Menu
حضارة

اضراب الكرامة الانجازات المتحققة والمهام المستقبلية

د . عابد الزريعي

اضراب الكرامة الانجازات المتحققة والمهام المستقبلية

تقديم :

          منذ لحظة تعليق الأسرى في سجون الاحتلال اضرابهم المفتوح عن الطعام الذي امتد من 17 ابريل وحتى يوم 28 مايو 2017. ادركت الجماهير الفلسطينية والعربية بحسها العفوي ان انتصارا كبيرا قد تحقق. كان يكفيها ان يقف ثلة من ابناء الشعب الفلسطيني المكبلين بالقيود ليقولوا وعلى مدى واحد وأربعين يوما لا لإسرائيل وهي في عز نشوتها بالاختراقات التي تحققها والانهيارات التي الحادثة في الواقع العربي من حولها. ليقولوا ان قرار الاضراب في حد ذاته يمثل انتصارا تتضاعف معانيه  في كل ساعة وكل يوم يمضي فيه الى الامام. لكن هذا الالتقاط العفوي لم يمنع او يحمي من ضباب الفهم او التشكيك في مستوى النتائج. سواء كان الأمر بسبب خلل في القراءة ناتج عن حصر الرؤية في حدود عوامل الكبح التي وضعت في طريق الاضراب منذ البداية، لتصل الى نتيجة من نوع "إن المتابع لمخرجات الإضراب يدرك بوضوح أن التفافا حصل على قيادة الإضراب وأن النتائج لم تكن بحجم التضحية ". او كان الامر يندرج في سياق العمل على اجهاض النتائج بعد الفشل في اجهاض الاضراب عند نقطة زمنية محدودة وقصيرة، من منطلق الوعي بان الاضراب في حد ذاته شكل انجازا. وهنا تطل ماكينة الدعاية الاسرائيلية برأسها وتأخذ في الترويج لنفي صادر عن مصلحة السجون بان اتفاقا لم يعقد. وان المضربين خرجوا من المعركة بعد وصولهم الى حائط مسدود. وان الحديث عن مفاوضات طويلة بين قيادة الاضراب وإدارة السجون في سجن شكيم / عسقلان منذ يوم الجمعة الساعة الثالثة وحتى صباح السبت مجرد اوهام.

          ان القراءة الموضوعية لإضراب الكرامة بأيامه الواحدة والأربعين لا يمكن الاقدام عليها من ارضية فصله عن اللحظة التي تم فيها، والتي تتجاوز كثيرا الحافز المباشر متمثلا فيما يدور داخل المعتقلات الاسرائيلية. لتشمل الواقع الفلسطيني والعربي بكل عناصر الاحباط التي يتوفران عليها. للوصول الى نتيجة مفادها : ان الأسرى الفلسطينيين في اقدامهم على هذه الخطوة في اللحظة الراهنة كانوا يفتحون  ثغرة في الجدار الحديدي بقبضات عارية. وبمعنى ادق كان القرار في حد ذاته نتيجة وانتصارا وهذا بالضبط ما فهمته الجماهير بحسها العفوي الصافي على عكس كثير من التحليلات. على ضوء ذلك فان القراءة الموضوعية تستدعي التوقف امام خمسة مستويات هي : 1 ـــ مستوى العوامل الدافعة والكابحة. 2 ـــ  المستوى المتعلق بتحقيق المطالب. 3 ــ  المستوى المتعلق بالحركة الوطنية الاسيرة. 4 ــ المستوى المتعلق بالتأثير في المحيط الخارجي. 5 ــ المستوى المتعلق بالدلالات الناتجة والمهام المستقبلية.

أولا : مستوى العوامل الدافعة والكابحة : لقد تحرك الاضراب ومنذ اللحظة الأولى وسط حزمتين من العوامل الايجابية والسلبية.  الاولى تدفع به الى الامام بينما تدفعه الثانية الى الوارء وتعمل على اجهاضه في المهد.

أولا : عوامل الدفع الايجابي :  

1 ــ العامل الايجابي الاساسي. والمتمثل في الارادة الصلبة الموحدة للأسرى واستعدادهم لخوض معركة الاضراب والتضحية من اجل تحقيق مطالبهم المستندة لقوة وشرعية القانون الدولي الانساني.

