على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

مقاولو الأسلحة.. وكيف سقينا الفولاذ؟

08 تموز / يونيو 2017
تعبيرية
تعبيرية

غزة _ خاص بوابة الهدف_ محمود الترامسي

يعرّف لينين السياسة على أنها: "التعبير المكثف عن الاقتصاد" ما يستدعي أن تعبر السياسة في سياقها الاجتماعي والوطني عن مصالح من ينضوون تحت برنامجها وتوجهاتها، لكن هذه السياسة بالنسبة للأسرة السعودية –تحديداً- تعني بوضوح أكثر، أن تتواطأ بوضاعة فجة ومُذلة ضد مصالح أمتك وشعبك وحتى عشيرتك إلى الحد الذي يجعلك مرتبطًا بالمركز الأميركي بلا انفكاك، ودائراً في أفلاك سياساته ومقامراته ومؤامراته ومستوردًا لمشاكله وأزماته، وكراجًا خلفيًا لمشاريعه الاحتلالية في المنطقة العربية، معنى أن تمخر في عباب الموقف والمصلحة الأميركية والعطش الأميركي الفاوستي لنهب ثروات هذه البلاد وما تبقى منها.

الشرق الأوسط الخيمة الأخيرة لمقاولي الأسلحة

في الآونة الأخيرة حظي سوق الشرق الأوسط على أهمية لم يكن يتمتع بها منذ سنوات عديدة بالنسبة لشركات السلاح الأميركية، حيث يشعر مقاولو الأسلحة الأمريكية بحجم المزاحمة الأوروبية والصينية المحمومة على توريد منظومات الدفاع العسكرية لهذا السوق، والذي أصبح ثاني أسرع الأسواق نموًا بعد آسيا، مقابل الانخفاض الحاد في الإنفاق الدفاعي الغربي، ففي الوقت الذي تنخفض فيه موازنات الدفاع الأميركية والأوروبية يُخلق مزيداً من التنافس في الأسواق الأخرى.

النهب مقابل ضريبة البقاء

إذا كان هنالك ما يميز الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن نظرائه السابقين هو أنّ الرجل يعي تمامًا معنى أن تكون وقحًا وأن تتجنب اللباقة والدبلوماسية في موقفك حينما يتعلق الأمر بدول الخليج وبرامج الرعاية الصحية الأميركية، ينظر الرجل إلى الخليج على أنه قناة نهب مشروعة ومشرّعة لتمويل جيوشه وأساطيله البحرية الرابضة في الخلجان والتي تحرس امتيازاتها العسكرية والسوقية في بلاد النفط، وهنا لا بد من الإشارة إلى مسألة مهمة، وهي أن هذا الموقع التاريخي الخاص واللامتكافئ الذي تحتله دول الخليج النفطي والعالم الثالث بالعموم في منظومة الاقتصاد الرأسمالي الدولي يعود بالأساس إلى نظام التخصص وتقسيم العمل الدولي، وهو الذي يحدد سمات ومكانة تلك الكيانات السياسية المتخلفة في المعادلة الاقتصادية الدولية، والتي عبر نماذج توسعها المختلفة كانت هذه المعادلة على الدوام تعكس ثقل المصالح الاقتصادية والعسكرية والسياسية لصالح الطرف الأقوى، هي ليست معادلة محايدة وتحتكم لشروط ومعايير يخضع لها الجميع، ويعامل وفقها الجميع ندًا لند، فالخليج كان على الدوام مجرد ترس صغير في هذه الماكنة الدولية الضخمة، يتحمل مواقع الضغط الشديدة للحركة، دون أن تكون له أي تأثيرات على اتجاهاتها أو مساراتها، ما يعني أن هذا الموقع الخاص قد أمن للغرب الاستعماري وخصوصاً الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة إحكام طوق التبعية على الخليج العربي واحتكار هذه العلاقة معه، وتنظيم أكبر عمليات النهب الوحشية واستغلال الثروات عبر قنوات نهب منظمة لموارد هذه المستعمرات ومصادرها الخام الرخيصة ومن ثم تحويلها إلى أسواق واسعة التصريف ونقط ارتكاز إستراتيجية وعسكرية لجيشها وكل هذا يتم بمساندة أنظمة أداتية تصارع من أجل بقائها واستمرارية حكمها، هذه النظرة الغربية التاريخية للخليج، وهكذا يراها دونالد ترامب ونسيبه المستثمر جاريد كوشنر وحاشيته الاستشارية.

