Menu
حضارة

عن الطيار الإسرائيلي وأرجوحة العيد..

طفلة تستنجد بعد قصف استهدف منطقة بغزة خلال عدوان 2014 الصهيوني على القطاع - ارشيفية

للكاتب والشاعر خالد جمعة - عبر

في نهاية تموز 2014، في الثامن والعشرين منه، قصف طيّار إسرائيلي "محترف" أرجوحة العيد في مخيم الشاطئ في غزة، تساقط الشهداء على وحول الأرجوحة:

عن الطيار الإسرائيلي وأرجوحة العيد

الطيارُ الإسرائيلي، في طائرته الحديثة، يحوم ويراقب المشهد، ويحتسي زجاجة كوكا كولا...

في الثامن والعشرين من تموز من العام 2014، كان عيد الفطر يمشي ببطء باتجاه غزة، يقدّمُ رجلاً ويؤخر الأخرى، كان يسمع أصوات الصراخ ويتردّدُ أكثر، فقد اعتاد أن يتم استقباله بالورود الحمراء، لكنّ غزة كانت كلها حمراء، ولم يكن ذلك ورداً على الإطلاق.

الطيارُ الإسرائيلي، في طائرته الحديثة، يحوم ويراقب المشهد، ويحتسي زجاجة كوكا كولا...

من كثرة الشهداء، من كثرة المجازر، نسينا أن المأساة لا تلغي المأساة، والأطفال الذين ماتوا، ربما لم يعد لديهم غير مطلب وحيد، أن لا يتم نسيانهم، وتحويلهم إلى أعدادٍ تضاف إلى القائمة الطويلة في رياضيات فلسطين، ذلك المنهاج الرقمي الذي لا يضاهى.

الطيارُ الإسرائيلي، في طائرته الحديثة، يحوم ويراقب المشهد، ويحتسي زجاجة كوكا كولا...

لم تفارق ذهني منذ أعوام، صور اليد التي تقبض بقوة على شيكل، والشيكل لمن يسكنون خارج فلسطين هو عملة معدنية صغيرة، تُعطى للأطفال كي يشتروا الحلوى، أو يصعدوا إلى الأرجوحة التي عادة ما تكون عبارة عن قضبان من الحديد، ركّبها أصحابها على عجل لتستخدم في أيام العيد وبعد ذلك تتم إزالتها، ليسعدوا أطفال المخيم من جهة، وليكسبوا بعض القروش من جهة أخرى.

الطيارُ الإسرائيلي، في طائرته الحديثة، يحوم ويراقب المشهد، ويحتسي زجاجة كوكا كولا...

يشاهد من مكمنه البعيد أطفالاً كثيرين، يجري مكالمةً مع زوجته، ويحتدُّ، قلت لك إنهم يصنعون الأولاد في مصنع تحت الأرض، بالأمس قتلتهم، واليوم عادوا أكثر مما يحتمله منظاري اللعين.
تردُّ زوجته بغنج: يا حبيبي، لا تقلق رأسك الغالية عليّ، اقصفهم وتعال إلى الغداء، فقد جهزت لك أكلتك التي تحبها، والأولاد في انتظارك.
يعطيها قبلةً على جهاز الاتصال، ويغلقه.

الطيارُ الإسرائيلي، في طائرته الحديثة، يحوم ويراقب المشهد، ويحتسي زجاجة كوكا كولا...

يدور الأولاد حول بعضهم في دائرة، فوقهم لم تعد هناك حمامات ولا عصافير، فالطيور تخاف من الطائرات، كالبشر تماماً، فتلجأ إلى أعشاشها.

الطيارُ الإسرائيلي، في طائرته الحديثة، يحوم ويراقب المشهد، ويحتسي زجاجة كوكا كولا...

أولاد ملونون، يكزُّ الطيّارُ على أسنانه، لماذا يضحكون مع كل هذا الموت؟ لو خيرتني قيادتي بين قتلهم أو سرقة ضحكاتهم، لاخترت سرقة ضحكاتهم، فهذا أقل تكلفة، لكنه أكثر صعوبة، هذا الولد بالقميص الأحمر يفقدني صوابي، إنه يضحك أكثر من الجميع.

الطيارُ الإسرائيلي، في طائرته الحديثة، يحوم ويراقب المشهد، ويحتسي زجاجة كوكا كولا...

يتفحّص مخزن الوقود في الطائرة، لا بأس، فيها ما يمكنني من الطيران لساعات أخرى، يتفحص الصواريخ، ما زالت هناك، جاهزة للإطلاق، محمّلة بالموت الذي يحبُّه.

الطيارُ الإسرائيلي، في طائرته الحديثة، يحوم ويراقب المشهد، ويحتسي جرعة أخيرة من زجاجة الكوكا كولا...

يتذكر أطفالَه ويبتسم، هم أحق بالحياة، فهم نظيفون، أذكياء، خفيفو الظل، ليس كهؤلاء القذرين الفقراء، يكفي أن يكونوا عرباً وفلسطينيين لتنتزع صفة الإنسانية عنهم، يتمنى في هذه اللحظة لو أن ابنه دانيال وابنته سِمحا، إلى جواره في الطائرة، فمن الجميل أن يريا ما يفعل أبوهما، هذا أفضل كثيراً من رواية ما يفعله، تخطر له فكرة رائعة فيضغط زر كاميرا التصوير الشخصية ويضعها على جهاز الراداد في الطائرة، هكذا يمكن لولديه الاستمتاع بالمشهد فيما هو يرويه.

الطيارُ الإسرائيلي، في طائرته الحديثة، يحوم ويراقب المشهد، وجهه يتخذ شكلاً جدّياً أكثر...

ها هو الصليب الذي يوجهه شعاع الليزر، أرجوحة العرب مضحكة، تكاد أن تفلت مفاصلها مع كل دفعة، لو أن لدي الوقت الكافي، لتركتهم لتسقط الأرجوحة بهم، ولكن لا وقت للعب، علي أن أقتلهم قبل أن يبرد الغداء.

الصليب على الأرجوحةِ تماماً، هناك ثمانية أطفال على الأرجوحة، وسبعة أطفال حولها، والكثير من الناس الذين يمكن اعتبارهم زائدين عن الحاجة، الأطفال هم ما يهم، الصليب جاهز في المكان تماماً، ولكن لحظة... أين الولد بالقميص الأحمر، أريده من بينهم، لن يكون لموتهم معنى إذا ظل حياً.

الطيارُ الإسرائيلي، في طائرته الحديثة، يحوم ويراقب المشهد، ويحتسي زجاجة كوكا كولا أخرى...

يضع يده على زر الإطلاق، يبتسم مرة أخرى، يطير الصاروخ أفقياً قليلاً، ثم ينحني ويتجه إلى مركز الأرجوحة، وقبل أن ينفجر بعشر ثانية، يدركُ الأولاد الأمر، لكن الوقت لم يعد يكفي حتى لإغماض العينين.

يتناثر الأولاد أعلى كثيراً مما تتطلبه حركة الأرجوحة، في الجزء القصير جداً من الوقت ما بين طيرانهم وموتهم، يتحشرجون بالسؤال، وبالطبع لن يتلقوا أية إجابة، لا من الطائرة، ولا من الصاروخ، ولا من الطيار.

ينفجر الأولاد في مخيم الشاطئ، في يوم عيد، يتمزقون، ويربّتُ الطيّارُ على معدن الطائرة مبدياً لها الامتنان، والفخر بدقتها، ويدير مقدمتها نحو الشمال، ليتمكن من اللحاق بموعد الغداء.

في بيته، يشاهد نتائج فعلته التي أخذ يعرضها على ولديه، الكثير من الجثث، الكثير من الأشلاء، الكثير من الأطراف المبتورة دون أن يموت أصحابها، ولدٌ يمسك شيكلاً في يده، ميتٌ ويده مضمومة على الشيكل كي يدفعه لصاحبة الأرجوحة، مات قبل أن يأتي دوره، مات قبل أن يفهم ما يحدث حوله.

في الليل، أخذ الطيّارُ يقلّبُ المحطات، كان ينقصه شيء واحد، أن يعرف العالم أنه هو من فعل ذلك، تباً للأسرار العسكرية، لماذا عليّ أن أقوم ببطولة كهذه دون أن يتمكن أحد من معرفتي غير زوجتي وأولادي...

فجأةً، اتسعت حدقتا عينيه، لا... هذا مستحيل، لقد صوبت الصاروخ حيث كان يجلس تماماً، يصرخ، فيما تصحو زوجته مفزوعة من النوم على صدى صراخه، ولم تفهم بالضبط لماذا كان يصرخ، ولماذا كان يثبت صورة التلفزيون على ولد فلسطيني يرتدي قميصاً أحمر، ويهتف في جنازة تشييع الأولاد...