2 ــ العامل الايجابي الوسيط. والمتمثل في سرعة الاستجابة على مستوى الشارع الفلسطيني الذي وفر الحاضنة الشعبية للإضراب التي لعبت فيها  عائلات الاسرى والنساء والأسرى القدامى دورا هاما ورئيسا. تنوع الضغط والدعم الشعبي للأسري من مظاهرات تأييد على الأراضي الفلسطينية الى اشتباك مع قوات الاحتلال في خطوط التماس إلى حملات عبر الأثير الإلكتروني. بما قاد الى تشكيل اطار شعبي جماهيري متجاوز للانقسام ولحالة التردد والارتباك التي سادت في اوساط السلطة الفلسطينية.

3 ــ العامل المحيط العام . والذي شكل بدوره نوعا من الاستجابة التلاحم بين العامل الاساسي والعامل الوسيط، في شكل " دعم وإسناد القوى الشعبية العربية على امتداد الوطني العربي وأحرار العالم من قوى ومنظمات شعبية ولجان التضامن وبرلمانيون وتفرعات الحركة الشعبية المناهضة للعولمة، ولجان المقاطعة الدولية BDS." كما وصفه احمد سعدات

ثانيا : عوامل الكبح السلبية : والتي تتلخص في ثلاثة :

1 ـــ اللحظة السياسية المحيطة على المستوى الفلسطيني والعربي. التي تميزت بالارتباك والتراخي. وحالة الوهن المترافقة مع تمزق عام . وفي ظل زحف سياسة وعقلية التطبيع بشكل مريع. ودخول عديد الانظمة العربية على خط التآمر المكشوف على القضية الفلسطينية.

2 ـــ القلق الرسمي الفلسطيني من اية حراك نضالي انطلاقا من توجهاتها السياسية والية تعاملها مع القضية الفلسطينية. والربط الواعي بين تسمية مروان البرغوثي كقائد للإضراب والتناقضات الداخلية داخل حركة فتح. وتعبير كل ذلك عن نفسه في وضع العصي في دواليب الاضراب منذ لحظة الاعلان عنه.

3 ــ الاصرار الاسرائيلي على كسر الاضراب. بالمراهنة اولا : على تعب وإرهاق المضربين وعلى اللجوء الى القمع وتنغيص حياة المضربين بنقلهم من سجونهم في ظروف وحشية  والزج بالمئات منهم في اقسام العزل الانفرادي وحملات التفتيش والاقتحام المتواصلة من قبل الوحدات الخاصة ومصادرة اغراضهم الشخصية بما فيها الملابس الداخلية وحرمانهم من ادوات النظافة كما اشار البرغوثي في البيان الصادر عنه. وثانيا : الالتفاف على قيادة الاضراب بالتناغم مع اتجاهات داخل السلطة تدفع باتجاه فتح قنوات تفاوضية بديلة لقيادة الاضراب. وشن حملة اشاعات تنال من صمود المضربين وتركز على ان المسألة برمتها مرتبطة بالصراع داخل حركة فتح. وان الهدف من وان البرغوثي يريد الاستقواء بالإضراب في ظل صراع مراكز القوى داخل الحركة.

وفي سياق عملية الصراع بين العوامل الايجابية والسلبية ، شق الاضراب طريقه متقدما يوما بعد يوم على دواليب اصرار الاسرى وصمودهم. وقد شكل هذا الاصرار الفاعل الرئيس الذي جر خلفه ومعه بقية العوامل الايجابية. ليسجل اول انجازاته المتمثل في كسر لاءات الاحتلال الثلاثة ( لا تفاوض مع الأسرى ـــ لا تفاوض مع قيامتهم وتحديدا البرغوثي ـــ لا استجابة لأية مطالب ). لكنه فاوض الاسرى وقيادتهم وفاوض البرغوثي ولبى جزء كبير من المطالب.

ثانيا : ــ  مستوى تحقيق المطالب :

تتلخص المطالب التي رفعها الاسرى في ثمانية عناوين عامة تنضوي على المستوي العملي على عديد العناصر والقضايا. ونستعرضها  في الجدول الاتي :

 

عناوين المطالب

العناصر الفرعية

1

العزل الاداري

انهاء سياسة العزل الاداري

2

الاعتقال الاداري

انهاء سياسة الاعتقال الاداري

3

الاوضاع المعيشية

 

1 ــ تركيب تليفون عام في كافة الاقسام

 2 ــ قنوات اضافة قنوات ملائمة حد ادنى 18 قناة

 3 ـــ  تبريد في السجون وتهوية في الغرف

4 ــ اعادة المطابخ والمخابز ووضعها تحت اشراف الاسرى

 5 ــ السماح بشراء حاجتهم من الخضروات.

