Menu
حضارة

هل يكون 2015 عام قيام الفلسطينيين بتدويل الصراع مع إسرائيل؟

يذهب "ديفيد ماكوفسكي " بعيداً عندما يرى أن الفلسطينيين بهجومهم الدبلوماسي والسياسي في الأمم المتحدة، و توجيههم نحو الجنائية الدولة، إنّما يهدفون إلى انتفاضة دولية لصالح قضيتهم, وهو بذلك يتجاوز بعض الآراء التي رأت في هذا التحرك، محاولة فلسطينية لتدويل القضية بعد فشل العملية التفاوضية؛ بهدف المزيد من الحصار السياسي لإسرائيل.

 يشير ماكوفسكي, في بحثه القصير بعنوان "هل يكون 2015 عام قيام الفلسطيني بتدويل الصراع مع إسرائيل" والمنشور على موقع "معهد واشنطن" إلى أن التوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة محفوف بالمخاطر حتى بالنسبة لهم، خاصة أن هناك ما يشبه  الإجماع على أن  في حالة صدور أي قرار عن مجلس الأمن بخصوص الملف الفلسطيني الإسرائيلي، فإن هذا القرار سيتضمن اعترافاً فلسطينياً واضحاً بيهودية دولة إسرائيل. 

يتناول هذا البحث القصير، الوضع في قطاع غزة تحت سيطرة حركة حماس، ويشير إلى أن الرئيس "السيسي" طلب من عباس عند اجتماعهما فورياً في القاهرة فرض سيطرة أكبر على غزة، إلّا أن عباس اعترض على ذلك، والواقع أن كل هذا الأمر بحاجة إلى تدقيق، مع أن ديفيد ماكوفسكي هو الأكثر تخصصاً في معهد واشنطن كونه مدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط بالمعهد.

الدراسة التي نشرها معهد واشنطن/

زيارة إسرائيل والضفة الغربية اليوم أشبه بزيارة كوكبين مختلفين. فإذا بالمرء يتساءل إن كان الوضع القائم سيؤدي في نهاية المطاف إلى تصادم سياسي، إن لم يكن مسلح، بين الجانبين. ويكمن أحد الأسباب وراء هذه الفكرة في غياب الحديث عن أي مفاوضات مباشرة لدى كلا الطرفين. فمن جهتهم، يعمل الفلسطينيون على تطبيق استراتيجية دولية مزدوجة، في الوقت الذي ينشغل فيه الإسرائيليون بالانتخابات الوطنية المزمع إجراؤها في 17 آذار/مارس. ولدى الإسرائيليين كذلك أولويات أخرى تعتبر أكثر إلحاحاً من المحادثات، من بينها تقييم احتمالات التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، بالإضافة إلى التعامل مع النتائج العرضية للأحداث التي وقعت على الحدود مع إيران و «حزب الله» بالقرب من مرتفعات الجولان.

الفلسطينيون يعتمدون على "انتفاضة دولية"

يمكن إرجاع هذا الابتعاد الفلسطيني عن المحادثات المباشرة إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي سيبلغ الثمانين من عمره هذا الربيع. فاستراتيجيته المزدوجة تقضي بالدرجة الأولى السعي إلى الاستحصال على قرار واحد على الأقل من مجلس الأمن الدولي، وتوجيه اتهامات ضد إسرائيل أمام "المحكمة الجنائية الدولية" بالدرجة الثانية. ومن غير الواضح ما إذا كان عباس يعتقد أن هذه الاستراتيجية الجديدة ستنجح بالفعل أم أنه مجرد يحاول تعزيز إرثه السياسي. وقد لفت مسؤول أمني إسرائيلي بشكلٍ مشؤوم إلى وجود احتمالٍ كبير بأن يكون عام 2015 سنة "الانتفاضة الدولية"، ملمّحاً بذلك إلى التأثير المحتمل وغير المباشر لأعمال الرئيس عباس.

أما إسرائيل، وبهددف التصدي إلى المناشدة الفلسطينية للمؤسسات الدولية، فتحجز عائدات الضرائب الفلسطينية الشهرية المقدرة بنحو 127 مليون دولار، وهي أموال ضرورية لصرف رواتب المسؤولين الحكوميين - وتشكل أيضاً جزءاً مهماً من الميزانية الفلسطينية. وفي هذا السياق أعلن وزير خارجية السلطة الفلسطينية رياض المالكي الأسبوع الماضي أن الفلسطينيين سيأخذون قروضاً لتسديد 60 في المائة من رواتب شهر كانون الثاني/يناير. والآن دعا 75 سيناتور أمريكي وزير الخارجية الأمريكية جون كيري إلى قطع المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة أيضاً. ومن غير المرجح الإفراج عن الإيرادات الضريبية قبل تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة ربما في أواخر أيار/مايو.