كيف يكون الرئيس الأمريكي مُقاولاً

تعرضت موازنات الدفاع الوطني في الولايات المتحدة للتحجيم والتقليص خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ويعتبر بعض المحليين العسكريين أن هذه الأعوام حتى نهاية عام ٢٠١٦ كانت أسوء ما مر به سوق الأسلحة الأميركية من جهة ميزانياته السنوية والإنفاق الفعلي، إلّا أن عام ٢٠١٧ ومع فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة قد انتعشت موازنة البنتاجون وحصص مقاولي الأسلحة من تلك الموازنة، وفي حين لم ينقض ترامب وعوده الصريحة التي أطلقها خلال دعايته الانتخابية برفع موازنة البنتاجون السنوية وزيادة مستوى الاهتمام الوطني بقطاعات التصنيع العسكري، قام بتسخير مكتبه الرئاسي وفتحه لمساعدة المدراء التنفيذيين لشركات الأسلحة في استثماراتهم وصفقات بيع أسلحتهم بما يخدم مصالح تلك الشركات والتي تنسجم مع الأهداف الاقتصادية لإدارته، كل تلك الوعود لم يصرح بها ترامب وحسب، بل وتصرف وفق مقتضياتها، فالموازنة التي صادق عليها الكونجرس لعام 2017 طالت تقليصات في موازنات برامج وزارتي الخارجية والصحة وقطاع حماية البيئة، فقد تعرض برنامج المساعدة الخارجية الخاص بوزارة الخارجية لخفض موازنته ليصل التقليص في موازنة الخارجية إلى 28% من أصل 50 مليار دولار/سنوياً لصالح تقشف الموازنة العامة، وخضعت برامج الرعاية والتأمينات الصحية لتقليص في أعداد المستفيدين من خدماتها بسبب خفض موازنتها السنوية، ومقابل كل هذه التقليصات وسياسات التقشف ترتفع موازنة الدفاع الأميركية لـ٣٪ عن موازنة الإدارة السابقة لتصل إلى ٥٨٥ مليار دولار.

ترامب لم يسع فقط لإعادة تقسيم الحصص الوزارية من الموازنة لصالح وزارة الدفاع، ففي اجتماعه الأخير مع حكام الولايات صرح ترامب بشكلٍ واضح عن استقطاعات قام بها طالت قطاع حماية البيئة ستسهل للحكام المصادقة على مشاريع إنتاج عسكرية كانت الأنظمة المتعلقة بالبيئة وحمايتها تعيق عملها، واليوم لا تلقى تلك الأنظمة أي تمويل حكومي وقيد الإغلاق.

لماذا الزيارة تاريخية؟

سبقت زيارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى السعودية ترتيبات من نوعٍ خاص، فقد حضر نسيبه جاريد كوشنر إلى الرياض قبل الزيارة الرسمية بأيام، ورافق كوشنر في تلك الزيارة أكثر من 30 مديراً تنفيذياً لكبريات شركات الأسلحة الأميركية، وتواجدوا في قاعة اجتماع الغرفة التجارية السعودية مع كوشنر، والذي تدخل بحضور الأسرة السعودية الحاكمة في وضع آخر اللمسات على صفقات الأسلحة والتي تقدر بـ110 مليار دولار، تشمل قطع بحرية ومقاتلات جوية وذخيرة ومنظومات دفاعية أميركية ورادارات متطورة، جزء منها كانت إدارة أوباما تحظر بيعها للسعودية خشية استخدامها بإباحية لقتل المدنيين في اليمن، وهذا ما دفع السعوديون للتعبير عن ارتياحهم الشديد في التعامل مع كوشنر كأحد أفراد عائلة ترامب، وشعورهم بأن هذا السلوك يلاءم سياسات المملكة وأفراد الأسرة الحاكمة في أنّهم "يحلّون ويربطون" في سياسة الحكم وكذلك النهج الآن بالنسبة للولايات المتحدة بعيداً عن مؤسساتية وزارتي الخارجية والدفاع، نهج يترك المجال للعلاقات والاتصالات الشخصية بأن تحل محلّ بيروقراطية المعاملات الدولية الرسمية.

