على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

"التقاعد المبكر" سلاح الحكومة في معركة "كسر عظمِ غزة"

09 آب / أغسطس 2017

غزة- خاص بوابة الهدف

حالةٌ من التيه والضياع يعيشها موظفو السلطة الفلسطينية في قطاع غزة، وسطَ الغموض الكبير الذي يُحيط بملف "التقاعد المبكر"، الذي بدأت حكومة الوفاق برام الله تطبيقه على موظفي القطاع، بدون أيّة معايير أو ضوابط واضحة.

حكومة "الوفاق الوطني"، والتي تشكّلت في يونيو 2014 عقب اتفاق الشاطئ الأخير بين حركتيّ فتح وحماس، يبدو أنّها ماضيةٌ في تطبيق إجراءات هذا القانون، بدون الالتفات إلي ما سيحمله هذا الملف من تداعياتٍ خطيرة على الحالة الاجتماعية والاقتصادية لقطاع غزة، والتي تمرّ أصلًا في أصعب منحدراتها.

و"التقاعد المبكر" هو واحدٌ من "الإجراءات غير المسبوقة" ضدّ قطاع غزة، التي تحدّث عنها الرئيس محمود عباس مراتٍ عدّة، مُتوعّدًا ببدء تطبيقها، بهدفٍ واضحٍ غير مُبهَمٍ، وهو الضغط على حركة حماس في غزّة لحلّ اللجنة الإدارية التي شكّلتها مؤخراً، وتسليم القطاع لحكومة الوفاق.

بدون معايير

صادقت حكومة "الوفاق"، مطلع إبريل الماضي، على قانون "التقاعد المبكر"، تلاه بنحو شهرٍ –مطلع مايو- اتّخاذَها قرار خصمِ ما نسبته 30% إلى 50% من رواتب موظفي السلطة بغزة، والبالغ عددهم نحو 60 ألف موظفي مدنيّ وعسكريّ.

بعد نحو شهريْن، بدأت الحكومة بخطوات عمليّة تطبيقًا للقانون المذكور، إذ أحالت خلال جلستها الأسبوعية بتاريخ 4 يوليو الماضي، 6145 موظفاً من العسكريين بغزّة للتقاعد المبكر.

ورغم عدم إعلان الحكومة بعدها عن أيّة قرارات أخرى شبيهة، إلّا أن أعدادًا كبيرة من الموظفين المدنيّين بوزارات الصحة والتعليم والمالية وغيرها، تفاجأوا مطلع هذا الشهر –أغسطس- بتطبيق قانون التقاعد بحقّهم، دون أيّ توضيح لتفاصيل هذا الأمر من أيّة جهة رسميّة.

الموظّف في جهاز الأمن الوطني عمر سالم، والبالغ من العمر "40 عاماً"، أُصيب بحالةٍ من الصدمة، حينما تم إبلاغه بأنه ضمن من تم إحالتهم للتقاعد المبكر، علماً بأنّه لم يبلغ بعد سن الـ45 عاماً.

سالم، متزوجٌ وله 7 أبناء، أكّد في حديثه لـ"بوابة الهدف" أن "الإجراءات التي يتم اتّخاذها ضدّ الموظفين بغزّة، ظالمةٌ لهم جدًا، خاصةً وأنه تم حرمانهم من العلاوات المستحقة، طوال السنوات الماضية".

وقال "المشكلة الأكبر أنني لا أعرف آلية احتساب الراتب، أو كيفية احتساب الرُّتَب والعلاوات،  ولا توجد أي جهة نتواصل معها كي نفهم ونعرف كيف سنسوّي أوضاعنا".

أمّا الموظف محمد فياض، فتساءل بنبرةٍ تخنقها الحسرة "أين هي حقوقنا؟!، لقد أصبحت متقاعدًا وأنا أحمل رتبة مساعد أول، رغم أنّي خريجٌ جامعيّ، ولم يتجاوز عمري الـ40 عامًا".

وتابع حديثه لـ"بوابة الهدف": أصبحتُ متقاعدًا لأنني التزمت بقرار الرئيس، الذي طالبنا الالتزام بالشرعية مقابل حفظ حقوقنا المالية والإدارية. أين هذه الحقوق وأنا لم أحصل على الرُّتب المستحقة لي، رغم أن أقراني ممّن بقوا على رأس عملهم مع حماس، أصبحوا الآن روّادًا ونُقباء!".

الموظّف فياَض، الذي لم يعرف بعد قيمة الراتب الذي سيتبقّى له عقب إحالته للتقاعد، أعربَ عن خشيته من الأوضاع المالية الصعبة التي سيمرّ بها -لا محالةً-، وقال "كنّا نتقاضى راتبًا كاملَا وبالكاد نُسيّر به أمورنا، في ظل كل الظروف العصيبة التي تحيط بنا، فكيف سيكون حالُنا الآن بعد خصم الراتب وإحالتنا للتقاعد؟، الله يستر".

