على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

كيف فجر عامر ومروان التصورات الأمنية للاحتلال في الضفة

13 تموز / يونيو 2017

بوابة الهدف - تقرير: أحمد.م.جابر

 في يوم 12 حزيران من العام 2014 نفذت خلية فدائية من حركة حماس عملية خطف لثلاثة مستوطنين صهاينة، بهدف إبقائهم في الأسر ومبالدلتهم مع أسرى فلسطينيين في سجون الاحتلال، إلا أن تعقيدات ميدانية أدت إلى احباط خطة الخطف فاتخذ الفدائيان منفذا العملية قرارا بإعدام المستوطنين الثلاثة، حيث عثرت قوات العدو بعد عمليات بحث مكثفة استمرت 18 يوما على جثث المستوطنين بالصدفة البحتة وليس بسبب براعة هذه القوات، وقد خبأها الفدائيان في مغارة قرب بلدة حلحول شمالي الخليل المحتلة. أما منفذا العملية فهما عامر أبو عيشة  (حداد-33 عاما) ومروان قواسمة (حلاق – 29 عاما)  إضافة إلى الأسير حسام القواسمة الذي وصف بأنه العقل المدبر للعملية وجميعهم من سكان حي الحجر في الخليل المحتلة.

ولد عامر أبو عيشة عام 1981 وهو أسير محرر وابن أسير وشقيق لشهيد، اعتقل أول مرة عام 2005 لمدة 6 شهور وثانية عام 2007. وهو زوج السيدة إكرام أبوعيشة وأب لثلاثة أطفال: زيد ومحمد ونجلا.

أما مروان القواسمة فيبلغ من العمر 29 عاما يوم استشهاده، وهو من مواليد 1985، وكان اعتقل للمرة الأولى عندما كان في الثامنة عشرة وحكم عليه بالسجن عشرين شهرا، واعتقل بعدها أربع مرات متتالية واطلق سراحه عام 2012. وهو متزوج من السيدة أبرار القواسمة وأب للطفلة راية.

أما ثالث الثلاثة والذي اتهمته سلطات العدو بالتخطيط والتمويل وإصدارالأوامر فهو الأسير حسام علي حسن القواسمة (40 عامًا) من مدينة الخليل من مواليد 1973، واعتقل يوم 11 تموز 2014. في مخيم شعفاط. وحكمت عليه محكمة عوفر العسكرية الصهيونية بالسجن المؤبد ثلاث مرات يوم 6 كانون ثاني 2015.

وحسام هو شقيق لشهيدين هما مراد وأحمد، و الأسير السابق محمود المحرر في صفقة (شاليط)،  وشقيقه حسين محكوم بالمؤبد وشقيقاه زياد وحسن كانا أسيرين وتحررا.، وقال إنه خطط للعملية لتحرير الأسرى وتحرير أخوته.

صفعة للاحتلال

شكلت عملية الشهيدين القواسمة وأبو عيشة صفعة شديدة للمنظومة الأمنية الصهيونية، فقد وقعت العملية في مربع غوش عتصيون الأمني المحكم الذي يعج بالجنود والرقابة الأمنية المشددة، كما نجح الشهيدان في إخفاء آثار الجثث الثلاثة ما شكل احباطا كبيرا للعدو الذي فشل طيلة 18 يوما في تحديد مكانها في عملية أطلق عليها (إعادة الأخوة)، ثم نجح الشهيدان وسط حملة مطاردة مكثفة وضع فيها العدو كل امكاناته في التخفي طوال ثلاثة شهور لم ينجح خلالها في الوصل إليهم. وكانت صحيفة يديعوت قد نشرت يوم 26 حزيران معلومة سمح الشاباك بنشرها تزعم أنه تمكن من تحديد الشهيدين كمنفذين محتملين للعملية.

