على مدار الساعة
أخبار » آراء

الغزو الصهيوني لبيروت وتداعياته

15 تشرين ثاني / أغسطس 2017

صادفت هذه الأيام ذكرى مرور 35 عاماً على غزو أول عاصمة عربية، من قبل الكيان الصهيوني. وحديثنا هذا لا يهدف إلى متابعة أحداث هذا الغزو، بل يناقش تداعياته على استراتيجيات منظمة التحرير الفلسطينية، وانتقالها الواضح من هدف التحرير الكامل لفلسطين، باعتماد الكفاح المسلح، إلى القبول بالعمل السياسي من أجل قيام دولة فلسطينية مستقلة، في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتكون القدس عاصمة الدولة المرتقبة.

في قواعد حروب التحرير، إن أهم شرط لنجاح أية مقاومة مسلحة، هو وجود قواعد آمنة ينطلق منها المقاومون. وكان من سوء طالع حركة التحرير الفلسطينية، أنها مقاومة ولدت في المنفى، وبدأت عملياتها عبر سوريا ولبنان والأردن، وقد حرمت بالتدريج من الانطلاق من هذه الأراضي. وكان لبنان الجبهة الوحيدة التي بقيت مفتوحة أمامها حتى الغزو «الإسرائيلي» لبيروت، عام 1982. وقد هيأت الظروف التي أعقبت انسحاب المقاومة الفلسطينية من لبنان، لدعاة التسوية السلمية، للدفع بتوجهاتهم وتحويلها إلى أمر واقع.

في الخامس من يونيو/حزيران 1982، تمكنت مجموعة أبو نضال التي انشقت عن «فتح»، من إلحاق إصابة بالغة بسفير الكيان الصهيوني في بريطانيا. ورغم أن منظمة التحرير الفلسطينية أدانت ذلك رسمياً، ونفت أية علاقة لها به، فإن حكومة «إسرائيل» استخدمته ذريعة لغزو لبنان في صيف 1982.

شنت «إسرائيل» ضربات جوية على بيروت، واندفعت قواتها داخل لبنان، في عملية عسكرية واسعة أطلقت عليها «سلام الجليل»، وطوقت منشآت منظمة التحرير الفلسطينية في الجنوب اللبناني. وطلبت القيادات اللبنانية في بيروت الغربية من منظمة التحرير الفلسطينية مغادرة المدينة. وبعد انسحابها من بيروت، دمر جيش الاحتلال «الإسرائيلي» البنية الفلسطينية، وفقدت منظمة التحرير النفوذ الذي تمتعت به في لبنان؛ وبدأت بذلك مرحلة جديدة من الشتات الفلسطيني.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن قيادة المقاومة، برئاسة ياسر عرفات، لم توافق على الانسحاب إلا بعد تسلم ضمانات أمريكية مكتوبة نصت على أن حكومتي لبنان والولايات المتحدة الأمريكية تضمنان سلامة «الفلسطينيين الملتزمين بالقانون، والمتخلفين في بيروت، بما في ذلك عوائل أولئك الذين غادروا بيروت».

وقد فرض الغزو «الإسرائيلي»، للبنان على الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، إعادة تقييم سياسته في الشرق الأوسط، فأعلن خطة لتسوية الصراع، من خلال مفاوضات تؤدي لمنح الفلسطينيين في الضفة والقطاع سلطة كاملة في ما يتعلق بإدارة شؤونهم خلال فترة انتقالية، تتم في نهايتها إقامة حكم ذاتي وسلطة فلسطينية محلية ترتبط بالأردن، وأن الإدارة الأمريكية لن تدعم استخدام أراض فلسطينية محتلة لبناء مستوطنات «إسرائيلية» جديدة. لكنها لن تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة، وأن مدينة القدس ستبقى موحدة، يقرر وضعها النهائي في مفاوضات التسوية السلمية الشاملة لأزمة الشرق الأوسط. وبذلك رفض الرئيس الأمريكي، ريجان المشروع الداعي إلى تسوية سلمية من خلال مؤتمر دولي يعقد في جنيف.

وفي 7 سبتمبر/أيلول 1982، عادت القمة العربية للانعقاد بمدينة فاس المغربية. وصادقت على مشروع نصت مادته السابعة على «أن مجلس الأمن الدولي يضمن السلام لكل دول المنطقة، بما في ذلك الدولة الفلسطينية المستقلة»، وتبنى القادة العرب النص الجديد للخطة، ومن ضمنهم قادة دول المواجهة العربية.

في 14 سبتمبر 1982، اغتيل الرئيس، بشير الجميل. وجهز المسرح اللبناني للحوادث التي نتجت عنها مذبحة الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا. فبعد الاغتيال، أمر شارون وإيتان القوات «الإسرائيلية» بالتحرك لبيروت الغربية، ووافقت الحكومة «الإسرائيلية» على ذلك، معلنة أن ذلك تم بهدف منع الفوضى، والحفاظ على النظام بالمدينة.

وبعد انتخاب أمين الجميل، رئيساً للجمهورية، اتجهت السياسة الأمريكية إلى الابتعاد عن خطة ريجان للسلام. وضغط وزير الخارجية الأمريكي، جورج شولتز على لبنان للتوصل لاتفاقية ينسحب بموجبها الجيش «الإسرائيلي» من أراضيه، لكن هذا الانسحاب، ربط بانسحاب سوري مماثل.

وأشارت الاتفاقية لإنهاء حالة الحرب بين البلدين، ووافقت على الحزام الأمني الذي فرضته «إسرائيل» في جنوب لبنان، مع عدم السماح لأي قوة عسكرية من مركز لبنان وشماله بالدخول إلى الجنوب.

أدينت الاتفاقية من قبل الأحزاب والمنظمات السياسية في لبنان والمنطقة العربية، وشارك في الإدانة أحزاب «إسرائيلية». فقد انتقد زعيم قيادة حزب العمل «الإسرائيلي» شيمون بيريز الاتفاقية لأنها لم تربط سوريا بذلك الاتفاق. ورأى فيها بعض السياسيين اللبنانيين، تقييداً لسيادة لبنان، وأنها فرضت عليه، التخلي عن التزاماته مع أشقائه العرب.

ولاحقاً، سقطت هذه الاتفاقية، لكن الخط البياني لمسار التسوية، ظل صاعداً. فقد اختارت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أن تندفع في هذا الطريق حتى النهاية. ومن أجل هذا الهدف لم تتردد عن تجيير انتفاضة أطفال الحجارة، في نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي، وانتفاضة الأقصى في مطالع هذا القرن، لمصلحة التوصل إلى تسوية سلمية مع الكيان الصهيوني.

ولا يزال طريق تحقيق هدف التحرير بعيد المنال، في ظل الانقسام الفلسطيني، والعجز عن صياغة استراتيجية كفاحية، عملية قادرة على تحقيق صبوات الشعب الفلسطيني المظلوم، في الحرية وتقرير المصير. 

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

يوسف مكي

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر