على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

المشاريع الاقتصاديّة الصغيرة بغزّة.. طوقُ نجاةٍ في بحرٍ من الرمال

19 أيلول / أغسطس 2017
تعبيرية
تعبيرية

غزة_ بوابة الهدف_ هدى بارود

لم تعد المشاريع الشبابية التي يتغنّى بها روّاد التنمية الاقتصادية تُسعف الشباب المُقبلين على الحياة في غزة، إذ كُشفت ستارة النجاح التي تغطي التبعات المالية لأي مشروع اقتصادي صغير عن مخاسرَ يُمنى بها الشباب، لم تكن تتعلق بحُسن التدبير أو دراسة الجدوى، ولكن بالظروف الاقتصادية العامة التي تعصف بقطاع غزة.

دونَ الشاب يحيى عرفة على دفتره الصغير كافة ديونه التي مُنيَ بها من محل بيع الفلافل الذي كان يظنه طوق النجاة له من البطالة، فبعدَ عامٍ على افتتاح محله الصغير في مخيم النصيرات لم يتمكن من سداد رأس المال الذي استدانه ليفتتح مشروعه الاقتصادي الأول.

عرفه (27 عامًا)، الذي يحمل شهادة بكالوريوس في إدارة الأعمال، فكرَ بعدَ ستة أعوام من البطالة بافتتاح مشروعه خاص، وبعد دراسة حاجات منطقته وجدَ أن محلًا شعبيًا لبيع الفول والفلافل سيُحقق ربحًا جيدًا.

قال لـ بوابة الهدف "كان طموحي كبيرًا جدًا، ورسمت صورة لما سأجنيه من أرباحٍ تمكنني من كفاية حاجاتي الشخصية، ورسمت خطةً سنوية كذلك أطور فيها محلي الصغير للأفضل، غير أنني مُنيت بخيبة أمل كبيرة".

كان يستيقظ الشاب في الرابعة فجرًا ويبدأ باستكمال تحضير خلطة الفلافل التي جهزها قبلَ نومه، وما إن تدق السابعة صباحا حتى يكون خلف المِقلاة يجهز لطلاب المدارس الساندويتشات بشيكلٍ للواحد.

"العمل مرهق جدًا من الناحية البدنية، إذ كنتُ أضطر إلى الاستيقاظ باكرًا جدًا، والتوقف نصف النهار لتجهيز خلطة المساء، والعودة بعَدَ العصر مرة أخرى إلى العمل، يضيع يومي كله وأنا خلفَ المقلاة، وفي اللحظات التي لا يكون عندي من يشتري، أتذكر سنوات عمري الأربعة التي قضيتها أطمح لأن أصبحَ ذا مكانة مرموقة بشهادتي الجامعية فيبكي قلبي"، قال الشاب، أسمر البشرة ، مُضيفًا "أضطّر كل نصف أسبوع إلى إحضار ما يلزم المطعم من زيوتٍ وبهارات وحمص وفول، وأشتري يوميًا الخبز والطماطم والخيار وأغراض السلطة كلها، ناهيك عن المخللات، وكل هذه مصاريف لا يعوضها الشيكل، ثمن الساندويتش الواحد".

بعدَ عامٍ على افتتاح محله الصغير لم يتمكن عرفة من سداد السبعمائة دولارٍ، التي استدانها لاستكمال افتتاح مشروعه، وهو مبلغٌ كبيرٌ لصاحب محلٍ يجني ربحًا خالصًا لا يتجاوز عشرين شيكلًا يوميًا.

مصطفى مصلح، شابٌ في الثلاثين من العمر، يحملُ شهادة تربية لغة عربية، يجلس يوميًا من الساعة العاشرة صباحًا حتى الواحدة في محله المُستأجر لبيع ملابس الأطفال، فهو المشروع التي افتتحه بعدَ 11 عامًا من البطالة.

قال لـ بوابة الهدف "لم يكن أمامي إلا أن أضعَ (تحويشة عمري) في محلّي المتواضع هذا، وكُنت أظنني سأجني منه ربحًا جيدًا، يعوّض سنوات عمري التي قضيتُها أجيرًا في بضع محالٍّ لسنوات عدّة، وعاملًا في البناء والبلاط في سنواتٍ أخرى".

مِصلح، قصير القامةِ غامق البشرة، ذو ابتسامة جميلة يستقبل فيها زبائنه المحدودين، رغمَ أن ما يعرضه من ملابس، متوسط ورخيص الثمن، تابع "أعرف أن الأوضاع الاقتصادية لسكان القطاع سيئة جدًا، لذا لجأتُ بعدَ خسارتي الفادحة خلال السنة الأولى للمحل إلى شراء الملابس ذات الجودة المقبولة والسعر القليل، بعد أن كنتُ في العام الأول من افتتاح المحل أعرض الملابس ذات الجودة العالية، لكنّ الإقبال كان ضعيفًا جدًا عليها، ما اضطرّني لبيعها بسعرٍ أقلّ، وخسرت فيها للأسف".

وأضاف "عليَّ بعض الديون على التجار، ولي بعض الديون على الزبائن، لا أعرف حقيقيةً إن كانَ هذا المحل المتواضع ناجحًا، لكنّي أعلم أنّه يسيرُ متعكّزًا، وهذا أفضل ألف مرةٍ من الجلوس في المنزل"، هذا العُكاز الاقتصادي –المحل- الذي يستندُ إليه الشاب مِصلح، كانَ أفضل عنده من شهادةٍ جامعية لم تحقق له شيئًا، على الرغم من مربحه المحدود وديونه الكثيرة، إلا أنّه يُقنع نفسه كل صباح بأن الغد أجمل، وأن مشروعه الصغير لن يُمنيه بخسارة كبيرة يومًا ما".

الخبير الاقتصادي د.معين رجب أّكّد أنّ الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعانيها قطاع غزة ككل، من أنصاف الرواتب وقطع المساعدات من قبل السلطة الفلسطينية إلى غياب أفق التنمية الاقتصادية، جعلَ من المشاريع الخاصة عبئًا على أصحابها.

وفي حديثه لـ بوابة الهدف رأى أنّه "لا يمكن القول بأنّ كل المشاريع الاقتصادية في غزّة غير ناجحة، فهناك مشاريع ذات رأس مال كبير ونجحت، إضافة لمشاريع ذات رأس مال لذا فهي كذلك تحقق النجاح". مُوضحًا أنّ "الأمر يتوقف على حاجة السوق وطريقة عرض الخدمات التي يقدّمها المشروع"، مشيرًا إلى أن دراسة الجدوى الاقتصادية وتحديد الخطط البديلة خطوتان كفيلتان بأن تُنقذا المشاريع الاقتصادية من الخسائر.

ولفتَ الخبير الاقتصادي إلى أنّ المشاريع الاقتصادية الفردية لم تعد مُجدية مقارنةً بالمشاريع الصغيرة التي يشارك فيها مجموعة من ثلاثة أفراد أو أكثر، مبيّنًا أنّ الشراكة تُمكّن من توزيع رأس المال وكذلك الخسائر على عدد أكبر من الأفراد، في حال فشل المشروع، وعليه تكون نسبتهما أقل.

ولم يتوقع د.رجب أن يتحسن الوضع الاقتصادي في غزة في السنتين القادمتين على أقل تقدير، فالمؤشرات الاقتصادية لا تُبشر بتنمية جيدة، وفق قوله، ناصحًا بالاستثمار في المشاريع الاقتصادية ذات الطابع التكنولوجي والتي تعتبر التجارة الأكثر ربحًا في العالم.

متعلقات
انشر عبر