أمّا زاهر وشاح، الموظف بوزارة الصحّة، فتفاجأ مع بداية أغسطس الحالي بعدم وجود راتبٍ في رصيده، ليُدرك أنّه من ضمن المُحالين للتقاعد.

الموظف وشاح، البالغ من العمر 52 عامًا، قال "وصلتني رسالة نصيّة عبر الهاتف المحمول بأنّي محالٌ للتقاعد. ذهبت إلى البنك فلم أجد راتبًا في رصيدي. أنا الآن ضائعٌ، لا أعرف ما الإجراءات التالية، وكيف سيتم احتساب راتبي بعد التقاعد".

وفي حديثه لـ"بوابة الهدف"، رأى وشاح أنّ إجراءات التقاعد تحمل ظلمًا كبيرًا للموظف، الذي انتُهكت حقوقه طوال السنوات العشر الماضية، واليوم يتم حرمانُه من أبسط حقوقه بإحالته للتقاعد قبل بلوغه السن القانوني، والأهم أنه إجراءٌ لا يجري وفق القانون الذي من المفترض أنّه يصون حقوق الموظفين.

تبِعات خطيرة

رئيس قطاع التعليم والثقافة باللجنة الإدارية بغزة، كمال أبو عون، صرّح، اليوم الأربعاء بأنّ "5419 معلمًا وموظفًا في سلك التربية والتعليم بمحافظات القطاع، قد يطالهم قرار التقاعد  القسري، وهم موظفون يُقدّمون خدماتهم التعليمية لنحو 26 ألف طالب وطالبة في جميع المراحل التعليمية".

كما يُهدد "التقاعد المبكر" 3900 من الكوادر الطبّية، بين أطباء وممرضين وصيادلة وموظفي خدمات وإداريين وفنيّي تحاليل ومختبرات. الأمر الذي سيترتّب عليه انعكاسات خطيرة، بالتأثير على كامل قطاع الصحة، بما يشمل المرضى، وهو الذي يُعاني أصلاً من الحصار الخانق وتبِعاته، بحسب ما صرّح به، اليوم، الناطق باسم وزارة الصحة بغزّة أشرف القدرة.

مزاجية

القرارات الأخيرة من قِبَل السلطة الفلسطينية بحقّ موظفيها بقطاع غزّة، قوبلت بردود فعل غاضبة وساخطة من المواطنين عامًة، وسط تيهٍ وضبابيّة شديدة تملأ المشهد. كما صعّدت تلك القرارات من مخاوف موظفي السلطة بأن يتم إحالتهم جميعًا للتقاعد، وهو ما استبعده الخبير الاقتصادي أسامة نوفل، الذي أكّد أنّ السلطة لن تُقدِم على إحالة جميع موظفيها بالقطاع للتقاعد المُبكّر، إلّا أنّها وضعت مجموعة من القواعد، يتم تطبيقها في غزة بدون الضفة.

وبيّن نوفل، في مقابلة مع "بوابة الهدف" أنّ قرار مجلس الوزراء الخاص بالتقاعد ينصّ على أن الوزير أو رئيس الجهاز الأمني له الحق في تنسيب أسماء المتقاعدين "وفق مزاجه"، أيّ بدون وجود معايير واضحة، مُوضحاً أن التقاعد سيطال في الشق العسكري كلّ من هم فوق الـ45 عامًا، ومن تم إحالتهم للتقاعد أقل من هذا السن هم الأفراد الذين يحملون رُتبًا عسكرية أقل من "ملازم"، مُعتبراً أنّ هذا الأمر الأخير يعدّ مخالفة قانونية.

وشدد على أنّ الحالة المزاجية للوزير أو رئيس الجهاز العسكري هي التي تُحدّد المتقاعدين، وهناك أفرادً تجاوزوا سن الـ45 سنة، ولم تتم إحالتهم للتقاعد.

"غياب المعايير الواضحة التي يتم من خلالها اختيار المتقاعدين أدّى إلى حالة من الارتباك الشديد بين صفوف الموظفين، وهو ما أكّده الخبير الاقتصادي، الذي قال "إنّ المعيار الوحيد الواضح حتى الآن هو السن، من هم فوق الـ45 من العسكريين، ومن هم فوق سنّ الـ50 من المدنيين، لكن حتى هذا المعيار لا يُطبَّق على الجميع" حسبما أوضح الخبير الاقتصادي.

وأضاف "وفق المعلومات الواردة من الحكومة في رام الله فإنّ التقاعد للعسكري سيكون على الـ70% من الراتب الكامل، لكن الشق المدني يختلف من فئة لأخرى، أعلاها 70% وأدناها 40%، ما يعني أن الشق المدني سيواجه أزمة كبيرة".

ولفت إلى أنّه فيما يتعلّق بالعلاوات والرُّتب، فسيتم احتسابهما بالنسبة للعسكريين، أمّا المدنيين فلم تتضح الرؤية بخصوصهم حتى الآن. مُشيراً إلى أنّ "وزارتيّ التعليم والصحة من أكبر القطاعات الموجودة في الشق المدني، ونسبة كبيرة من موظفيها كانوا على رأس عملهم قبل قدوم السلطة، وجزء كبير منهم باتوا من كبار السن الآن، وقد جرى الحديث على احتساب سنوات الخبرة لهم، لكنّ الدرجات المستحقة لا تزال غير واضحة.

وترفض حكومة الوفاق الحديث عبر الإعلام عن قضيّة التقاعد، كما تتعامل مع الملف بسرية كاملة، ولا يوجد شفافية فيه بالمطلق، وهو ما يجعل الموظفين في حالة ضياع حقيقيّة، خاصةً وأنه لم يخرج أي مسؤول يُطمئنُهم على مستقبلهم الوظيفي وحقوقهم، وهذه قضية خطيرة تهدد السلم الاجتماعي في قطاع غزة، بحسب نوفل.

مخالفات قانونية

"المخالفات القانونية الكبيرة" التي اشتملت عليها إجراءات التقاعد المبكّر دفعت الحقوقي ومدير مركز "مسارات-للسياسات والدراسات الإستراتيجية" صلاح عبد العاطي لوصفها بأنّها "سياسة حكومية عنصرية، تقوم على التمييز وتستهدف موظفي قطاع غزة وعائلاتهم، وتلقي بهم في هاويةٍ من الفقر والعوز، كما تتناقض مع القوانين المُنظِّمة للخدمة المدنية والخدمة في قوى الأمن والقانون الأساسي الفلسطيني، وتتنافى مع التزامات السلطة بموجب القوانين والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية".

وقال عبد العاطي لـ"بوابة الهدف: إنّ إجراءات التقاعد تحمل بعدًا سياسيًا، وتخلق أزمةً في قطاعيّ الصحة والتعليم، خاصةً وأنها تستهدف موظفين على رأس عملهم، وسيدفع ثمن هذا كلّه المواطن الفلسطيني، والموظف الذي تتراجع حقوقه".

ورأى أنّ "الحكومة والرئيس يتحمّلان المسؤولية الكارثية عن العقوبات الجماعية التي تتم بحق المواطنين، والأصل أنها حقوقٌ لا تسقط بالتقادم، فهي قضايا تتعلق بحقوق الإنسان، بموجب المادة 32 من القانون الأساسي الفلسطيني". مُبيّناً أنّ "هذه المُخالفات تُعطي الحقّ للمتقاعدين إجبارياً باللّجوء للقضاء، لنقض القرارات ووقف مفاعيلها باعتبارها غير دستورية".

ودعا عبد العاطي لضرورة وجود تحرّك نقابي وسياسي من قبل الجميع، مُشددًا على أنّ الحلّ يكمن في استكمال متطلبات المصالحة الوطنية، وتشكيل حكومة وِحدة، والتوجّه للانتخابات، لإعادة النظر في الشرعيّات، بعد ما نشهده من انهيارٍ في منظومة الحريات وقطاع الخدمات.

رئيس هيئة التقاعد الفلسطينية بالضفة المحتلة، ماجد الحلو، أكّد أنّ اتّخاذ الحكومة قرار إحالة الآلاف للتقاعد، "جاء بعد إجراء دراسات فنية، من أجل إصلاح وتنظيم الأجهزة الأمنية فنيًا وإداريًّا، كون العديد من الموظفين فيها هم من الرُتَب العليا".

وقال الحلو إن القرار بالقانون الخاص بالتقاعد المبكر طبق هذا الشهر على 7 آلاف موظف مدني في غزة،  وأن معظم من تم إحالتهم للتقاعد المبكر يعملون في وزارات المالية والتربية والصحة والتنمية الاجتماعية وسلطة الطاقة في قطاع غزة.

وقال الحلو في تصريحٍ سابق لـ"بوابة الهدف": سيُصرف للمُحالين إلى التقاعد 70% من قيمة رواتبهم قبل الخصم، وبعد استحقاق العلاوات، كما ستُطبّق عليهم أحكام قانون التقاعد العام من حيث الرُّتبة والراتب وإجراءات الصرف، مُضيفاً أن الهيئة هي الآن في طور استكمال طلبات المُحالين للتقاعد، حتى يتمكّنوا من صرف مُستحقاتهم.

وأضاف أنّ "هيئة التقاعد" على تواصلٍ مستمر مع الحكومة برام الله للحيلولة دون أن تأثّرها بما قد ينجم عن قرار إحالة آلاف الموظفين إلى التقاعد المبكر. 

متعلقات
انشر عبر