Menu
حضارة

دمنا المسفوك

بوابة الهدف الإخبارية

دمنا المسفوك

المجزرة المروعة والشجار المؤسف الذي أودى بأرواح أبناء عائلة العطاونة في غزة لم يكن بفعل أيديهم، فأيادي كثيرة قبضت على السكاكين التي أودت بالأرواح الثلاثة (شقيقين وعمهم)، مهما فكر أصحاب هذه الأيادي أو الهاتفين بأسمائهم أن يصطنع لنفسه براءة الذئب من دم ابن يعقوب، هيهات فدون ذلك دماء وظلم وقهر قد استطال.

قطاع غزة المحاصر لم يعد أكبر سجن جماعي في العالم كما يطالعنا مذيعي النشرات الإخبارية وبعض الكتبة، ولكنه أكبر معسكر للموت الجماعي في عصرنا الحديث، فظروف "الحياة" في القطاع قد وصلت حدود تدفع معها الناس لمصارعهم بكل طريقة قد يتخيلها أو لا يتخيلها عقل.

والعجيب فعلا ليس موت الناس بهذه الطرق الجنونية ولكن صبرهم طيلة السنوات الماضية وصمودهم الأسطوري، والاستمرار في تلمس أسباب الحياة، بانتظار تحقق الآمال، أو تغير الحال الذي يعيشه 2 مليون إنسان قرر العالم سحقهم بكل أداة قتل وسحق للجسد والنفس قد طورتها هذه المنظومة البشرية الخربة، التي لا تتقن في ذروة ازدهارها الرأسمالي إلا مزيدًا من التوحش ومزيد من الالتهام لأجساد البشر وأرواحهم.

وكأن القطاع لا يكفيه وأهله عدوان الاحتلال المتكرر، وحصاره الخانق، فتم ابتكار قطع الرواتب من إحدى السلطتين كسلاح مصوب لأرزاق الناس ونحورهم، فيما تفانت الأخرى في جباية الضرائب، والتضييق على الحريات العامة والخاصة، فيما يشهر الأشقاء العرب حبالهم لاستكمال خنق قطاع غزة بمن فيه وما يحمله من معاني نضالية للقضية الفلسطينية.

وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين انضمت لفريق التنكيل بأهالي القطاع، وتقدمت لحكومة وجيش الاحتلال بالادعاءات التي يرغب بها، والتي تشجعه على توسيع مجازره ضد القطاع في أي حرب قادمة، وهو أمر لا يمكن اعتباره سلوك اعتيادي من مؤسسة أممية يفترض أنها ترفع تقاريرها للأمم المتحدة وليس إلى مجرمي الحرب في تل ابيب، هذا إن صدقت هذه التقارير.

ذهاب الناس نحو قتل أنفسهم أو قتل بعضهم البعض ليس ترفًا يختاره البشر بينما يتناولون العشاء أو يشاهدون التلفاز، خيارات الجنون هذه يندفع لها الناس بفعل تبخر الآمال بحياة كريمة، تبخرها حتى آخر قطر ة منها.

بينما ينشغل هذا العالم بمنظومته الفاسدة بصراع آبار النفط، لا زال ذلك الحبل الخانق يشتد على عنق الغزيين، وكل هذا لا يستفز الحد الأدني من المسؤولية الوطنية والأخلاقية لدى من يمسك بالسلطة في فلسطين، فلا داعي لدى أطراف الحكم والانقسام للتقدم قيد أنملة نحو إيجاد حل لهذا الشعب المذبوح من الوريد للوريد.    
قد يكون الدم النازف اليوم هو دم القلب الذي طعنته يده، ولكن هذا ما هو إلا شرر يسير من نار تستعر، والتي إن هبت ستجد طريقها لكل الأبراج العالية التي ظن أصحابها إنها مانعتهم من شعب يحترف الثورات والانتفاض.