على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

بـــلاد النفـــط تـــذوق النّــــار!

07 تشرين ثاني / يونيو 2017
أرشيفيّة - اندلاع حريق في بئر نفط
أرشيفيّة - اندلاع حريق في بئر نفط

غزة_ خاص بوابة الهدف

لم يصدق المسافرون القطريون أنفسهم حينما علِقوا في مطار جدّة، على إثر إلغاء رحلاتهم، وحظر الأجواء السعودية والإماراتية والبحرينية أمام الطيران القطري.

من اعتادوا أن يجوبوا العالم دون صعوبات تُذكر، وجدوا أنفسهم يتلقون ذات المعاملة التي يتلقاها أبناء الجنسيات العربية الأخرى في قطر، وربّما معاملة أكثر سوءًا وتعقيدًا؛ وهذا بفعل الخطوات العقابية التي بادرت إليها كلٌ من الإمارات والسعودية والبحرين ضد قطر، دون إفصاحٍ واضحٍ عن الأسباب الفعلية.

ومن يصدق أن كل هذا بدأ ببيان نشرته وكالة الأنباء القطرية الرسمية قبل 10 أيام، حمل تصريحات للأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني، تبعه نفيٌ من الوكالة القطرية وادّعاءٌ بأنّ ما حصل كان نتيجة "اختراق" لموقع الوكالة الالكتروني، وأنّ البيان "مُفبرك". تلا هذا هجومٌ إعلاميّ كاسح شنته الأدوات الإعلامية للسعودية والإمارات، ومن بعده ردودٌ قطرية اتّهمت الإمارات بالهجوم، وحاولت التأكيد على موقفها الايجابي وسلامة نوايها تجاه السعودية.

هذا كله حدث بينما تتشارك الدول الثلاث العدوان على اليمن؛ إذ يقاتل جنود قطر وحلفائها جنبًا إلى جنبٍ مع السعودية والإمارات ضد الشعب اليمني، ويصبّون حِمم نيرانهم على مُدنه وأحيائه.

أعلنت الإمارات والسعودية ومعهما البحرين مقاطعة قطر، وأغلقت الدول الثلاث المجالات الجوية والبحرية وكذلك الحدود البرية مع قطر، وسحبت السفارات، تبع ذلك مواقف مماثلة من حكومات مصر وجزر المالديف ومورشيوس، إضافة لحكومة المخلوع عبد ربه المنصور هادي الشريك في العدوان على بلده اليمن، وأخيراً الأردن.

تداعيات هذه الأزمة وتأثيراتها المُحتملة قد يطول شرحها، وكذلك تتعدد التكهّنات حول مآلاتها، والمواقف الدولية منها.

دعوات للحل

البقية الباقية من دول مجلس التعاون الخليجي، وهي: الكويت وعُمَان، انخرطتا في جهودٍ لتسوية الأزمة المشتعلة، أبرزها كان وساطة من أمير الكويت وإعلانٍ منه عن زيارة مزمعة للسعودية لهذا الغرض، وطلبٌ مباشر منه لقطر بتأجيل خطاب أميرها، لإعطاء فرصة للجهود الساعية للحل.

المواقف الدّاعية للحل عن طريق الحوار كانت هي الغالبة في ردود فعل معظم الدول المعنيّة، وهو الموقف الذي عبّرت عنه كلٌ من تركيا وإيران، فيما اعتبرت روسيا أن الأمر شأن داخلي بين دول الخليج، مُتمنّيةً الاستقرار في المنطقة. كان ذلك قبل أن يلتقي السفير القطري في موسكو مع نائب وزير الخارجية الروسي، وهو ما أثمر عنه تعديلٌ طفيفٌ في الموقف الروسي، الذي انسجم مع مواقف بقية الدول بإصداره دعوة لحلّ الأزمة عن طريق الحوار.

غموض أمريكيّ.. ترحيبٌ صهيوني

مواقف عدّة صدرت من المستويات العسكرية في الولايات المتحدة، أكّدت استمرار بقاء قاعدتها العسكرية العاملة في قطر واستمرار الطلعات الجوية منها، فيما أكّدت وزارة الخزينة الأمريكية على دور قطر في "محاربة الارهاب"، فيما بدا للوهلة الأولى تحصينًا أمريكيّا لقطر في مواجهة الموقف السعودي الإماراتي البحريني. هذا الموقف الأخير، يبدو أنّه مُتناقضٌ مع ما صدر عن الرئيس دونالد ترامب من تصريحات، نشرها عبر حسابه على "تويتر"، بعد 24 ساعة من اندلاع الأزمة، إذ قال أنّ خلال زيارته الأخيرة للمنطقة أشار معظم "القادة" بأصابع الاتهام لقطر بتمويلها الإرهاب. أتبع ترامب هذا بتغريدة، قال فيها "إنّ ثمار زيارته للمنطقة بدأت بالظهور في المواقف الضاغطة لأجل وقف تمويل الإرهاب"، وهو ما قد يُفسَّر على أنه تبنٍّ للاتّهامات الموجهة لقطر من قبل السعودية والإمارات.

وزير الخارجية السعودي كشف بوضوح، بعد ظهر الثلاثاء، واحدًا من مطالب بلاده من قطر، وهو ضرورة قطع علاقتها بحركة "حماس" وتنظيم "الإخوان المسلمين"؛ وهو ما قد يعتبر أبرز موقف سعودي مناهض لحركة حماس، إذا ما اعتبرنا أن موقفها من "الإخوان" مفهومٌ، رغم أن ميلشيات فرع التنظيم في اليمن "حزب الإصلاح" تقاتل بجانب السعودية وتحالفها المُعتدِي.

هذه اللوحة المعقدة من المواقف قد تقود لتفسيرات شتّى لما يحدث؛ وإنّ عزو جلّ مكوّناتها وتفصيلاتها لموقفٍ بعينه أو عامل واحد، لهو سذاجة في التحليل السياسي، فكثيرٍ من السياقات والعوامل تحكم الحدث.

عوامل عدة وأزمة مستمرة
لم تبدأ أزمة الدول الخليجية الثلاث وخصوصًا الإمارات والسعودية مع قطر اليوم، وهي ليست وليدة مِزاج لحظي لدى الساسة في تلك البلدان؛ إنّما هي نتاجٌ طبيعيّ للخيارات السياسية والتحوّلات العميقة التي يشهدها الخليج، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، كما أنها حصاد طبيعي للتبعية السياسية التي تعيشها دول الخليج للمركز الإمبريالي، التي بات اندماجها مع مصالحه يُحيل حكامَها لجزءٍ من الطُّغمة، التي تصنع سياسات القهر والتمايز والإفقار وسوء التوزيع والحروب الأهلية، في عالم اليوم.

أوّلاً/ على غرار بقية الدول الخليجية الصغيرة من جيران السعودية، عانت قطر من خلافات حدودية مع المملكة، تمّ حسمها لمصلحة الأخيرة، كما عانت من مخاوف هيمنة السعودية وهو ما يُعرَف في الأدبيّات السياسية القطرية المحدّثة بـ"خطر بحرنة قطر"؛ أي أن تصبح قطر مثل البحرين، أشبه بإقليم خاضع للسعودية في سياساته. هذه المخاوف كانت أحد المحركات الأساسية للسياسة القطرية الإقليمية النشطة، والتي سعت لرفع وزنها من خلال الإمساك بجزءٍ من الأوراق السياسية في المنطقة، وبناء أدواتٍ للتدخّل في معظم الملفات الإقليمية، كان ملمحها الأساسي احتواء قطر لجماعة الإخوان المسلمين، وعدد آخر من الجماعات الإسلامية، بعضها محظورٌ دوليًا؛ وهو ما حظي بغضّ نظرٍ وقبولٍ ضمنيّ من قِبَل القوى الكبرى؛ لأسبابٍ سيأتي ذكرُها. هذه السياسة شملت في إحدى مراحلها محاولات قطرية لنسج علاقات متوازنة مع إيران، لموازنة النفوذ السعودي الضاغط على الإمارة الصغيرة، وهو ما كان مثار غضبٍ سعوديّ واحتجاجٍ مستمر.

ثانياً/ شكلت قطر أداة مهمّة للقوى الدولية المهيمنة، وعلى رأسها الولايات المتحدة؛ لممارسة سياسة الاحتواء الهادئ لعدد من القوى المتمردة، التي تسعى الدول الكبرى لتدجينها وضبط سلوكها، وفي نفس الوقت لا ترغب بالتعامل المباشر معها. علاقات قطر مع حركة حماس، وفي مرحلة ما العلاقة مع حزب الله، وحركة طالبان، جاءت في هذا السياق، وهو الدور الذي كان مرغوبٌ به في عهد إدارات بوش وأوباما. لكن التلاقي السعودي مع دونالد ترامب والذي شمل ضمنيًا نوعًا من التفويض الأمريكي للمملكة بملف ضبط القوى الإسلامية وردعها، شكّل نقيضًا لتلك السياسة، وإعلان ضمني عن تراجع الحاجة للدور القطري في احتواء هذه القوى، خصوصًا في ضوء وجود مؤشرات باتجاه إدارة ترامب لسياسة تصفيتها –أي القوى- أو الضغط عليها لتصفية عددٍ من ملفات المنطقة، وهو ما منح دفعة قوية للرغبات الإماراتية والسعودية بالضغط على قطر لإنهاء دورها الإقليمي وعلاقاتها بتلك القوى، بالتزامن مع مراهنة كل من السعودية والإمارات على قوى مختلفة.

ثالثاً/ يهتمّ الكيان الصهيوني بالاستفادة من وجود إدارة ترامب؛ في تعزيز الضغط على الكيانات "المارقة" والمعادية له"، ولا يرغب بترك أي مُتنفّس لها في هذه المرحلة بالذات، وهو ما يشمل بالضرورة تعزيز الضغط على حركة "حماس"، والأهم تعزيز الضغط على ايران، وإغلاق أية نوافذ خليجية محتملة لها، خاصةً في ضوء وجود نية قطرية بإعادة تنشيط علاقاتها مع ايران، بعد إخفاق الرهان القطري في سوريا على "الإخوان المسلمين" والجماعات المسلحة "التكفيرية" المقرّبة منها -جبهة النصرة  مثالٌ على ذلك-.

في ضوء العلاقات الخليجية الصهيونية، الآخذة بالتطور، باتت السعودية والإمارات تعتبران تلبية الرغبة الصهيونية في هذا الجانب سببًا مهمّاً للضغط على قطر، بجانب الأسباب الخاصة بكلتا الدولتين لإنهاء دورهما في المناورة والاحتواء، فهذه ليست مرحلة الاحتواء بالنسبة للكيان الصهيوني، إنّما مرحلة الخنق وتوجيه الضربات القاتلة.

رابعاً/ جزءٌ أساسيّ من سياسة إدارة ترامب يعود لعوامل داخلية، أبرزها سعي هذه الإدارة لخلق فرص عمل لملايين الامريكيين، وذلك عبر توظيف المال الخليجي في الاقتصاد الامريكي، وهو ما أذعنت له السعودية، قبل أيّامٍ، مقدمةً 460 مليار دولار لواشنطن، فيما تلكأت قطر في تقديم "الجزية" المطلوبة؛ وهو ما قد يكون سببًا في عقابها، خاصّةً وأنها لم تفهم -على ما يبدو- طبيعة المرحلة والدور المطلوب منها فيها، ولا زالت تمارس سياساتها كما لو كانت في عهد أوباما، وهو ما بدا واضحًا في الرضا الذي عبّرت عنه "المؤسسات الأمريكية التقليدية" عن قطر، وفي مقابله انتقادات ترامب الواضحة للإمارة التي حملت فعليًا اتهامًا لقطر قد يبدو كضوء أخضر لمواصلة الضغط الخليجي عليها.

خامساً/ جزءٌ آخرٌ من الأزمة هو تعبيرٌ عن صراعات أمراء الجيل الثالث والرابع من حكام الخليج، إذ يسعى محمد بن سلمان ولي ولي عهد السعودية لإزاحة ابن عمه محمد بن نايف ولي العهد، والتقدّم للجلوس على عرش سلمان والدِه. وفي هذا الصراع، يحظى محمد بن سلمان بتأييد صديقه وحليفه القديم محمد بن زايد، وليّ عهد الإمارات، فيما يحظى محمد بن نايف بعلاقة قوية مع الأمير القطري تميم بن حمد، وهو ما يجعل من هذه الأزمة جزء من الصراع على العرش السعودي، أو جزء من الصراع على مستقبل الحكم في بلدان الخليج المختلفة، إذ يسعى كل طرف لتنصيب المحالفين له على عروش بقية البلدان الخليجية، وفي هذا الصراع يعتبر التأييد الأمريكي العنصر الأبرز في حسم هذه المنافسات، وتعتبر العلاقات مع الكيان الصهيوني مدخلاً ومفتاحاً أساسيًا لنيل الرضا والقبول الأمريكييْن، بهذا الأمير أو ذاك.

مع استمرار الأزمة تبرز في كل لحظة عوامل وملامح جديدة، مؤثرة فيها، وكذلك تبدو مآلاتها النهائية غير واضحةٍ بعد، لكن كل ذلك لا يُغني عن القول إن هذه الأزمة تعتبر التكثيف الأبرز لجملة من الأزمات العربية؛ فالتبعية للمركز الإمبريالي من قِبَل الحكومات العربية كانت ولا تزال مفتاحٌ للاختراق والاستباحة، والصراع المصلحي بين أباطرة السلطة، بوصفته المُؤكّدة, وهي غياب الديمقراطية والعدالة. هذا الصراع، الذي تُذبح فيه الشعوب ويتمّ التضحية بمستقبلها على مذبح العروش البالية وأصحابها.

انشر عبر