على مدار الساعة
أخبار » آراء

الواقع العربي ...تداعيات سياسية و اخطار محدقة

19 تشرين ثاني / يونيو 2017

 افرزت المرحلة الاستعمارية الكولنيالية على الوطن العربي والتي استمرت عقودآ طويلة مجموعة من التناقضات والتعارضات على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لم تستطع حركة الاستقلالات الوطنية التي شهدتها الاقطارالعربية حسمها بعد وذلك بسب عدم القدرة على الانفلات من الاطر الاقليمية فقد ظلت اشكالية التجزئة السياسية الممنهجة للمنطقة العربية قائمة بعد حصول الاستقلال بل وتكرست اكثر وازدادت مخاطرها بسب بروز اشكاليات الاقليات العرقية والطائفية خاصة في المشرق العربي والتي تحاول الدوائر الامبريالية الغربية توظيفها لخلق دويلات ظائفية كما يخطط الان للعراق ولسوريا .. والواقع ان الوضع الاجتماعي الطبقى للانظمة العربية ولحركة التحرر العربية قد ساهم ايضآ كل منهما بدوره فيما وصلت أليه امور الواقع العربي من تجزئة وتشرذم وعدم القدرة على اتخاذ أي قرار نتيجة لسياسة التبعية لمراكز الرأسمالية الغربية من جهة وهيمنة الخط الاصلاحي على فصائل العمل الوطني والقومي والديمقراطي من جهة اخرى وقد نجم عن سياسة التبعية هذه ان اصبحت المنطقة العربية مفتوحة امام مخاطر الهيمنة الغربية الكاملة في ظل فشل التجارب الاستقلاية القطرية في وضع خطط تنموية شاملة .. غير ان التناقض الرئيسي الذي يبقى قائمآ ومطروحآ بحدة في المنطقة العربية طالما بقيت المسألة الفلسطينية بمنأى عن الحل الشامل والعادل هو التناقض مع الدولة العبرية مع ما تمثله هذه الدولة في كيانها الاستيطاني العنصري الاجلائي في ظل ترسيخ مفاهيم التجزئة السياسية الممهنجة من نموذج خطير قابل للتعميم على صعيد العلاقات العرقية والطائفية واستنادآ الى طبيعة هذا الواقع القائم فان الصراع يبدو واضحآ بين الامة العربية وقواها التحررية من جهة وبين قوى الاستعمار العالمي والصهيونية العالمية والرجعية العربية من جهة اخرى , صراع بين مشروعين متناقضين على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاستراتيجية مما يجعل احتمالات المواجه السياسية وحتى العسكرية قائمة من اجل اعادة رسم خارطة المنطقة وفق مصالح كل منها ..

 

اما اسرائيل والولايات المتحدة فان كل منهما تعملان على ترتيب اوضاع المنطقة بما يضمن بالدرجة الاولى تفوقهما الاقتصادي فتتبنى كل منهما في هذه المرحلة الدعوة الى نظام اقتصادي وسياسي لشرق اوسط جديد يتم فيه ألغاء كل مقومات ومعطيات الوجود القومي العربي ومردوده على مستوى العلاقات الاجتماعية العربية طبقة اجتماعية منتفعة بل شرائح قليله منها اما الجماهير العربية العريضة فهى ستتحول الى جماهير منكوبة بالفقر لآن الاطراف العربية في هذا النظام الجديد مقرر لها أن تكون مفردات ترتبط بالمركز الرأسمالي لانها لا تستطيع ان تصيغ بحكم تخلفها الصناعي علاقتها الاقتصادية من خلال مبدآ التكافئ وستسعى الدولة الصناعية الكبرى على وضع العراقيل امامها حتى لا تقوى على الانفلات من أطار التبعية الاقتصادية وهذا من شأنه ان يفتح المجال واسعآ في المستقبل لتحقيق الهيمنة الاسرائيلية والامريكية والغربية بصورة عامة على مقدرات المنطقة وهكذا فان الغزو القادم الذي يخطط له في الدوائر الامبريالية والصهيوينة هو غزو اقتصادي بالدرجة الاولى بالاضافة الى طابعه الامني الاستراتيجي وهو غزو اكتر ضررآ وخطورة من الغزو الاستعماري السابق الي شهدته البلدان العربية منذ اوائل القرن الماضي لآنه غزو سيصادر كل خطط التنمية العربية وسيرهن كل الاقتصاد العربي لمصلحة الاحتكارات الغربية التي تتميز بتعاظم نفوذ الدوائر المالية اليهودية واذا كان قد حدث في الفترة الاخيرة تراجع على صعيد فكرة الشرق الاوسطية فهو في الواقع تراجع مؤقت بسب استمرار سلطة الليكود والائتلاف اليميني على سدة الحكم في اسرائيل حيث لايتحمس هذا الحزب اليميني وغيره من الاحزاب القومية والدينية المتطرفة لهذه الفكرة بسب ان كل سياساتها موجه لتكريس الطابع اليهودي التوارتي للدوله وهذا بخلاف حزب العمل و قوى المعسكر الصهيوني الاخر الذي يسعى في حالة فوزه بانتخابات برلمانية قادمة لاقامة نظام اقتصادي اقليمي واحد على مستوى الشرق الاوسط من شأنه ان يوفر الامن الاقتصادي والمائي والغذائي وبذلك يتحقق التطبيع الكامل مع الكيان.

