على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

استطلاع "الهدف": الطلبة في المخيّمات الفلسطينية بسوريا "فقدوا الأمل"

08 آب / أغسطس 2017
  • img-1495182765
  • img-1495182769
  • img-1495182772

دمشق_ خاص بوابة الهدف

يُلاحظ أن نشاط وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" التعليمي خلال الأزمة القائمة في سوريا منذ سنوات سبع، وعلى الرغم من الظروف القاهرة، ظل ثابتاً عموماً، ولم يتأثر – من حيث السوية لا الارتباك- بشكل كبير بالأحداث؛ إذ استمرّت الأونروا" في ظل ظروف صعبة بتقديم خدماتها، خاصةً الخدمات التعليمية. لكنّ الأمر الخطير والمهم هو تأثير تلك الظروف على نفسيّة الطلبة.

انطلاقًا من هذه الملاحظة، توجّهت "بوابة الهدف" لدراسة التأثير النفسي لكل ما يحدث بفعل الأزمة على التلاميذ في مدارس "الأونروا". فسبرت غور هذا الملف، بحوارٍ أجرته مع عيّنات من الطلبة الفلسطينيين، من أبناء اللاجئين في المخيمات الفلسطينية بسوريا، وخرجت بدراسةٍ ميدانية، يُمكن من خلالها استخلاص صورة عن التأثيرات المباشرة و غير المباشرة للنزوح الواحد والمتكرر من المخيمات ثم المناطق الساخنة باتجاهات متعددة.

رؤى الزين "14 عاماً"، تلميذةٌ نجحت هذا العام في اجتياز المرحلة الإعدادية، وهي من سكان شارع حيفا في مخيم اليرموك، ستنتقل الآن إلى الصف الأول الثانوي، أي أنها ستغادر مدارس الأونروا و ستكون طالبة في المدارس الحكومية.

قالت رؤى، لمراسل "بوابة الهدف"، عن السنوات الماضية منذ مغادرتها لمخيم اليرموك مع أسرتها، "... انتقلنا مهجرين فجأة إلى منطقة جرمانا واستأجرنا بيتاً هناك، كنت في الصف الخامس في المخيم ومدرستنا قريبة من البيت فأذهب إليها مشيًا على الأقدام مع زميلاتي، وبعد نزول القذائف علينا بكثرة، أُغلقت المدارس وصارت مراكز للمُهجّرين بفعل الحرب من المناطق المجاورة، كالحجر الأسود ويلدا وببيلا، ثم رحلنا فجأة عن اليرموك، تحت القذائف والرصاص والقنص."

"...  نسيتُ العديد من أسماء زميلاتي في الصف، بعضهن هاجر إلى ألمانيا وهولندا ولا أدري أين أيضًا!، والبعض صار في هذه المنطقة أو تلك وتفرقنا. لا أعرف مكان زميلاتي إلا بعد البحث والسؤال عنهنّ، أبحث بشكل دائم عبر الفيسبوك على أسمائهنّ، وما إنْ أصل إلى إحداهن وأفرح، حتى أكتشف – بعد مراسلتها – أنها هاجرت خارج البلد، فأعود للحزن مرة أخرى". قالت رؤى.

 

وأضافت ذات الأربعة عشر عامًا، دامعة العينين "غيّرنا حتى الآن خمسة بيوت مستأجرة، وأربع مدارس، ونحن الآن نسكن في ضاحية قدسيا، وفي أية لحظة من الممكن أن يتغير السكن أو المنطقة أو المدرسة، ... مدارس الوكالة أفضل للتعليم و لكنها فقط للصف التاسع، أما الثانوية فهي حكومية".

يُذكر أن "الأونروا" عالجت كارثة التهجيرات والانتقالات المفاجئة، بالتعاون والتنسيق مع وزارة التربية في الجمهورية العربية السورية، حيث تم الاتفاق على استخدام عشرات المدارس الحكومية لمصلحة وكالة الغوث، وترتّب ذلك بحيث يكون هناك دوام لطواقم وطلاب مدارس "الأونروا"، يبدأ بعد انتهاء وقت دوام طلاب المدارس الحكومية، ويُعرف باسم "دوام الظهر"، وقد حل هذا الأسلوب معظم المشكلات من حيث توفير المكان "المدارس"، على الرغم من حملة التدمير واسعة النطاق، التي تعرضت لها المدارس السورية والفلسطينية، خاصة خلال الأعوام الثلاثة الأولى من بدء الحرب في سوريا.

يُضاف إلى هذا استقبال "الأونروا" لآلاف النازحين من المخيمات في المدارس، وتصنيفها كمراكز إيواء، مما شكل ضغطًا إضافيًا، من حيث إمكانية الاستيعاب.

منذ نشأتها، تتميز مدارس وأساليب التعليم المتبعة من قبل "الأونروا" تاريخياً بالتطور وعمق المناهج وشدّة الاهتمام، و قد دأبت منذ بدء الأزمة الحالية على استقبال السوريين إلى جانب الفلسطينيين المتواجدين في مناطق عملها التعليمي و مدارسها، وهو ما كان ممنوعٌ قبل ذلك، بحكم أن الأمم المتحدة أنشأت "الأونروا" في الأصل للّاجئين الفلسطينيين، وذلك بالعام 1949 بقرار رقم 302 في الدورة الرابعة للجمعية العامة.

أمّا الطالب يامن نصير"12 عامًا"، في الأول الإعدادي، فيقول حول تجربته كتلميذ خلال الأحداث "لا أعرف في العام القادم أين سأكون، منذ سنتين و نصف وصل أبي وأختي الكبرى إلى ألمانيا، ونحن ما زلنا ننتظر لم الشمل الذي طال أكثر مما وعدونا. ولم يعد هناك اهتمام بالدراسة هنا فنحن سوف نسافر، وقد قضيت السنوات الثلاث الأخيرة على هذا الحال؛ لا أعرف هل سأكمل عامي الدراسي وأنجح، أم سيصل لمّ الشمل و نُسافر. اشتقتُ إلى والدِي و أختي".

وأضاف لـ"بوابة الهدف"، "طلبتُ من والدي، قبل مدّة، العودة إلى سوريا، لكنه قال لي إنّه لم يعد لدينا بيت أو عمل فيها، في حين أصبح لنا بيت في ميونخ و بدأنا نتعلم اللغة الألمانية. وفي كل مرة نشتكي أنا وأمي وإخوتي له، يُجِبنا بـ: طولوا بالكم و اصبروا، لكنّنا لم نعد نحتمل تشتت الأسرة، وأنا لم أعد أحب المدرسة ولا أريدها!"

وتساءل يامن، بلغةٍ أكبر من سنّه بكثير، وبجديّة عالية "ما فائدة الدراسة، هل تستطيع إقناعي بالفائدة؟!"

يذكر أنه قبل الأزمة السورية كانت "الأونروا" جهزت 120 مدرسة في عموم المخيمات على الأراضي السورية، مُهيّأة بأماكن ووسائل تعليم، وكانت أول من أدخل الأتمتة والكمبيوتر للتعليم في البلاد العربية، ووصل قبل العام 2011 عدد التلاميذ الفلسطينيين في مدارس الوكالة (ابتدائي وإعدادي) إلى 65.479 تلميذًا في مختلف المناطق والمخيمات التي تضم تجمعات للاجئين الفلسطينيين.

لكن الأمر أصبح مختلفاً بدءًا من نهاية العام 2011، إذ شهدت غالبية المخيمات الفلسطينية أحداث عنف، وانخفض بشكل كبير مستوى الأمان وتشرّدَ معظم سكان المخيمات التي استُهدفت، ونزح آلاف اللاجئين من ديارهم، بعضُهم إلى مناطق داخل القُطر والبعض الآخر خارجَه.

تقول "الأونروا" أنها وبدعم من وزارة التربية والتعليم السوريّة استطاعت "الوصول إلى 26,000 طالب من أبناء اللاجئين الفلسطينيين في سوريا خلال 2014 و2015. وقامت الوزارة بتوفير 28 بناية مدرسية للأونروا في دمشق ودرعا، حيث أصبح بإمكانها إدارة فترة مسائية فيها. كما أن البرنامج المتبع يقوم أيضًا باستخدام 20 مبنى مدرسي حكومي آخر في الأماكن التي نزح إليها اللاجئون الفلسطينيون، وتم استيعاب حوالي 10,000 طالب غالبيتهم من المشردين من مخيم اليرموك، حيث تم إغلاق 29 مدرسة تابعة للأونروا. وهناك 2000 طالب اضطروا للبقاء في اليرموك، وقمنا بتقديم الدعم لمؤسسات المجتمع المحلي من أجل تمكينهم من الاستمرار بالتعلم فيما يقوم برنامج الأونروا بمتابعة شؤون عملية التعلم والامتحانات".

كما قامت الأونروا بالتنسيق، سنويًا، مع الحكومة السورية بإخراج الطلبة من المخيمات التي تسيطر عليها المجموعات المسلحة لتقديم امتحانات في دمشق، ومن ثمّ عودتهم إلى داخل المخيمات خاصةً اليرموك، و كذلك الأمر بالنسبة للطلبة المتواجدين في لبنان، حيث تم على مر السنوات الماضية إحضارهم إلى دمشق بباصات خاصة، هيّأتها الأونروا لتقديم الامتحانات الثانوية والإعدادية، ثم إعادتهم إلى ذويهم في مختلف مناطق لبنان.

لكنّ ظروف التشتت الجديد هي الأكثر انعكاسًا على واقع التلاميذ النفسي، إذ انخفض المستوى المعيشي لهم، وبات "مصروف الجيب" معدوماً، أو في أحسن الأحوال شحيحًا، وعاش الطلبة مع ذويهم واقع التشرّد والشعور بانعدام الثقة بالمستقبل، ممّا أدى إلى انخفاض كبير في إعطاء الاهتمام للدراسة وأهمّيتها، إضافة إلى التنقل بحسب تغيير البيوت المستأجرة ومناطقها، وتداعيات هذا الأمر من فقدانهم زملاءهم في الدراسة، وتبدّلهم بشكل قسري ومستمر.

وحتى الواقع الجديد الذي عايشه التلاميذ الخارجين من المخيمات، في بداية الأزمة على وجه الخصوص، لم يكن أفضلَ من الوضع السابق داخل المخيمات، ففي مناطق مثل "جرمانا"، على سبيل المثال، التي باع الفلسطينيون مدخراتهم واستدانوا ليستأجروا فيها سقطت مئات القذائف عليها خلال 2014 و2015، خاصة وأن بعض المجموعات المسلحة كانت تستهدف المدارس عمدًا لتعطيلها، مما أدى إلى تعطلها أحياناً و انعكاسات مرعبة نفسية على الطلبة و الشعور بالقلق الدائم، حتى أن العشرات من الأهالي امتنعوا عن إرسال أبنائهم إلى المدارس خشية مقتلهم أو إصابتهم بالقذائف.

على الرغم من ذلك ظلّت المدارس مفتوحة وتم رفدها بشكل دائم بمدرسين جُدد بدل المستقيلين للسفر أو الانتقال، كما بقيت مدارس وخدمات جديدة تقدم على الرغم من استخدام العشرات من المدارس كمراكز إيواء للنازحين من مختلف المناطق.

هذه الآونة، ومع الاستقرار النسبي يبدو أنّ الوضع بات أكثر استقرارًا وأمانًا في غالبية المناطق، إلّا أنّ تقديرات المختصين في "بوابة الهدف" تُشير إلى تحولاتٍ سلبية في آلية تفكير التلاميذ وسويّة اهتمامهم أو قناعتهم بجدوى الدراسة وآفاق المستقبل، وهذه الحالة ناتجة عن التجربة المريرة خلال السنوات السابقة.

وليد عبد الرحيم

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر