Menu
حضارة

ذبح الانتصار

ذبح الانتصار

بوابة الهدف

هناك دوماً وصفة لإفراغ أي إنجاز وطني من مضمونه وإسقاط مفاعيله ومنع ترجمته لعناصر قوة في معادلة الصراع مع الكيان الصهيوني، هذه الوصفة ذاتها يجري استخدامها ضد الانتصار الفلسطيني المقدسي، حيث تتعدد الأدوات والمداخل في كل مرة، ولكن العامل المشترك هو محاولات التفكيك ومنع تحول الانتصارات الجزئية لروافع لنهوض حالة وطنية شاملة.

العنصر الأول في هذه المعادلة هو عزل القضية المقدسية وقضية المسجد الأقصى عن سياقها كجزء من النضال الفلسطيني للتحرر الوطني، وحصرها في خانة معركة لأجل ضمان حرية الوصول للمسجد الاقصى، في إطار يعزلها عن الصراع الكلي مع الكيان الصهيوني ويسمح بخنق تأثيرها، هذا اتسم مع مسار آخر يعطي أبعاد أسطورية لنموذج البطولة والتصدي الشعبي المقدسي، كما لو كان حالة خارقة أو غير طبيعية، باتجاه يحول دون اعتباره نموذج للنضال الشعبي الواجب على الشعب الفلسطيني في كل بقعة على أرض فلسطين، أي أن هذه الأسطرة هدفت لمنع تعميم النموذج.  المسار الأكثر وضوحاً واستشارة للمزاج الجماهيري هو التسابق من بعض الحكومات الرجعية المتقاربة أو المتحالفة مع الكيان الصهيوني لنسب هذا الانتصار لملوكها، في موازاة مضمار آخر تسابق فيه نشطاء من المؤكد أنه لم يكن لهم نصيب يذكر في معركة الأقصى، إلى اتخاذ الإنجاز الجماهيري كقاعدة للتصويب على الفصائل الفلسطينية ومهاجمتها، بوسعنا أن نكتب عن القصور الكبير في أداء الفصائل الفلسطينية، ولكن هل هذا ينهي حاجة الشعب الفلسطيني لقوى واضحة المعالم والمهمات، تساهم في نظم العمل الوطني وتجميع الجهود لمواجهة الاحتلال؟

إن النقد الجدي للفصائل قد يصل إلى اقتراح تشكيل فصائل بديلة ولكن التصويب العشوائي واقتراح عدم التنظيم وسيادة الروح الأنانية الفردية كبديل عن الحضور المنظم هو وصفة لتدمير ما تبقى من بنى وقدرات فلسطينية. 

الصمود لا يشترى ولا يباع، وكذلك أفئدة الأحباء الصادقين لأوطانهم، يبدو أن هذه المعادلة لم يفهمها بعد أمراء النفط المتصارعين تحت المظلة الأمريكية، الذين سارع كتبتهم ومنظومات إعلامهم المأجورة إلى زج المسجد الأقصى وقضيته وصمود أبناء شعبنا فيه، ذلك في إطار تصويب الحكومات الخليجية على بعضها البعض في أزمتها الحالية.

من المؤكد أن شعبنا بات قادر وبمقومات بسيطة على إنجاز انتصارات جزئية، مطلوب المراكمة والبناء عليها، وصولاً إلى تحقيق الانتصار التاريخي على العدو الصهيوني، وذلك يتطلب الكثير ابتداء من الإيمان بقدرات أبناء الشعب الفلسطيني وقدراته، ومد جسور العلاقة مع عمقه القومي الشعبي، وتوفر المناخ والظروف الاقليمية والدولية المساندة ولو بالحد الأدنى لنضال شعبنا وأمتنا، والأهم فلسطينياً في هذا السياق، هو طي صفحة الصراع السخيف والممجوج على سلطات مزعومة وموهومة موزعة بين الضفة وغزة، فالسلطة الحقيقية تنتقل تدريجياً للشارع الذي يزداد الحضور الثوري فيه يوماً بعد يوم وسرعان ما سيفرز زعاماته دون انتظار للمتصارعين على سلطتهم.