وفي الواقع أن توجّه الفلسطينيين إلى الساحة الدولية يعكس انحرافاً عن الاهتمام الذي أبدته السلطة الفلسطينية بالسياسة الإسرائيلية المحلية سابقاً. ففي مواسم الانتخابات السابقة، كان الرئيس عباس يرحب بالوفود الإسرائيلية السياسية ويجري مقابلات عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية، ولكن في الوقت الحالي يبدو المسؤولون الفلسطينيون غير مهتمين بنتيجة الانتخابات الإسرائيلية. ويقول مسؤولون في السلطة الفلسطينية إن المجتمع الدولي، وليس القادة الإسرائيليين، هو الذي يحمل المفتاح الذي يحدد مستقبل الفلسطينيين. وقد أسفرت هذه المقاربة عن أجواء توتر تضمنت شكاوى واضحة من الأعضاء العرب في الكنيست الذين شكوا من أن المقاربة التي تعتمدها السلطة الفلسطينية قد تكبح الاقبال العربي الإسرائيلي على المشاركة في الانتخابات. وفي خطاب ألقاه خلال اجتماع في جامعة الدول العربية صرّح الرئيس عباس: "الإسرائيليون لن يعطونا شيئاً، لا قبل الانتخابات ولا بعدها. ولا نعول على من سيأتي للحكم [في إسرائيل] مرة أخرى... لا أعتقد أننا ننتظر شيئاً مفيداً بعد الانتخابات الإسرائيلية. ويجب أن يقنع العالم إسرائيل أن سياساتها خاطئة ويجب تغييرها."

وإذ يتصور المسؤولون في السلطة الفلسطينية أن خلاصهم هو بين أيدي مجلس الأمن الدولي و "المحكمة الجنائية الدولية"، يبدو أنهم يعتقدون أن فرنسا ستجدد مشروعها بفرض "مرجعيات" بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن حول كيان الدولة الفلسطينية وإنهاء النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، وذلك بعد فترة قصيرة من تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة. ويشمل ذلك العودة إلى حدود عام 1967 مع تبادل بعض الأراضي وإقامة عاصمتين في القدس . ويأمل الفلسطينيون أن تصوت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لصالح هذا المشروع أو أن تمتنع عن التصويت، لا أن تفرض الفيتو، وهو ما أقدمت عليه مرة واحدة فقط - في ما يتعلق بمسألة المستوطنات - في غضون ست سنوات. ومع أن الجمعية العامة للأمم المتحدة تصدر بانتظام قراراتٍ تعتبرها إسرائيل والولايات المتحدة معادية [لسياستهما]، سيشكل القرار المستقبلي الذي يسعى إليه الفلسطينيون القرار الأول الذي يصلح كنموذج للدولة الفلسطينية. وقد وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذه المقاربة بأنها حل مفروض على إسرائيل وأنها سترفضه، مع ذلك تبقى تساؤلات حول ما إذا كان حتى الفلسطينيون قد يقبلون بقرار يتضمن صيغ قد لا تروق لهم، مثل الاعتراف بإسرائيل كدولةً يهودية أو فرض القيود على إعادة تمركز اللاجئين الفلسطينيين. ففي كانون الأول/ديسمبر، تراجع الفلسطينيون عن دعمهم لمشروع قرار أولي لا يشمل سوى أدنى التنازلات.

أما في ما يخص مسار التوجه إلى "المحكمة الجنائية الدولية"، ففي 30 كانون الأول/ديسمبر - أي في الذكرى الخمسين لتأسيس حركة «فتح» - وقّع الرئيس عباس عشرين معاهدة دولية، من ضمنها "نظام روما الأساسي" لـ "المحكمة الجنائية الدولية"، الأمر الذي يمكّن المحكمة، من حيث المبدأ، ممارسة اختصاصاتها فيما يتعلق بالتطورات المستقبلية في الضفة الغربية وقطاع غزة ويخول أيّاً من الدول الـ 160 التي وقعت على هذا النظام أن تطالب بمثول إسرائيل أمام المحكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وقد اشتمل توقيع الرئيس عباس على "نظام روما الأساسي" على رسالة مرفقة تجيز سريان المفعول الرجعي ابتداءاً من 13 حزيران/يونيو 2014 - أي اليوم الذي يلي اختطاف مقاتلي «حماس» لثلاثة فتيان إسرائيليين في الضفة الغربية - للسماح بالتحقيق في حرب غزة التي اندلعت في الصيف الماضي. وفي غضون أسبوعين، أعلنت المدعية العامة لـ "المحكمة الجنائية الدولية" فاتو بنسودا أنها ستطلق تحقيقاً أولياً في حرب غزة. وعلى هذا الأساس، رفضت بنسودا خيار بأن تحدد أهلية السلطة الفلسطينية للتقدم بهذه الشكوى في المقام الأول. وخلال الصيف المنصرم، كتبت مقال رأي في صحيفة "الغارديان" قالت فيه إنّ بروز فلسطين عام 2012 كدولة غير عضو في الجمعية العامة للأمم المتحدة أهّلها للتوقيع على "نظام روما الأساسي".

وليس مستغرباً أنّ المناورة التي قامت بها السلطة الفلسطينية لدى "المحكمة الجنائية الدولية" أثارت غضب المسؤولين الإسرائيليين الذين يعجزون عن القيام بأي خطوة مضادة ضد «حماس» أمام "المحكمة الجنائية الدولية"، مع العلم بأن «حماس» نفسها هي التي تسببت بالحرب على غزة عندما أخذت تطلق الصواريخ عشوائياً على بلدات في جنوب إسرائيل.

ومن بين أحد التأثيرات الناتجة عن هذه المقاربة الفلسطينية هو إظهار القادة الإسرائيليين بصورة المجرمين وتردّي العلاقة بين نتنياهو والرئيس عباس. فوضع رئيس الوزراء الإسرائيلي في الخانة نفسها مع الزعيم الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش ليس أمراً يشجع على إقامة محادثات ودية. وثمة دلالات تشير أيضاً إلى ارتفاع عدد وزراء حزب الليكود الذين يريدون انهيار السلطة الفلسطينية، مع أن هذا العدد لا يشمل حتى الآن نتنياهو أو المهنيين الذين يتولون هذه القضية. ولكن، بغض النظر عن التفاصيل، فإن العلاقات الهشة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية قد أصبحت للتو أسوأ بكثير.

الجمود بشأن غزة

إن خمول السلطة الفلسطينية يطال الوضع في غزة، حيث تخشى السلطة الفلسطينية أن أي خطوة تقدم عليها لن تصب سوى في مصلحة «حماس». لذلك من المستبعد أن تدخل السلطة الفلسطينية غزة قبل خروج قوات «حماس» العسكرية منها. لكنها تأمل في هذه الأثناء أن تخرّ قوى المسؤولين في غزة بفعل الاستنزاف وغياب الدعم الدولي ليسهل عليها في النهاية استلام زمام السلطة هناك. وفي الوقت الراهن، على حد قول أحد المسؤولين الفلسطينيين، "تريدنا «حماس» أن نؤدي ثلاث وظائف لصالحها: نكون لهم - البواب، والصرّاف الآلي، ومتعهد البناء." بيد أن «حماس» لا تزال تحتفظ بسلاحها وبالتالي تقيّد السلطة الفلسطينية إلى حد كبير، حتى في الوقت الذي تتعرض فيه السلطة الفلسطينية للّوم بسبب عدم تقدم مساعي المصالحة الداخلية بين الفلسطينيين أو جهود إعادة الإعمار.

إنّ الجمود الحالي في غزة يثير تساؤلات أوسع نطاقاً، كالسؤال عمّا إذا كانت «حماس» قادرة على الالتزام بالقواعد وتحديداً قاعدة عدم استخدام السلاح. فتاريخها الدموي الذي تجلّى في العملية العنيفة التي شنتها «حماس» لطرد «فتح» من القطاع عام 2007، مصحوباً بالعديد من التفجيرات الانتحارية، يضع مثل هذه الحصيلة في موضع الشك. وبالفعل، لقد استمر الوضع القائم إلى حد كبير حتى بعد الصخب الإعلامي الذي أحدثته المصالحة بين «فتح» و «حماس» في الربيع الماضي والاستقالة الرسمية لمسؤولي «حماس» من مناصبهم الحكومية.

وخلال الزيارة الأخيرة التي قام بها محمود عباس إلى القاهرة، حثّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الزعيم الفلسطيني على فرض سيطرة أكبر على غزة. إلا أن الرئيس عباس اعترض على ذلك. وفي الوقت نفسه، قامت مصر في الأول من شباط/فبراير بفرض حظر على «كتائب عز الدين القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، وصنفتها كمنظمة إرهابية بسبب دورها المزعوم في مقتل 33 مسؤولاً أمنياً مصرياً في سيناء في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وكذلك أقدمت مصر على جرف أكثر من ألف منزل على مساحة تمتد مسافة كيلومتر واحد من المنطقة العازلة على طول حدودها مع غزة.

وتساهم جميع هذه العوامل في زعزعة الاستقرار في غزة، حيث أن المظالم المتواصلة لا تزال تشمل عدم دفع رواتب الموظفين الحكوميين. ولا يُعرف ما إذا كان الوضع في الأراضي سينفجر الآن أو ما إذا كانت جروح حرب غزة لا تزال مفتوحة، فهذا الموضوع يلقى الكثير من التكهنات والفرضيات.

المحصلة

تتمثل مقاربة السلطة الفلسطينية اليوم بالاعتماد على الدعم الدولي في حملتها المطالبة بالشرعية القومية والمناهضة لإسرائيل. ففي غزة تتحيّن اللحظة التي تضعف فيها «حماس»، إلا أن هذا النهج لم يجدِ نفعه حتى الآن. وقد تزيد آمال التعاطي الإسرائيلي - الفلسطيني المباشر مع انتخاب حكومة جديدة في آذار/مارس، إلا أن النبرة التي تهيمن على الخطابات الفلسطينية تدل على عكس ذلك.