وليس من شك في ان مشروع الشرق الاوسط الجديد هذا هو فكرة اسرائيلية بالاساس وان الولايات المتحدة معنية بالدرجة الاولى بنجاحها اعتمادآ على فكرة الفوضى الخلاقة التي اعتمدتها السياسة الامريكية في الوصول الى رسم خارطة جديدة للمنطقة العربية وان العديد من المؤشرات والمواقف تؤكد ان ما يجري في المنطقة العربية الان من احداث متسارعة هو ليس بعيد عن هذه السياسة حيث تستغل الولايات المتحدة الحركات الشعبية المناهضة للاستبداد السياسي والقمع وكذلك موضوع الإرهاب الدولي ومحاربة خطر انتعاش القوى السلفية الجهادية المتطرفة ودموية وتكفيرية البعض منها كتنظيم داعش وذلك في صياغة نظام عربي جديد يضمن لها مكانتها ويبقى على مصالحها في المنطقة .. ان التدخل الامريكي والغربي بصورة عامة واطراف اقليمية وانظمة عربية رجعية معروفة تاريخيآ تبعيتها للمعسكر الغربي الاستعماري .. هذا التدخل في شأن المنطقة ما هو الا صورة من صور التأمر الامبريالي الصهيوني الرجعي لتحقيق هذا النظام الاقليمي الجديد وذلك على حساب المشروع القومي الديمقراطي التحرري حيث العداء واضحآ عند هذه الاطراف للروح القومية العروبية وللنزعة الديمقراطية التحررية ولكل القوى الثورية والتقدمية واليسارية وانه بسب هذا التدخل الذي من شأنه ان يحرف نضالات شعوب المنطقة عن الاهداف التي انطلقت من اجلها وهي اهداف مشروعة ضد استبداد السلطة السياسية القمعية الحاكمة التي اشاعت اجواء الفساد في مجنمعاتها وضد التقدم وتكوين مجتمعات ديموقراطية تأخذ بمنهجية الحداثة... بسب هذه التدخل وما ينتج عنه من تأثير على مجريات الامور في المنطقة العربية فأن الواقع العربي اصبح الان ميدانآ للصراع بين القوى الاقليمية والدولية وساحة للمواجهة بين قوى الاستقطاب الجديدة وهذا يعني بوضوح ان ما سمى بالربيع العربي لم يعد صراعآ كما هو بالاصل بين قوى المعارضة العربية سواء كانت سياسية او مسلحة والانظمة الاستبدادية الحاكمة بهدف التغيير الديمقراطي بقدر ما اصبح الهدف هو اقامة انظمة سياسية جديدة تلتحق بهذا المحورالذي تشكل او ذاك!ّ

وهكذا فأنه بالارتباط بهذا الواقع السياسي الجديد الذي طفى فيه التباين اكثر من اى وقت مضى في المنطقة بين الاتجاهين الديني والعلماني الديمقراطي فأن القضية الفلسطينية في ان تكون هي مركز للتناقض الرئيسي في المنطقة قد تراجعت كما تراجعت ايضآ خطط التنمية المحلية بسبب الانفلات الامني وعدم الاستقرار كما هو حادث الان في مصر وتونس وليبيا واليمن.وسوريا والعراق مما يدفع بالكيانات السياسية العربية جميعها سواء الذي افرزها واقع التجزئة عقب الاستقلالات القطرية او الواقع السياسي الجديد الذي يترتب عن التدخل الامبريالي الرجعي ..مما يدفع هذه الكيانات بالالتحاق بالدول الكبرى خاصة الصناعية منها كاطراف مهمشة في النظام الدولي وبالمراكز الرأسمالي العالمي...

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

محمّد جبر الريفي

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر