Menu
حضارة

قبل ساعتين من استشهاده: شارون يريد اصطيادي ولكن، كيف ومتى؟ لا أدري!

أحمد بدير

فردية متنوعة (10)

غزة _ أحمد بدير _ خاص بوابة الهدف

"شارون يُريد اصطيادي ولكن، كيف ومتى؟ لا أدري!"، قالها الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو علي مصطفى قبل ساعتين من استشهاده، وفي الذكرى السادسة عشر لاغتيال قمر الشهداء، قابلت "بوابة الهدف" أحد الرفاق العاملين في مكتبه، للتعرف عن قرب على حياة القائد الوطني القومي الكبير، ولنشر بعض المواقف التي لا يعلمها الناس عن مُناضلٍ بحجم أبو علي.

"تفتحت عيوننا على النضال منذ الصغر من خلال العمل الطلابي، وحُبنا للجبهة لم يكن عابراً، حيث بدأنا تعلم أبجديات العمل الفدائي من المدارس، في المرحلة الإعدادية وحتى إنهاء الثانوية العامة في قطاع غزة"، بهذه البداية استهل الرفيق الذي حببَ عدم ذكر اسمه، حديثه مع "الهدف".

يُكمل: "بعد إنهاء مرحلة الثانوية العامة، انتقلت ومجموعة من الرفاق للدراسة في جامعة بيرزيت برام الله، بعد معاناةٍ طويلة في الخروج من القطاع بسبب الرفض الأمني من قبل الاحتلال. ومن هناك باشرتُ العمل على الفور في صفوف الذراع الطلابي للجبهة الشعبية في الجامعة".

"في أحد الأيام، طلب مني بعض الأصدقاء في حركة الشبيبة –الذراع الطلابي لحركة فتح- من أبناء غزة، التواصل مع الرفيق أبو علي لدعوته لحضور احتفال بمناسبة العيد يُقام لطلبة غزة الذين لا يتمكنون من زيارة أهاليهم بحكم المنع الأمني، في أحد مطاعم رام الله المتوسطة، وبعد أن تواصلوا معه هاتفياً، أبلغوني بأنهم تفاجأوا من رده بالقول: بالتأكيد سآتي للاحتفال وشرف لي تواجدي معكم وبينكم".

وعن يوم الاحتفال، يستذكر: "جاء يوم الاحتفال، وترددت "أشارك أم لا" كوني بعيداً عن أهلي، وأعتقد كان العيد العاشر لي في الغياب عن أُسرتي مما أثّرَ على حالتي النفسية، لكن في النهاية قررت الحضور، سيما وأنّ الرفيق أبو علي سيكون مُتواجداً هناك".

"حين وصولي لمكان الاحتفال، كان أبو علي قد أنهى كلمته للتو هو والمُناضل مروان البرغوثي، همَّ للمُغادرة، فذهبتُ وقابلته في ممر الخروج. نعم أتذكر ذلك الموقف وكأنه أمامي الآن، لقد صافحني بقوة وحرارة عالية، وبادر بسؤالي: ما اسمك ومن أين؟، زادت حفاوته بعد أنّ علِم أنني من قطاع غزة، فسألني "ولماذا أنت موجود في رام الله حتى اللحظة ولم تذهب الى غزة"، فجوابي كان لأني مرفوض أمنياً من الاحتلال، فسأل عن السبب، أجبت "لإنو أنا من ولادكم، ابن الجبهة الشعبية، وممنوع أرجع على غزة"، وكان قبلها قد سألني عن مجموعة من الرفاق النشطاء في العمل الطلابي في الجامعة، فقال لي لدينا شاغر في مكتبي وأتمنى أن يكون من نصيبك، وطلب مني الحضور بعد يومين وحدد لي موعد لمقابلته مع ضرورة احضار الأوراق الرسمية كالشهادة وكشف العلامات والهوية".

يوم اللقاء المُفترض، أي بعد يومين من لقاء الرفيق أبو علي في الاحتفال، أغلقت قوات الاحتلال الصهيوني جميع مداخل مدينة رام الله وحفرت الطُرقْ على إثر تصاعد وتيرة انتفاضة الأقصى المُشتعلة آنذاك، ولم يستطع ضيفنا الذهاب لمكتب أبو علي. يُكمل "بعد يومين، اجتزت المُقابلة، وأخبروني لاحقاً بأنّ الشاغر الوظيفي كان من نصيبي، وباشرتُ العمل في مكتب الأمين العام للجبهة في شارع الإرسال برام الله، وهُنا أعترف بأنّ الفضل الأول والأخير في تكوين شخصيتي والحصول على عمل إلى يومنا هذا، هو للرفيق أبو علي مصطفى".

وتابع "منذ اليوم الأول لي في العمل مع الرفاق والرفيقات في مكتب الأمين العام المكون من ثلاثة أقسام "الاعلام والمالية، ومكتب أبو علي، واللجنة التنفيذية" في طابق مكون من ثلاثة مكاتب. لامستُ صلابة وحزامة الرفيق أبو علي، ولكن في ذات الوقت كان قريباً من القلب، وأذكر أننا كنا ننتظره صباحاً كالأطفال على أبواب مكاتبنا ليُلقي علينا صباحه الجميل".

هُنا يستذكر أحد المواقف التي تعرف من خلالها على حزامة الرفيق أبو علي، يقول "انتهى الدوام في أحد الأيام، وهمَّ أبو علي للمُغادرة، وهو في الممر كان يسأل عن سيدة ما "من منكم يعرف السيّدة الفُلانية" وسمّاها باسمها، ليرد أحد مُرافقيه "تقصد فلانة المسيحية؟"، تجمَّد أبو علي في مكانه ونظر بغضبٍ واستغراب، ثم قال: هذه ألفاظ طائفية، أرجو التخلصُ منها، وبسرعة"، وكأنه كان يُدرك ويستقرئ الواقع القادم من تفشي الطائفية وخطرها على الأمة العربية".

مِثالاً في الأبُوة

"أحياناً، كان مبيتي عند مُرافقي أبو علي في مسكنهم بمنطقة أم الشرايط، لأن الوضع الأمني في بعض الأحيان لا يسمح لي بالعودة إلى مسكني في بيرزيت، وكلما علِم الرفيق أبو علي بهذا الأمر يُرسل لي الطعام مع المرافقين أثناء عودتهم من بيته الذي استأجره في منطقة الماصيون. في مرة جاءني أحد الرفاق بـ"صحن دوالي وكوسة محشية" انتقاها أبو علي بيده كما أخبرني الرفيق الذي أوصل السلام منه، وفي مرة أخرى وصلني (بيسلِّم عليك عمَّك أبو علي وبيحكيلك هادي الكُفتة عمايل إيديه، صحة وهنا).. صمت الرفيق الراوي، ثم أكمل: "هذه المواقف تركت في نفوسنا ما تركت، كُنت أباً للجميع يا رفيقي".

"سُلفة لآخر الشهر"

وعن أبرز المواقف التي لا تُنسى، أضاف "حينها كنت في مكتبي كالعادة، أخبرني أبو علي أنه بحاجة لـ500 دولار -بصفتي مسؤول الخزنة-، أحضرت المبلغ وسلمته اياه، وانتظرت واقفاً، فسألني "شو مالك واقف"، قلت له "ماذا بخصوص المبلغ، شو أسجله وعلى أي بند"، قال "سجله زي ما لازم يتسجَّل، دَيْن على الأمين العام أبو علي، إلى حين القبضة". هذا الموقف كان قبل نهاية أحد الأشهر بعشرة أيام، وفي آخر الشهر أعاد أبو علي المبلغ. كان معطاءً على الدوام، ويعمل على أكثر من جبهة في ذات الوقت دون كللٍ أو ملل، فمثلاً كان له دور في تنسيب العديد من المشتركين لمجلة (الهدف) وكان لا يتردد في التسويق للمجلة بنفسه.

أبو غسان لم يكن بعيداً

هذه الصفات النبيلة، وبحسب الرفيق الراوي، لم تكن بعيدة بالمُطلق عن الرفيق العنيد أحمد سعدات "أبو غسان"، فقد ضرب هو الآخر مثالاً في التواضع والبساطة والتضحية من أجل الآخرين.

بيضة الفولاذ

"كان أبو علي في كل يوم جمعة، يُشارك في المسيرة الأسبوعية التي كانت تنطلق من دوار المنارة برام الله، كان أميناً عاماً وقائداً ميدانياً في ذات الوقت، وأذكر في إحدى خطاباته على الدوار، قال: عندما قال المجرم موشي ديّان في حصار بيروت أنّ المقاومة الفلسطينية أصبحت كالبيضة في يدي، أكسرها متى أشاء، فكان ردنا: بأننا بيضة من فولاذ ستتكسر أصابعك ولن تنكسر".

"شهدت الآونة الأخيرة من حياته عملاً مُتواصلاً ومراحل متقدمة في النقاشات والحوارات بين الأطر اليساريّة لتشكيل اطار ديمقراطي يساري مُوحَّد، وكنت أرى على الدوام العديد من قيادات اليسار يحضرون لمكتب أبو علي، ومع تعاظم الأفعال والأفكار التي يسعى لتطبيقها، بتنا خائفين عليه أكثر من أي وقتٍ مضى. لماذا لا يختفي عن الأنظار مثلاً؟".

كان جواب أبو علي على هذا التساؤل بكل غضب، عندما سأله إياه أحد الرفاق فيما بعد: "أربعون عاماً ولم أخفْ. لم أشعر بأنني يجب أن أدفن رأسي تحت الطاولة. لستُ أنا من يدفن رأسه، ولن أفعل".

"اغتالوك يا قمر الشهداء"

"في ذلك اليوم، 27-8-2001 حضر الرفيق أبو علي للمكتب قُرابة الساعة العاشرة صباحاً، التقى بأحد الرفاق القادمين من إحدى المناطق، وبعد انتهاء الاجتماع عرض الرفيق الزائر على أبو علي بأنّ يذهب ويتناول معه طعام الغداء في منزله، فكان ردّ أبو علي حرفياً كالتالي: "طبخت إمبارح مجدَّرة، صحيح ملحها زيادة، لكن برضو حتغدى منها اليوم"، كانت زوجته الرفيقة أم هاني في الخارج آنذاك، كان يهتم بأمور المنزل وهو من يطبخ بنفسه.

"بحق، كان ذلك اليوم غريباً بمواقفه وتفاصيله، لحظة الاغتيال كنت في مكتبي، فسمعت صوت انفجار ضخم هزَّ أرجاء المكان، وشاهدت الزجاج يتطاير هُنا وهناك، ركضنا على الفور باتجاه الدرج لإخلاء المكان، فكانت الضربة المُدويّة الثانية. كانت أليمة حد الخيال".

"سمعنا صوت أحد الرفاق يبكي وهو خارج من مكتب الأمين العام، ويقول (الرفيق أبو علي.. الرفيق أبو علي) وتبعه مدير المكتب وكان مُصاباً. كان أو من دخل لمكتب أبو علي، أحد المُرافقين والرفيق عبد الرحيم ملّوح وتبعتهم أنا. كانت صورة المشهد مُخيفة، لم يبقى جزء في الغرفة إلّا وأصابته شظايا الصواريخ، وكان جسد أبو علي لا زال على كرسيه مُدرجاً بدمائه وقد مزقته صواريخ الحقد".

"انتشر الخبر كالصاعقة على كل من سمعه، رام الله توشَّحت بالسواد، كل القرى والمدن بكت أبو علي في ذلك اليوم المشؤوم. حصَّلنا ما استطعنا تحصيله من الأوراق الهامة، وتم نقلها على الفور إلى مكانٍ سرِّي. وخلال دقيقة كانت آلاف الناس قد حضرت وتجمهرت أمام وداخل مكتب أبو علي"

"أبو علي الذي كان يُحب الفلافل والخبز البلدي، حاول معه الرفاق جاهدين شراء جيب له ولمرافقيه، لكنه كان كثير المماطلة ويقوم بتسويف الموضوع، واستشهد ولم يعطِ المُوافقة، فلا امتلك سيارة ولا حتى امتلك شقة في رام الله. امتلك قلوب الناس وشغفهم لرؤياه والاستماع له.

افتتاحية الردّ

"مساء يوم الاغتيال، كنا مُتواجدين على دوار المنارة برفقة مجموعة من الرفاق، فجأة بادر بالحديث رفيق من القدس ، وقال: (الليلة سيأتيكم الردّ يا رفاق، قسماً سيأتي الليلة)، بعد ساعات تم الإعلان عن تصفية قائد صهيوني في عملية بطولية على حدود نابلس، ونُفذت ببنادق جبهاوية".

في اليوم التالي، شُيِّع الرفيق أبو علي في جنازةٍ مُهيبة، شارك فيها عشرات الآلاف، تحرَّك موكب التشييع من مستشفى الشيخ زايد حيث كان يرقد جثمان الشهيد وتوجه إلى مسجد جمال عبد الناصر للصلاة عليه قبل دفنه في مقبرة الشهداء بمدينة البيرة.

وكان من المُقرر أن يُدفن جثمان أبو علي في بلدة عرّابة مسقط رأسه لكن الرأي استقر على دفنه في رام الله تفادياً للمضايقات الصهيونية، حيث كان هناك أكثر من (20) حاجزاً أمنياً لجيش الاحتلال في الطريق من رام الله إلى عرّابة.

"بعد عملية الاغتيال الجبانة، تسارعت الأحداث، وزادت المُطالبات من الشارع بالردّ، اعتقد الجميع أنّ الجبهة سترد بتفجير باص صهيوني هنا، أو مطعم هناك، لكن ما حصل كان ضرباً من الخيال. عندما تم الإعلان أنّ الرفيق أحمد سعدات سيكون خلفاً لأبي علي في الأمانة العامة للجبهة الشعبية، علمنا أنّ الرد على الجريمة قادم لا مُحالة، بل إنها مسألة وقت ليس إلّا، لأن من يعرف أبو غسان عن قُرب يعلم أنه شخص عنيد وصلب، والأهم من ذلك أنه لا يُهادن بالمُطلق، والمقرب منه كان يعلم أنّ المهمة الأولى له بعد أنّ أصبح أميناً عاماً، هي الثأر لرفيقه..

يتبع في الجزء الثاني: "الثأر".. الأمين يثأر للأمين