4

الزيارات

 

1 ــ اعادة الزيارة الثانية التي اوقفت من قبل لجنة الصليب.

2 ـــ انتظام الزيارات وعدم تعطيلها خاصة اسرى غزة كل اسبوعين.

3 ـــ  حق زيارة القريب من الدرجة الاولى والثانية

4 ـــ زيادة مدة الزيارة من 45 دقيقة الى ساعة ونصف

5 ــ  السماح للأسير بالتصوير مع الاهل كل 3 اشهر

6 ــ  عمل مرافق لراحة الأهل بباب السجن

7 ـــ ادخال الاولاد والاحفاد تحت سن 16 سنة في كل زيارة  8ــــ إدخال الكتب والصحف والملابس والمواد الغذائية والأغراض الخاصة للأسير على الزيارات.

5

الوضع الطبي

1ــ إغلاق ما يسمى "مستشفى سجن الرملة" لعدم صلاحيته بتأمين العلاج اللازم.

2 ـــ إجراء الفحوصات الطبية بشكل دوري.

 3 ــ إجراء العمليات الجراحية بشكل سريع.

4 ــ إدخال الأطباء ذوي الاختصاص من الخارج.

 5ـــ إطلاق سراح الأسرى المرضى خاصة ذوي الإعاقة والأمراض. 6 ـــ عدم تحميل الأسير تكلفة العلاج.

6

البوسطة

1 ــ تأمين معاملة إنسانية للأسرى خلال تنقلاتهم بالبوسطة.

2ــ إرجاع الأسرى إلى السجون من العيادات والمحاكم وعدم إبقائهم في المعابر.

3 ــ تهيئة المعابر للاستخدام البشري، وتقديم وجبات الطعام.

7

الأسيرات

 

ـ1ـ التجاوب مع احتياجات ومطالب الأسيرات الفلسطينيات سواء  بالنقل الخاص واللقاء المباشر بدون حاجز خلال الزيارة.

8

التعليم

 

1 ــ إعادة التعليم في الجامعة العبرية المفتوحة.

2 ــ السماح للأسرى تقديم امتحانات التوجيهي بشكل رسمي ومتفق عليه.

 

 

 

ــ تؤكد اغلب المواقف الصادرة على ان انجازا هاما قد تحقق في هذا المستوى من ناحيتين هما :

1 ـــ انتزاع موقف ايجابي من ادارة السجون بشأن مجموعة من القضايا المطروحة. وفي هذا الصدد فقد اشار عيسى قراقع في مؤتمره الصحفي بان الاسرى قد حققوا  80 % من مطالبهم . بينما ذهب الأسير باسم خندقجي عضو اللجنة المركزية  لحزب الشعب الى ان الاضراب قد حقق 70 % من مطالب المضربين. ثم جاء اعلان الناطق الرسمي باسم “اضراب الكرامة” عبد الفتاح دولة، عما اسماه “المسودة الأولى” لنتائج مفاوضات قيادة الاضراب مع إدارة السجون. والتي تتضمن احد عشر بندا تم  تحقيقها. اخذين بعين الاعتبار ان بعض البنود المعروضة تنضوي على اكثر من مطلب ، فسنجد انفسنا قريبين جدا مابين نسبة 70 % ــ 80 % المشار اليها. وقد اشار البرغوثي في البيان الصادر عنه الى انتزاع  جملة من الانجازات الانسانية والعادلة لخصها في  اعادة الزيارة الثانية وتحسين شروط وظروف حياتهم اليومية ،وحل مشكلات تتعلق بالأسيرات والأشبال والمرضى والبوسطات والمعالجة والكانتين والمشتريات وإدخال الملابس.