في ظل هذه الزيارة كشفت شركة لوكهيد مارتن عن صفقة تجارية مباشرة مع المملكة السعودية في سابقة جديدة منفصلة تماماً عن برنامج المبيعات العسكرية الخارجية الرسمية، صفقة لبيع طائرات اس-٧٠ ومنظومة ثاد الدفاعية ومنظومات صاروخية أخرى وسفن وطائرات قتالية، حصلت الشركة بموجب هذه الصفقات على أكثر من ٢٨ مليار دولار من خزينة السعودية، في حين أن لوكيهد مارتن كروب تقتطع سنوياً من ١٣-١٤ مليار دولار من الميزانية الدفاعية الإجمالية للبنتاجون تحت بنود برامج التطوير الدفاعية أي ما يوازي ٨٨٪ من دخلها السنوي، فإن الصفقات التجارية التي عقدتها مع المملكة خلال اجتماع الغرفة التجارية توازي ١٩٠٪ من دخل الشركة العملاقة السنوي، وكأقل تقديرٍ فقد تجرعت المملكة صفقات أسلحة كانت أكثر ترويعًا تحت الخفاء بينما كان أمراء آل سعود يطلبون من إيفانكا ترامب رجّ فنجان القهوة بيدها اليمنى قبل أن تشربه جريًا على عادة التاريخ العربي الأصيل.

بيع الوهم

صحراء غابرة وسليل حروب وهمية وخوفٍ مستعر تحقنه السياسات الأميركية في مجاري دماء المنطقة تحت حجج "مكافحة الإرهاب" و"التطرف" ومواجهة المدّ الشيعي، وترعى هذا السياسات وتحافظ على تأثيرات اجتماعية وسياسية متخلفة وخانعة تقود شعوبًا بأكملها إلى الهلاك.

في الوقت الذي تُصب فيه أطنان من فولاذ التسلح العسكري في قالب الصحراء العربية، ويتجرعه أبنائها داخل أشداقهم المُذابة كل ليلة في اليمن وسوريا والعراق وليبيا وغيرها، يشتري زعماء الخليج هذا الموت البشع بمليارات الدولارات بعيداً عن أي أفق تنموي أو صحوة أموية ولو مرة واحدة في تاريخ هذه الأمة العاصية لتطلعاتها وكرامتها، فإن سنة "مكافحة الإرهاب"والتي سنّتها أميركا وعرّبها دونالد رامسفيلد قبل عقد ونصف من الآن وتشارك فيها الجيوش وقوى الأمن العربية جمعاء، قد حولت المنطقة العربية لمرجل تغلي فيه دماء أبنائها بلا ركود، وتتخثر على سطحه دماء ملايين الضحايا والأبرياء، من تحولت أوطانهم لمطايا تسرقها أميركا رسميا وعلنا في رابعة النهار وبمباركة حكامها.

أن تؤمن بأن أميركا ليست دوحة لنشر الديمقراطية والسلام، وأنها بشكلها المجرد وبالفهم البسيط والعفوي لمآلات لسياستها ومشاريعها في المنطقة مجرد عدوٌ قذر ومتعطش للدماء والنهب، وأن الضرورة التاريخية الملحة تسترعي الاصطفاف في أي حلف لا ترضى عنه أميركا ولا تريده، يعني أن تؤمن بأنك شوكة رفيعة في جوف مارد نهم لن تقتله ولن يبتلعك، بصورة أخرى أن تؤمن بأن معركتك في اليمن وسوريا والعراق وفلسطين وغيرها هي معركة مفتوحة في وجه مشروع احتلالي متوحش ينبغي أن يعاد كسبها على الدوام.

متعلقات
انشر عبر