السائق الاتصال بالشرطة لتقديم شكوى حضرت عدة سيارات شرطة واعتقلت الشابين ومنذ اعتقالهما وحتى إطلاق سراحهما مرا بسلسلة من الضرب والتنكيل والشتائم ادعت الشرطة أن شخصا حاول سرقة سيارة ورمى المفك باتجاه المواطنين فظنت الشرطة أنهما يساعدانه ولم يطلق سراحهما إلا بعد اعتراف السارق أنهما ليسا معه لكن ليس قبل تهديدهما بالقتل اذا حاولا تقديم شكوى ضد الشرطة.

حادثة إياد حرب:

في 12/5/2004 كان مواطنان عربيان يعملان في راديو إسرائيل باللغة العربية يسيران في شارع يافا بالقدس وعند مرورهما قرب محطة الباصات قام أحد رجال أمن المواصلات بالاعتداء على إياد بالضرب وهرع رجال أمن آخرون لمساعدة زميلهم لم يكن هناك من سبب مباشر للاعتداء إلا أنهما كانا يتحدثان العربية فيما بينهما.

تذكر هذه الحوادث بقوة بأحداث أكتوبر 2000 التي انتهت بالنتيجة المأساوية المتمثلة بقتل 13 مواطنا عربيا فلسطينيا بسبب الرد العنيف من قبل الشرطة على المظاهرات والاحتجاجات التي جاء التعبير عنها باستخدام مفرط للقوة بما في ذلك استعمال الرصاص الحي من قبل الشرطة، لم يكن هناك صدامات بين قوتين مسلحتين بل استعمال مفرط للقوة من قبل الشرطة بهدف قمع مظاهرات واحتجاجات مدنية وشرعية.

لقد سجلت لجنة أور إنه «يجب العمل على اقتلاع ظاهرة الآراء المسبقة والسلبية التي وجدت لدى كبار ضباط الشرطة القدامى تجاه الوسط العربي» وأضافت اللجنة أن العنف المفرط «ينبع في حالات معينة كنتيجة للآراء المسبقة الشائعة بين أوساط في المجتمع الإسرائيلي» وتضيف لجنة أور أيضا «لجوهر الأمور تعتقد اللجنة أنه يجب التوضيح بشكل قاطع أن إطلاق الرصاص الحي بما فيه إطلاق النار بواسطة قناصة، ليس وسيلة بيد الشرطة لتفريق التجمهرات» وأيضا «في حالات كثيرة تميل الشرطة إلى الرد على تحرشات تخلو من طابع التهديد بقوة قد تكون قاتلة وعليها (الشرطة) أن تعمل بشكل مكثف من أجل القضاء على هذه الميول»

من هنا ليس صعبا الاستنتاج انه في مجمل الحوادث «دعهم يختنقون» و «يا مخربون سنهدم لكم كل بيوتكم»كما في البعنة أو «عربي مجرم» كما في حادثة عماد سليمان وسعيد أبو خيال تكشف النظرة العنصرية للشرطة التي ترى في المواطنين العرب الفلسطينيين مجرمين محتملين. وكذلك عبارات مثل «عربي نتن» و«عربي قذر»  في حاثة عماد سليمان وسعيد أبو خيال.

ويجدر التنبه إلى أنه في كل الحوادث بما فيها التي لم تسجل هنا لم يكن هناك أي مبرر لاستعمال العنف الجسدي ولم يكن هناك أية خطورة تبرر استعمال العنف من قبل رجال الشرطة.

يضاف إلى ذلك أنه في كل الحوادث علم رجال الشرطة أن الحديث يدور عن مواطنين عرب  فلسطينيين بما يعزز الاستنتاج بأن الدافع الأساسي لعنف الشرطة هو انتماء الضحايا العرقي. وقد تحدثت وسائل الإعلام عن 16 حادثا إضافيا منذ أحداث أكتوبر قتل فيها مواطنون عرب فلسطينيون على أيدي الشرطة وفي الفترة ذاتها لم يشر ولو لحادث واحد قتل فيه يهود على أيدي الشرطة.

إن النظرة والمعاملة العنصرية من قبل قوات الشرطة ضد الأقلية العربية لا يميز الشرطة العادية فقط وإنما يميزان توجه مؤسسات وأجسام الشرطة المختلفة، كلها، مثل حرس الحدود (حادثة كفر قاسم) والوحدات الخاصة (حادثة عماد سليمان وسعيد أبو خيال) وشرطة المواصلات العامة (حادثة إياد حرب).

طبعا رجال الشرطة لا يقدمون إلى المحاكم رغم تصرفاتهم العنيفة ورغم أن الضحايا قدموا شكاوى إلا أن الملفات أغلقت على غرار قرار وحدة التحقيق داخل الشرطة (ماحش) بعدم توجيه أي اتهامات في أحداث أكتوبر 2000.

إن إغلاق ملفات الشكاوى من قبل الهيئات العليا، يعطي رجال الشرطة الشرعية لاستعمال العنف ضد المواطنين العرب ويجذر عميقا النظرة العنصرية تجاه الأقلية العربية الفلسطينية.

ولدى مناقشة موضوع عنف الشرطة في لجنة الداخلية البرلمانية في الكنيست في جلسة 8/9/2004 تقدمت النائبة في قسم التحقيق مع أفراد الشرطة من وزارة القضاء هيلة برون-أولمن(483) معطيات تقول انه خلال عام 2003 قدمت 6 آلاف شكوى ضد رجال الشرطة حول قضايا تتعلق بالعنف تم التحقيق بـ 1531 شكوى منها، ومن بين هذه التي تم التحقيق فيها قدمت لوائح اتهام جنائية ضد 58 شرطيا فقط وقدم 119 شرطيا لمحاكمة تأديبية.

أخيرا

في النظام الفاشي الصهيوني  رغم أن العنف جزء من بنية إلا أنه يتمظهر منفلتا من كل عقال، وهكذا بناء على تحليل أرندت فان «العنف مهما كانت درجة الرقابة التي يخضع لها فانه يتمتع بدرجة معينة من الانفلات عن رقابة وسيطرة من يمارسونه، والواقع أن رقابة كلية مستحيلة» حتى انه يفاجئ هؤلاء الذين يخططون له ويديرونه ويمارسونه، مما يدفعهم لمحاولة يائسة لضبطه، عبر أطر قانونية غاية في الإحكام، ولكنها خاوية مضموناً وتفتقر كليا إلى ضمير العدالة فيحول تحقيقاتها ومحاكماتها إلى مهزلة كما هو وضع المحاكمات الإسرائيلية الشكلية للقتلة ومرتكبي المجازر من مستوطنين وجنود وضباط هذه المحاكمات تنتهي عادة إلى استخلاص يكاد يكون واضحا في جميع الحالات مفاده أن مرتكبي المجازر إما مجانين أو يعانون من اضطرابات نفسية، ما لم تقله هذه الاستخلاصات هو لماذا ينصب جنون هؤلاء ولا تتفجر نوباتهم الهستيرية إلا ضد المواطنين الفلسطينيين؟! لأن قتل الفلسطينيين ببساطة هو جزء من الأيدلوجية التي تحكم مواطني الدولة الصهيونية بما فيهم المجانين، الذين يعرفون تماما أن «العربي الجيد هو العربي الميت».

يقول سارتر في المقدمة التي كتبها لفرانز فانون «أن قتل أوربي عمل هو عبارة عن إصابة عصفورين بحجر واحد، حيث أن الأمر يسفر عن إزاحة مضطهد (بكسر الهاء) ومضطهد (بفتحها) في الوقت عينه حيث يتبقى لدينا رجل حر ومستعمر ميت» في الحقيقة نستطيع صياغة الكلمات السابقة بلغة أقرب ففي الأيدلوجيا الصهيونية «قتل عربي عمل هو عبارة عن إصابة عصفورين بحجر واحد، إزالة (غوييم) وتكريس صهيوني حق، فما يتبقى لدينا هو (غوييم ) ميت وصهيوني حر».

متعلقات
انشر عبر