واغتالت قوات العدو الشهيدين عامر ومروان في حي الجامعة في الخليل يوم 23 أيلول عام 2014 بعد أكثر من ثلاث شهور على عملية الخطف وبعد شن حملة عسكرية قمعية سميت (اجتزاز الرؤوس الكبيرة) اعتقل خلالها أكثر من ألف فلسطيني وشارك في بعض مراحلها أمن السلطة الفلسطينية، حيث حاصرت المنزل الذي تحصنا فيه قرب مسجد الرباط في حي الجامعة وأمطرته بالرصاص وطلبت منهما الاستسلام فلما رفضا قصفت المنزل بالقنابل ليعلن جيش الاحتلال "الذي لايقهر" انتصاره على شابين مسلحين ببندقيتين فقط، في عملية شارك فيها أكثر من ألف جندي صهيوني وطائرات استطلاع مسيرة.

أدى الفشل المركب للعدو في إنقاذ المستوطنين الثلاثة بداية ثم إيجاد جثثهم ثم العثور على الفدائيين، إلى صدمة كبيرة في المؤسسة الصهيونية الأمنية أسفرت عن إعادة نظر شاملة في الإجراءات والتعليمات الميدانية وتكاليف الضبط والسيطرة التي تمارسها قوات الاحتلال في الضفة الغربية. ووصفت المحكمة  العسكرية الصهيونية في قرارها ضد الأسير حسام القواسمة  عملية الخطف بأنه كان لها  تداعيات أمنية خطيرة على مستوى المنطقة.

كما صاغت العملية تصورا صهيونيا تجاه الأسرى المحررين باعتبارهم عنصر مقاومة مستديمة، جعل هذه السلطات تتشدد مع الأسرى وتبادر لاعتقال الأسرى المحررين لدى كل حادث أمني باعتبارهم يشكلون مادة أولى للاشتباه كما يزعم العدو.

تغيرات أمنية عميقة 

في تقرير نشره الإعلام الصهيوني يصف الصحفي يوشاي أوفير طريقة تعاطي العدو مع التهديدات اللاحقة بالخطف وينقل ما يزعم أنه نتائج تقرير الشاباك حول عملية 2014.

يقول الكاتب أن عملية خطف المستوطنين الثلاثة في "غوش عتصيون" عام 2014 أدت إلى   تغيير في التصور العسكري الصهيوني في الضفة الغربية المحتلة، حيث تم تركيب أكثر من 1000 كاميرا على الطرق في المنطقة، وزاد وجودها على الأرض. وقال مصدر امني "نحن نستعد لذلك، قمنا بتحسين القوى والبنى التحتية"،يشير التقرير إلى أن السنوات الثلاث شهدت تعاملا استراتيجيا مع قضية خطر الاختطاف من قبل القيادة المركزية باعتباره هجوم استراتيجي "ذي أهمية وطنية هائلة"، وأحد أكبر رغبات "المنظمات الإرهابية" بهدف التفاوض على إطلاق سراح الأسرى.

ويزعم التقرير أن الشين بيت والجيش الصهيوني نجحا في إحباط البنى التحتية لمخططي مثل هذه الهجمات، في حين استثمرت في الوقت نفسه موارد كثيرة في المنطقة من أجل تنفيذ ضربات استباقية، وخاصة الاستعداد لما يلي هجوم ناجح من هذا النوع خصوصا أن مرارة الفشل في الجانب الصهيوني تأتت عن الفشل اللاحق لعملية الخطف أكثر مما هو عن العملية بحد ذاتها.

ويتطرق التقرير بالتفصيل إلى نتائج التحقيقات التي تبعت عملية الخطف حيث يشير إلى أن لائحة الاتهام ضد الأسير حسام القواسمة، الذي ترأس البنية التحتية التي اختطفت وقتلت المستوطنين الثلاثة  ليلة 12 يونيو / حزيران 2014، كشفت قليلا عما حدث خلف الكواليس في الأسابيع السابقة للهجوم .

