Menu
حضارة

الذكرى الـ42 لرحيل قنديل الخط العربي "هاشم البغدادي"

هاشم البغدادي

بوابة الهدف_ بغداد_ وكالات:

استذكر الخطاطون العراقيون، في آخر يوم من شهر أبريل الماضي ذكرى مسيرة قنديل فن الخط العربي هاشم محمد البغدادي، بمناسبة الذكرى الثانية والأربعين لرحيله.

الواقع الذي لمسناه جليا، يؤكّد بأن مئة بالمئة من الخطاطين الذين درسوا الخط العربي، في مشارق الأرض ومغاربها، قد تخرجوا من معطف مدرسة الخطاط العراقي هاشم البغدادي ولا يزالون، من خلال كراسته الشهيرة “قواعد الخط العربي” التي صدرت عام 1961، حيث وضع فيها قواعد جميع أنواع الخط العربي وقياساته الدقيقة، كحروف مفردة أو مركبة، مزينة بلوحات رائعة التركيب.

هو الخطاط الشهير المرحوم أبو راقم هاشم محمد الحاج درباس القيسي، المعروف بالبغدادي المتوفى في ليلة 30 أبريل 1973، والمولود عام 1917 في محلة خان لاوند ببغداد، يعدّ علما بارزا من أعلام الخط العربي في العالم العربي والإسلامي.

وقد كان الراحل أنموذجا فريدا ومتميزا للخطاط والفنان المتقن لفنون وأشكال الحرف العربي، الذي أجاد بكل ما يملك من موهبة وثقافة اكتسبها منذ طفولته لرسم الحرف رسما دقيقا متكاملا سليما، معافى، بعيدا كل البعد عن جميع التيارات التي حاولت اقتلاع أصالة الحرف من جذوره، أو تشتيته.

وقد أضاف البغدادي، رونقا جديدا لشكل الحرف وسيولة أبعاده، بعد أن أدرك أصالته ومرحلية تطوره منذ سلالة الخط الحيري حتى مدرسة الخط الفني المعاصر، فحاول من هذا الإدراك أن يعطي للحرف اكتماله وصورته المرنة، وعبر امتيازات اجتهادية فنية رائدة.

لقد استطاع البغدادي بقدرته الذكية أن يتفوق بجدارة على بعض الشوائب التي لازمت الحرف، فبادر برصد التجويد المتقن لملامحه وإدراك أسراره، فجدد الأصول ونقح المناهج، رافضا رفضا قاطعا المفهوم التجاري الذي يهدم بنيان فن الخط العربي، وعبر عن استيائه العميق من مسألة الخروج عن القاعدة التي رسمها أسلافه الخطاطون من قبله، كذلك لم تكن في نظره كتابة الحرف المعروفة، بل كان عالما روحيا عميق الدلالة والمعنى.

وقد اشتهر البغدادي بغيرته على قواعد وأصول الخط العربي وضبطها وعدم التسامح في تغيير صورته الجمالية، بل أكد على الإبداع في تجويد الحرف. ولو تفحصنا مليا مسيرة البغدادي الفنية، للمسنا بوضوح أنه قد رسم ملامح متميزة خاصة لصورة كتابة الحروف دون المساس أو الإخلال بقواعدها.

ويتجلى ذلك بوضوح مثلا في خط الديواني الذي رسمه وفق طريقة خاصة، والذي يختلف تماما عن الخط الديواني الذي عرفناه من كراسات الديواني للخطاط المشهور مصطفى غزلان، أو ديواني الأتراك.

إن مثل هذا الإبداع لم يأت بطريقة اعتباطية، بل جاء وليد مسيرة شاقة وطويلة، مليئة بالصبر العنيد والتضحية الجادة والولع الشديد، وهيامه وحبه لفن الخط وقدسيته الدينية لمكانة الحرف الذي أخذها منذ صباه من خلال تعلمه وحفظه للقرآن الكريم على يد الملالي.

ولم يتشتت البغدادي منذ بداياته في هوايات أخرى، فقد صب جل جهده ووقته لاستقصاء أسرار وألغاز فن الخط حصرا، وكتابة المشوقات المستمرة، وإجادته أنواع الخطوط العربية بضروبها إجادة تامة، كل ذلك جعل خطه يمتاز بالقوة والرشاقة وتنسيق جمالية التركيب، وتكوين الموضوعات الفنية بأشكال هندسية وزخرفية متناسقة فنيا وفكريا، فضلا عن جعل كتاباته المتناظرة إيقاعا موسيقيا جميلا ذا قيمة جمالية عالية.

أصدر البغدادي سلسلة من أربعة أجزاء في “خط الرقعة” سنة 1946، وهي معدة للتعليم في المدارس الابتدائية، إلاّ أن إصدار مجموعته الرائعة “قواعد الخط العربي” سنة 1961، كانت أهم وأرقى مجموعة للخطوط العربية كافة ظهرت حتى الآن في العالم العربي والإسلامي، بل تعدّ بمثابة مدرسة إبداعية وتعليمية شاملة.

ومن آثاره المهمة كذلك التي يعتز بها كثيرا “مصحف الأوقاف” الذي طبعته مديرية المساحة العامة ببغداد لأول مرة سنة 1370هـ، بإشرافه على نسخة للخطاط محمد أمين الرشدي، ثم أعيد طبعه في ألمانيا مرتين، وقد قام بتذهيبه وترقيم آياته وكتابة عناوين السور والأحزاب والسجدات، كما صنع زخرفة رائعة لفاتحة الكتاب وأول سورة البقرة، فكان بحق تحفة فنية نادرة ونفيسة، وقد وصل إليه وسام تقدير من البابا لفنه الذي استخدمه في زخرفة المصحف الشريف الذي طبعه في ألمانيا.

كذلك زين البغدادي الكثير من المساجد في بغداد وأماكن أخرى في العراق بأروع ما رصعته أنامله من خطوط الكتابة على المحاريب والقباب والمآذن، فكانت في غاية الفخامة والروعة والعظمة من حيث حسن التراكيب والتداخل بين الحروف، فضلا عن تصميمه وخطه للكثير من المسكوكات والعملات النقدية لعديد من الدول العربية، وهذا ما يدل على انتشار صيته وشهرته ومكانته الرفيعة بين الدول والنخب الفنية.

 

نقلاً عن: العرب