2 ـــ ان القضايا التي لم يتم تحقيقها والتي تتراوح بين نسبة 20 % الى 30 %.  قضايا تم تلقي ردود ايجابية مبدئية عليها وأخرى ردود سلبية. لذلك تم وضع  اليات لاستمرار الحوار حولها من خلال لجنة مشتركة يبدأ عملها بعد تعليق الاضراب. وفي  هذا السياق وردت ملاحظة ذات اهمية في بيان البرغوثي حذر من خلالها ادارة السجون من التراجع عما اتفق عليه. وأكد الاستعداد للعودة الى الاضراب اذا حدث ذلك.  وهي مسألة مبنية على خبرة الحركة الاسيرة. فقد سبق لإدارة السجون ان تنازلت ثم عادت لمصادرة ما تنازلت عنه.

وإجمالا فان تقييم الانجاز على هذا المستوى مسألة يحفها كثير من القضايا. بدءا من ان المطلب الذي يبدو عاديا ومعتادا من خارج المعتقل هو ليس كذلك بالنسبة لمن هو في داخله. والذي يجد نفسه مجبرا على النضال لانتزاع اشياء قد تبدو بديهية لكنها ذات اهمية كبرى بالنسبة له. الى الادراك ان التفاوض على كل عنصر من العناصر المشار اليها في الجدول لا يمضي في خط مستقيم بمعنىى ان يؤخذ كله او يترك كله. وإنما يمر عبر عديد دهاليز التفاوض والمناورة. ومكاسرة الارادات بين طرف يستقوي بعنصر السيطرة والضغط المادي الذي يحوزه متمثلا في السجن. وطرف يواجه بعنصر القدرة المعنوية على تقويض تلك السيطرة او تحييدها. كل ذلك يجعل من كل انتزاع لصالح الاسرى انتصارا وانجازا هاما.

ثالثا : ــ مستوى الحركة الوطنية الأسيرة : 

وفي هذا المستوى فقد شكل اضراب الكرامة نقلة نوعية هامة في تاريخ الحركة الوطنية الأسيرة. تتضح اهميتها من خلال المقارنة بما طرا على بنيتها من تأكل على مدى سنوات وتحديدا بعد اتفاق اوسلو. ويسجل لإضراب الكرامة خلق الظروف اللازمة والأرضية الصلبة لاستعادة الدور التاريخي للحركة الوطنية الاسيرة الذي اتسم بالتماسك والوحدة والنضال الجماعي. فإضراب الكرامة يعد اول اضراب تخوضه الحركة بشكل جماعي منذ عام 2004 الذي لم يكتب له النجاح. وعلى مدى السنوات اللاحقة كانت الاضرابات تأخذ طابع فصائلي ثم اتخذت الطابع الفردي منذ عام 2012 . ان اعادة التماسك والوحدة المتجسد من خلال مشاركة جميع الفصائل ، يتجاوز في دلالاته دخول اسرى التنظيمات الفلسطينية الاضراب بمعناه العملي معا ، الى الحالة الناتجة عن زخم التواصل والحوار والاتفاق على المطالب وعلى القيادة، ثم القيام بعملية التهيئة النفسية والذهنية للمنخرطين في الاضراب. هذه العملية كانت بمثابة الازاحة لكل عناصر الابتعاد وكسر للحواجز التي انتصبت في زمن الارتباك السياسي العام . وخلقت مساحة واسعة للعمل الكفاحي المشترك الذي تميزت به الحركة الوطنية الأسيرة. وفي هذا السياق اشار القائد احمد سعادات في بيانه الصادر من معتقل هادريم يوم 28 مايو 2017 الى ان الظروف باتت مناسبة " لإعادة بناء وتوحيد جسم الحركة الوطنية الأسيرة ومضاعفة دورها ومغادرة حالة التشرذم والانقسام " وهو ذات الأمر الذي اكد عليه القائد البرغوثي في بيانه الذي اعتبر الاضراب "نقطة تحول لإعادة بناء وتوحيد الحركة الاسيرة بمختلف مكوناتها ومقدمة لتشكيل قيادة وطنية موحدة خلال الاشهر القليلة القادمة " لقد شكل هذا الانجاز المتعلق ببنية الحركة الوطنية الأسيرة ارقا وسهدا لإدارة السجون منذ لحظة اندلاع الإضراب لأنها تعي جيدا ان نضال الأسرى الجماعي المنظم يقوض اليات الهيمنة والسيطرة التي تتبعها في ادارة المعتقلات. ويضع الاسس اللازمة لمرحلة نضالية جديدة للحركة الوطنية الاسيرة. بما يسمح بالتقدم باتجاه انتزاع حقوقها رغما عن السجان. 

رابعا : ــ مستوى المحيط :  لقد تجاوزت نتائج الاضراب اسوار السجون الاسرائيلية. وتركت بصماتها ونتائجها في الواقع  المحيط بأبعاده الوطنية والعربية والدولية. وهي نتائج تضاف الى تلك المرتبطة بالمطالب اللصيقة بحياة الأسرى في السجون . وفي هذا الصدد يمكن تسجيل النتائج الايجابية الظاهرة والمباشرة والتي تتلخص فيما يلي : 

1 ــ توحيد كل ابناء الشعب الفلسطيني على موقف نضالي يرتبط بالتركيز على العدو بعيد عن اغلب قضايا الخلاف التي تعيشها الساحة الفلسطينية. لقد جاء الاضراب ليخلق سياقا معاكسا لما كان يرتب للقضية الفلسطينية. واستطاع بحالة النهوض الجماهيري التي انتجها منع  محاولة انتزاع الورقة الفلسطينية، اذا وضعنا في الاعتبار خصوصية اللحظة السياسية الاقليمية. وبذلك شكل دعما لمحور المقاومة بذات المستوى الذي شكلته انتفاضة السكاكين.

2 ـــ استنهاض قطاعات واسعة من الجماهير العربية من حالة الاحباط التي زجت في اطارها بفعل سياسات ووسائل اعلام موجهه تدفع باتجاه الانغلاق ال قطر ي. فمن خلال الالتفاف حول  الاضراب والقيام بفعاليات الدعم والمساندة التي انخرطت فيها منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية في مختلف الساحات العربية ، استعادت الجماهير العربية روحها وبوصلتها الصحيحة.

3  ــ استعادة روح التضامن العالمية مع القضية الفلسطينية. حيث باتت اعلام فلسطين ترفرف في شوارع العالم ، وموضوعا مطروحا على التصويت وأخذ القرار بالدعم ومقاطعة اسرائيل في النقابات والاتحادات العمالية. وعنوانا للمظاهرات التي عمت شوارع مختلف بلدان العالم بقيادة لجان التضامن والمقاطعة والقوى الحليفة.

4 ــ لقد كان للإضراب اثره في خلق الاطراب في الداخل الاسرائيلي ، فعلى الرغم من محاولة السخرية البائسة من المضربين بإقامة حفلات الشواء امام السجون ، فقد استطاع المضربون بصمودهم التأثير في قطاعات اسرائيلية حتى لو كانت ضيقة. وهذا ما يمكن تلمسه من  منع منظمة الأطباء الإسرائيليين أعضائها من المشاركة في أية عمليات إطعام قسري للمضربين. وذلك على الرغم من إصدار المحكمة الدستورية الإسرائيلية حكماً  بدستورية قانون الإطعام القسري، وهو القانون الذي مرره الكنيست الإسرائيلي عام 2015.

خامسا : مستوى الدلالات والمهام : 

لخص القائد سعدات الدلالات التي صوب الاضراب النظر اليها في مسألتين مترابطتين اولها : أن الحقوق تنتزع ولا تُستجدى. بما يستدعيه ذلك من ضرورة المقاومة. وثانيها : ان التناقض مع العدو يبقى هو التناقض الرئيس الضامن لتراجع وانزواء التعارض الداخلي. فالإضراب وفي لحظة استقطابه لعقول ومعنويات وإرادة الشعب الفلسطيني وتوجيهها نحو العدو الرئيس وحدهم على الموقف والرؤية.

أما بالنسبة للمهام فقد كان اضراب الكرامة بمثابة الدق القوى والفاعل على خزان الوعي بالمهام التي بات من الضروري تحديدها ب، لتشكل دليل عمل في المرحلة القادمة. وتيمكن تحديدها فيما يلي :

1 ــ انتزاع الاعتراف بالأسرى بوصفهم اسرى حرب يخضعون للاتفاقيات الدولية ذات الشأن وتحديدا جنيف الثالثة والرابعة. وإذا كان البرغوثي قد وضع ذلك كعنوان لمعركة يخوضها الاسرى داخل السجون. فإنها تنتصب كمهمة عمل متواصل ومكثف تنخرط فيه المنظمات الحقوقية والقانونية والسلطة الفلسطينية التي يتوجب عليها حمل ملف الأسرى الى الجنايات الدولية وكل المنصات الحقوقية والقانونية الأخرى، لخلق رأي عام قانوني يستطيع ان يجسد هذا الهدف.

2 ــ ان تكون قضية الاسرى عنوان الملف السياسي الفلسطيني في اي عملية تفاوضية. لاسيما وان تقديم قضية الاسرى كعنوان سياسي تفاوضي اساسي ارتباطا بالعنوان الاول " اسرى حرب " يشكل المدخل الطبيعي لطرح القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني وحقوق وطنية مهدورة والتفاوض من هذا المنطلق. اما عكس ذلك اي التعامل مع الموضوع بحدود الرواية الاسرائيلية " ارهابيون .. ايادي ملطخة بالدماء .. امنيون " وغير ذلك من التصنيفات فانه ادراكيا يضعف طرح القضية الفلسطينية كقضية تحرر وحقوق وطنية. وفي الاساس يجب العمل على اساس ان تحرير الأسرى يمثل مهمة نضالية كفاحية من مهام حركة التحرر  الوطني الفلسطينية التي يجب تجسيدها واقعيا.  

4 ـــ  توسيع وتكثيف عملية الاسناد والدعم للأسرى الحرية عبر توجيه المذكرات ورسائل الاحتجاج  إلى المؤسسات الدولية. والمطالبة بإدراج قضية الأسرى على جدول مناقشات مؤسسات الأمم المتحدة خاصة الجمعية العامة ولجنة حقوق الإنسان. العمل على تشكيل لجان فرعية وحقوقية عالمية لزيارة السجون الإسرائيلية.

5 ـــ تكثيف العمل الاعلامي بالاستفادة من وسائل الإعلام الاجتماعي وإقامة مواقع إلكترونية للتعريف بمعاناة الأسرى. وحقوقهم ودورهم.  

6 ــــ رفع القضايا المتعلقة بالأسرى إلى المحاكم الدولية. من اجل ملاحقة المؤسسات والأفراد داخل الكيان الصهيوني التي تنتهك حقوق الاسرى والمعتقلين. بوصفه انتهاكا لحقوق الشعب الفلسطيني. وملاحقة العدو على الجرائم المرتكبة بحقهم.

7 ــــ التعامل مع قضية الأسر كقضية نضال استراتيجي بما يعنه ذلك من ضرورة رفع الوعي بقضيتهم ومعاناتهم مع الاهتمام. ولفت الانتباه الدائم للأسرى ذوي الخصوصية سواء على المستوى الصحي او مستوى النوع الاجتماعي والعمر. وتنويع اشكال العمل وإقامة المعارض الفنية والتراثية وفتح مزادات خيرية لدعم الأسري وعرض المسرحيات والمعارض الفنية وغير ذلك من الوسائل. خاصة وان  مسار حق الاسير والمعتقل لا ينحصر ضمن حدود فترة الاعتقال وإنما تمتد الى ما بعد الافراج وتشمل ضمان التعويض والحياة الكريمة وإعادة التأهيل والاندماج الاجتماعي والنضالي. ليأخذ دوره كعامل اشعاع وتأثير ايجابي في المسار الكفاحي للشعب الفلسطيني.

خاتمة

لقد جاء اضراب أسرى الحرية وتقدم متحديا ومتجاوزا بالاعتماد على ارادة الأسرى وصمودهم . الامر الذي وفر الظرف الموضوعي لاشتغال بقية العناصر الايجابية. وتحييد العناصر السلبية المعيقة. واستطاع الأسرى من خلال نضالهم البطولي تحقيق جملة من المنجزات التي لا تقتصر على تحسين ظروفهم الحياتية داخل اسوار المعتقل وإعادة بناء الحركة الوطنية الأسيرة لتشكل عامل تأثير ايجابي في النضال الوطني الفلسطيني. بل شملت تلك المنجزات المحيط الخارجي بكافة ابعادة الوطنية والعربية والدولية. اضافة الى تأشيره على مجموعة من الدلالات ذات المعنى المصيري. على ضوء ذلك تنتصب امام مختلف القوى مهام عديدة وضرورية لحماية تلك المنجزات من ناحية والاستمرار في القيام بالدور الضروري لدعم وإسناد الحركة الوطنية الاسيرة على طريق تحرير الاسرى وإنقاذهم كمهمة نضالية يجب ان تأخذها حركة التحرر الفلسطينية على عاتقها.