وزعم التقرير أن القواسمة اعترف للشين بيت أنه وزملاءه  قد بدأوا بالفعل الاستعدادات لعملية الاختطاف في نيسان / أبريل من ذلك العام، وقبل يومين من الاختطاف، سعى أعضاء الخلية إلى تحقيق هدف سهل للاختطاف - دون نجاح .

ووصف القواسمة خلال ساعات استجوابه الطويلة تبعا لتقرير الشاباك الصهيوني  أن زنزانة الاحتجاز للمخطوفين  كانت قد أعدت مسبقا مع سيارتين - الأولى مع لوحة ترخيص صفراء للخطف، وكانوا يخططون لحرقها بعد ذلك، فيما خصصت السيارة  الثانية للهروب. وبالإضافة إلى ذلك، قرر أعضاء الخلية القيام بعملية الاختطاف في غوش عتصيون بسبب قربها من الخليل، حيث أعدوا مخبأين للمختطفين، بما في ذلك تواريخ نقلهم من مكان إلى آخر.

وتبين حسب تقرير الشين بيت  أن التخطيط الأولي ليس موجودا فحسب، بل أيضا توفرت مبالغ كبيرة من المال لشراء المركبات والأسلحة. من خلال أفراد الأسرة، حيث زعم أن حسام القواسمة تلقى  150،000 شاقل من قطاع غزة في خمس جولات مع مبعوثين مجهولين.

وبالإضافة إلى ذلك، حصل أعضاء الفريق على 70،000 شاقل آخر واشتروا بندقيتي M-16 ومسدسين وذخيرة، والتي وردت أيضا سرا في صندوق من الورق المقوى. وعقدت اجتماعات تحضيرية في أحد المساجد في الخليل، حيث حددت موعدا للهجوم. كما اختار أعضاء الخلية علامة على الشارع مع علامة مع سبق الإصرار، ومعها كان المتعاونون في المجموعة يعرفون أن الطعام والشراب يحتاج إلى تجهيزه أماكن الاختباء.

وفي وقت لاحق، لم تنجح خطة الهجوم الأصلي للتفاوض مع الجنود المختطفين. في غضون دقائق قليلة، أطلق النار على المستوطنين المختطفين الثلاثة على مسافة قريبة، والتقدير أن حيلة أحد المستوطنين للاتصال مع الرقم  100 للشرطة، التي حاول فيها الإبلاغ عن اختطافه، أدت إلى الضغط على المختطفين لاختيار أن يخاطروا ويقتلوا المستوطنين. وقالت لائحة الاتهام ان الشهيدين مروان وعامر (الخاطفين) قررا قتل المستوطنين الثلاثة عندما رفضوا  قبول مصيرهم ورفضوا الاطاعة بأوامر خاطفيهم.

يقول التقرير أنه منذ ذلك الحين  تغير المفهوم العسكري في الضفة الغربية، وعلى سبيل المثال، تم تركيب أكثر من 1000 كاميرا على الطرق في جميع أنحاء المنطقة. هذا هو أداة أخرى يمكن أن تساعد في فك مثل هذا الهجوم، كما كان الحال بعد اختطاف المستوطنين الثلاثة.

وبمساعدة العشرات من الكاميرات، وبعضها لا ينتمي للجيش، تم فك الشفرة التي يستخدمها الجنود. وفي الوقت نفسه، فإن طرق السفر هي موضع التركيز الرئيسي الذي أعطي للقوات في بعثاتها. وعلى الرغم من أن موجة "الإرهاب" قد أعادت تهديد خطر إطلاق الصواريخ، فإن الخوف والاشتباه في الاختطاف موجودان أيضا.

وقال مصدر أمني صهيوني "أن الاختطاف هو أحد التهديدات التى نواجهها فى هذا القطاع، ولكنه ليس شيئا ملموسا بشكل دائم". وأضاف المصدر "لقد تحسنا ونحن نتخذ إجراءات ضد البنى التحتية التي نحددها وبالتأكيد ضد حماس التي ننفذ ضدها حملة أوسع".

