Menu
حضارة

القدس بخير .. أنتم في خطر

القدس بخير .. أنتم في خطر

بوابة الهدف

لم تنطلق دعوات الجهاد هذه المرة، فالأمر جداً هامشي، إنه يتعلق بالمسجد الأقصى أحد أقدس بقاع الأرض لدى المسلمين وأول قبلتيهم وثالث حرميهم، وفي أوساط المنشغلين بـ" قضايا الأمة" فإن الأمر غير ذي شأن قياساً بما تُطلق دعوات الجهاد لأجله يومياً، ونداءات القتال وحشد المقاتلين والمتطوعين وضخ الأموال وافتتاح الفضائيات والموجات الإعلامية، فهذه الجهود كلها يتم ادخارها وتوظيفها في حروب التدمير الذاتي، وفي الشحن الطائفي المسموم الذي لا يخدم إلا مصالح أعداء الشعوب وأذيالهم في المنطقة.

الحقيقة بسيطة، جل هؤلاء هم أعداء حقيقين لقضية فلسطين وشعبها وشعوب هذه الأمة، بل والأسوأ أن أياً منهم لا يؤمن بحرف مما يتلفظ به حول قضايا الأمة ومصالحها، بل يؤدي دور وظيفي في خدمة قوى الهيمنة وأدواتها في المنطقة، وقد يكون التعميم في نظر البعض خاطئ قبل أيام من الآن، ولكن الجرد وكشف الحساب الفاضح لقائمة مواقف هذه الأطراف بعد إغلاق الاحتلال للمسجد الأقصى يوضح سوء نية هذه الأطراف، فإذا كان مُضّيهم في سياسات وخطاب التحريض الطائفي ناتج عن اندفاع أو انفعال عاطفي أو تعبئة خاطئة فأين هذا الانفعال والاندفاع الآن، أم أنه يعمل بالريموت كونترول، ويختفي بضغطة زر إذا كان الأمر يتعلق بالصراع مع الكيان الصهيوني، أو يتعارض مع رغبة الولايات المتحدة وقوى الهيمنة.

هؤلاء الذين أرسلوا المقاتلين لكل بقعة في أقاصي هذا الكوكب، لم يُوجهوا ولو دعوة واحدة للتظاهر على حدود فلسطين، ولم يذكروا ولو كذباً أي تلميح عن ضرورة مواجهة الكيان الصهيوني، أو سياساته على أقل تقدير.

بكل حال، إن ذكر سلوك هذه المنظومة ليس هو لُب الموضوع، ولكن ملاحظة الانكفاء والتقاعس الجماهيري، تجاه قضية فلسطين حين تضرب في عنوان لها كالمسجد الأقصى، هو مقياس لما أحدثته منظومة التخريب آنفة الذكر في هوية وبنية واستعدادية مجتمعاتنا العربية، فعملياً ما جرى في السنوات الأخيرة هو استهداف مُمَنهج لمركزية ورمزية القضية الفلسطينية، وعبث خطير في سلم الأولويات العربي، يهدف ضمن جملة من الأهداف لطمس هذه القضية في وجدان الشعوب العربية، وإعطاء ضوء أخضر لتصفيتها، بدايةً بعزلها وقطع شريانها العربي.

والحديث هنا ليس عن سياسات عشوائية، ولكن عن اصطناع مقصود للأعداء الوهميين، والأخطار المزعومة، وتخليق للمعارك العبثية المدمرة، لتحقيق الإشغال الكامل عن العدو الحقيقي وهو العدو الصهيوني.

هذه الجماهير الساكنة هي ذاتها في 2011 كانت تزحف لحدود فلسطين في مسيرات لأجل حق العودة، ويقدم أبنائها دمهم وأرواحهم فداء لفلسطين، ولكن اليوم هناك ماكينة توظيف وتشغيل ضخمة تدفع المال وتضخ الجهود، وتسير الإعلام تجاه عناوين خبيثة محددة، كثير النشطاء والكتاب نقلوا البندقية والقلم والراية لليد الأخرى وقفزوا من خندق المواجهة مع العدو الصهيوني والتضامن مع قضية فلسطين لمواقع أخرى أقل ما يقال أنها مشبوهة.

فلسطين أيضاً لم تنجو من ويلات الانقسام الذي لا يجوز أن نطلق عليه انقسام سياسي فحسب، فقد جاء تصاعد الحدث المقدسي تزامنا مع تصاعد غير مسبوق في وتيرة التمزيق والتفرقة الفلسطينية، ومع ذلك لم يشكل هذا التصاعد سبباً لوقفة حقيقية مع الذات لمواجهة ما يجري، ولحماية القضية الوطنية من مخططات التصفية التي يجري الاعداد لها على قدمٍ وساق.

فلسطين باقية، وشعبها لن يستسلم، هذه رسالة القدس ، المدينة والعاصمة العربية التي ستنتصر، حتى لو تخلى عنها كل هؤلاء، وعليهم حينذاك النظر في مصائرهم، فمن المؤكد أنهم اختاروا الجانب الخاسر في المعادلة النهائية للصراع، فالشعوب حتما ستنتصر.