Menu
حضارة

غسان وأعداء الفكر

غسان وأعداء الفكر

بوابة الهدف

ننشغل في ذكرى استشهاد الأديب والمفكر والقائد غسان كنفاني   في تذكر صفاته الشخصية، بطولته، استشهاده، قدراته، ولعامٍ جديد على استشهاده سننشغل في هذه الزاوية بتناول علاقة غسان بالمشهد الفلسطيني الراهن.

الأديب والمفكر الذي كانه غسان لم يأت من فراغ فكري أو من فضاء عدمي، فلقد ارتكز بالأساس على قاعدة قيمية وأخلاقية متينة وفكرية متطورة ومتجددة، وكان جزء لا ينفصم عن المطبخ الفكري لحزبه ولتيار تحرري تقدمي عريض واسع الانتشار حول العالم آنذاك، غسان كان منظر أساسي لهذا التيار بوصفه جزء من الجبهة الشعبية التي الهمت مشارب شتى من حركات التحرر حول العالم.

لقد كانت فلسطين تسكن حياة غسان، وأدبه وأعماله كافة، ولأجلها حدد مصيره بيده، فكانت جدلية الحياة والموت حاضرة بكثافة فيها فقد كانت بالنسبة له الحياة امتداد للموت كما كان الموت امتداداً للحياة، أي أنه لا انفصال بين إرادة الانسان واختياره لطبيعة وشكل الحياة التي يريدها وقرار الموت على طريق معادلة الحياة / الحرية.

في سياق التراجع الفلسطيني، وانهيار السقف الوطني، والتراجع العام للقوى التقدمية، بات هناك تنظير ضد الفكر الوطني والتقدمي بالإجمال وضد معتنقيه، يتعامل مع الوقائع باستخفاف يشرعن مقاربتها دون أدوات تحليل، ودون إيمان بموقف ثابت، وطبعاً بتنظير واضح ضد التحزيب والتنظيم، وهو ما يبدو كجموح جاذب في نظر البعض أو تمرد مطلق، ولكن الحقيقة المقابلة تقول أن هذا إخلاء لساحة الفكر من الأيديولجيا الحقيقية وافساحاً لها امام وطأة القوة المادية للمنظومة الرأسمالية بأذرعها وتجلياتها المختلفة.

في استذكار غسان يحضرنا العجز الوطني في مجال الفكر والأدب والسياسة، وهو ما يرتبط بالضرورة بشيوع المقاربات التسطيحية للأدب او الفكر أو الممارسة السياسية باعتباره "تعبير حر" قد يأتي بمعزل عن العملية النضالية أو البنية الفكرية، أي أننا نتضرع لولادة مفكر أو أديب تحرري في سياق غير تحرري، وهو وهم علمنا غسان الكثير عن عدم قابليته للتحقق.

أمنيات كثيرة قد تجتاحنا في ذكرى استشهاد الدم الذي كتب لفلسطين، والعقل الذي فكر فيها ولأجلها، والفكرة التي تمضي ولا تموت، والبندقية التي لا زال يحملها رفاقه على درب التحرير.

يحضرنا غياب الوفاء من كتبة اتقنوا استحضار اسم غسان وإنكار بيئته وسياقه وبطولته وسلاحه، السياق الذي يمثله اليوم أبطال المقاومة الذين ينتظرون انضمام اصحاب الأقلام لقضيتهم بدلاً من الحديث عنها.