ويشير التقرير إلى حملة القمع والتنكيل المستمرة التي تمارسها قوات الجيش الصهيوني ضد عائلات الشهيدين عامر ومروان حيث نفذت هجوما منذ أسبوعين سطت خلاله على أموال خاصة للأسر زعم الشاباك أنها مخصصة لابقاء الأسر في دائرة "النشاط الإرهابي". وزعم التقرير أن الأسر تلقت مبالغ كبيرة من حركة حماس "التي تعمل على تمكين أسر الإرهابيين في الشارع الفلسطيني وتجنيد الجيل القادم من الإرهابيين.

وبالإضافة إلى إنشاء الكاميرات، أنشأ العدو الصهيوني وحدة احتياطية للكشافة للمساعدة في البحث، وبعد العثور على جثث المستوطنين الثلاثة، قررت القيادة المركزية الصهيونية صياغة الوحدة المعروفة باسم "التخلص من السموم" والسكان والمرشدين السياحيين والخبراء الميدانيين المحليين الذين على دراية بالمناطق، ويزعم أن الوحدة سوف تكون قادرة على مساعدة وتركز القوى على عمليات البحث.

وقال ضابط كبير بعد تأسيس الوحدة، التي تعمل بشكل كامل: "إنهم لا يحتاجون إلى تدريب، بل هم في المنطقة أكثر مما نحن، ويمكنهم أن يقولوا لنا بشكل أفضل أين الكهف وأين يختبئ شخص ما" . ووفقا لبيانات جهاز الأمن الصهيوني الشين بيت، في كل من عامي 2015 و 2016 تم إحباط 34 نمحاولة خطف وهي في إطار النوايا.  

بمثابة خاتمة: بين جندي بوتقة الصهر والفلاح البديهي

تلك كانت التوجهات الصهيونية، ولكن هل تنتصر على توجهات المقاومين، وهل يمكن أن تنتصر الكاميرات وأعشاش السايبر والطائرات المسيرة والجندي المبرمج حسب أحدث طرق التدريب والمسلح بأحدث العتاد على بداهة الفلاح ابن الأرض المتمسك بكل حبة تراب، بل هل يمكن أن ينتصر الفلسطيني الجديد المصنع في مخابر دايتون على الفلسطيني الأصلي الذي لايغير ولايتغير، أم أن عامر ومروان ومعتز والفقيه ونشأت ومهند وباسل والآلاف غيرهم هم الفلسطينيون الجدد؟

ونختم بما نقلته لجنة الأسير الفلسطينيّ، منظّمة فرع السجون ما جرى قبل النطق بالحكم على حسام القواسمة: في صالة محكمة الاحتلال وقف حسام القواسمي المتهم بترتيب وقيادة عملية أسر المستوطنين الثلاثة في الخليل، ودار بينه وبين القاضي الحديث التالي:

القاضي: أنت متهم بقتل المستوطنين الثلاثة وسيتم الحكم عليك بثلاث مؤبدات.

-حسام: أنا أرفض المؤبد؟

-القاضي: لماذا؟

-حسام: أنا لم آمرهم بقتلهم، أريدهم أحياءً، لي ثلاثة أخوة معتقلين في سجونكم وأريد أن أحررهم.

-القاضي: لكنّك أنتَ مَنْ خطَّطت للعملية.  في نهاية المحكمة رفع حسام رأسه باتجاه القضاة قائلاً: أنتم حكمتموني ثلاث مؤبدات، وأنا أقول لكم (بِيْسَلِّمْ عَلِيكُم هَدَارْ وشَاؤولْ)… مشيرا إلى الجنديين الصهيونيين غير المعروف مصيرهما في غزة،  وقف القضاة في انزعاج شديد: ما الذي تقصده؟ فردّ حسام قائلاً: سأخرج رغماً عن أنفكم قريبًا.

أحمد مصطفى جابر

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر