Menu
حضارة

مهند يونس يضعنا أمام الواقع.. اللعبة انتهت!

thumb

غزة - خاص بوابة الهدف

"يخبركم الله أن هذه اللعبة قد انتهت، وأنه لا يكترث بشأنكم، من شاء منكم فليستمر بالحياة ومن شاء فلينتحر"، ربما هي دعوة أطلقها مهند لكل من سيقرأ كتاباته بعد وفاته أن يقرر إذا ما أراد ان يبقى على قيد الحياة أو يختار إنهاء هذه "اللعبة".

لم يتوقع أحداً مما قرأ النص الذي كتبه الشاب مهند يونس "اعترافات أو هلاوس"، الذي فارق الحياة اليوم بعدما أقدم على الانتحار، أن مهند حارب كثيراً أفكاره وهلاوسه التي أدخلته في دوامة تقف على حافة الحياة.

الشاب الوسيم لم تساعده عيناه البنيتين على رؤية جمال الحياة، فقد انطفأت من حوله أضواء الأمل تدريجياً، فطافت في رأسه كل الأفكار التي ترجح كفة الموت على الحياة، كما كتب قائلاً "سأشعر أني عشت كذبة كبيرة، وأني قد خُدعت، لذلك الانتحار هنا سيكون أكثر جمالًا".

مهند الشاب العشريني خاض صراعًا مريرًا مع الحياة كما يؤكد مقرّبون منه لـ "بوابة الهدف"، ورغم أنه كان من السهل على أصدقائه رؤية نفحات الحزن في عينيه، إلا أنه كان يجتهد في إخفاء كل ذلك بالتفاؤل والحديث عن المستقبل الذي ربما يحمل له الكثير من الفرح.

الصدمة الكبيرة التي يعيشها أصدقاء مهند وكل من يعرفه ربما مردها لسبب واحد وهو أن ذاك الشاب المقبل على الحياة الذي يملأه الأمل والتفاؤل بمستقبل واعد في مجال دراسته الصيدلة، لا يمكن أن تخفي ورائها كل ذاك الحزن. في لحظة واحدة قرر مهند الاحتفاظ بكافّة أسراره وخبايا نفسه إلى الأبد وأن يدفنها معه خشية أن تتسرب لمن حوله.

ومن الصعب الحديث عن مهند دون العودة لجذور ذلك الحزن العميق في قلبه والتي تراكمت منذ سنوات طفولته عندما انفصل والداه وبقي يعيش مع والدته، ما أحدث شرخاً في حياته بقي يتسع مع سنوات عمره التي لم تتجاوز 22 عاماً.

مهند يعيش مع والدته التي انفصلت عن والده حينما كان طفلاً فتزوج بأخرى وبقي كأي طفل يعاني من التفكك الأسري، وربما هذا الحزن العميق هو ما ولد داخله حب الكتابة خاصة النصوص والقصص القصيرة التي فرغ من خلالها همومه، لعله يخفف من حزنه الثقيل ويبقي متسع للفرح.

ترك الشاب العشريني خلفه الكثير من الأحلام والطموحات كما يقول أصدقائه الذين تحدثت معهم بوابة الهدف، والذين عجز معظمهم عن الكلام بعدما تملكتهم حالة من الصدمة.

الصدمة امتدت أيضًا للعديد من سكّان قطاع غزة، الذين لم يستفيقوا بعد من صدمة وفاة الشاب معاذ الحاج وحيداً في منزله، حتى فجعوا بانتحار مهند الذي كان يحلم أن يصبح كاتبًا وأديبًا فرحل سريعاً قبل أن يعطي متسعاً من الوقت لحمله، كأنه يقول لنا.. أن تعيش في غزة وتملك طموحاً يعني أن جبال من العقبات والأزمات ستعيقك.

ولا يمكن فصل انتحار مهند عن الأوضاع الصعبة التي يعيشها قطاع غزة خاصة الشباب الذين فقدوا الأمل ولا يجدون أفقاً لمستقبلهم في القطاع المحاصر منذ سنوات والذي يدقع سكانه ضريبة كل الأزمات والخلافات السياسية الداخلية والخارجية حتى باتت الفاتورة أكبر من قدرتهم على التحمل.

وربما نجح مهند في أن يحقق حلمه ككاتب معروف لكن الثمن كلفه حياته، كما معاذ الذي لم تعرف رسوماته طريقها للناس والشهرة إلاّ عند وفاته.

الشاب أمجد ياغي أحد أصدقاء مهند كتب على صفحته على الفيس بوك "هذا مهند شاب سعى وابدع وقدم وحاول مرات ومرات ولحتى قبل مبارح وهو بيحاول، شبع من السياسة عاش على امل بعد حروب ثلاثة وانفراجة وعباس ومصالحة ودحلان وامن وامان ومقاومة وكزب كبير معهم مهند فقد الامل".

وتابع "مهند اليوم خسر أغلي شيء بيملكه هي نفسه مقابل انشطب اسمه بين اكتر من 2 مليون بني ادم رهينة في غزة تحت رحمة السياسيين وتجار الوطن والقضية, خسرنا اليوم شاب مثقف واعي قاريء عنده رؤية بيملك حلم وهو في غزة، وبيملك حلم في غزة تحتها مليار خط".

بدوره قال الكاتب والحقوقي مصطفى إبراهيم "لم يعد مهما الطريقة وكيف قرر مهند يونس إنهاء حياته، مهند عرفته من خلال زوجتي أم باسل التي كانت تحدثني عنه كثيرا ونقاشه الدائم معها وتعتبره واحد من اولادنا مع أني لم اعرفه شخصيا".

وتابع في منشورٍ له على صفحته الشخصية "حدثتني اليوم وهي حزينة ومفجوعة به وغير مصدقة انه حاول الاتصال بها أمس ولم تستجيب، واليوم عاودت الاتصال به لتخبرها والدته انه قرر إنهاء حياته، لم تصدق ان مهند قرر الرحيل وهي تتحدث عن أدبه وأخلاقه وتفوقه الدراسي في كلية الصيدلة، وافكاره وذكاؤه وتفاؤله وتشاؤمه وكتاباته القصصية القصيرة".

في الحديث عن الجوانب النفسية، قالت الاخصائية في مركز غزة للصحة النفسية زهية القرا أن الجيل الجديد لا يوجد له أي مصادر دعم خاصة في ظل ما تعانيه العائلة الفلسطينية من أزمات وبطالة وعنف أسري.

وأكدت أن الأسرة الفلسطينية باتت بلا أهداف الطاقة الوحيدة الموجودة حاليا هي اليأس وفقدان الأمل ما يمثل كارثة للجيل الجديد.

وشددت على أن الانفصال والطلاق يؤدي إلى شرخ كبير في العائلة وأكثر من يتأثر به هو الطفل، موضحة أن الطفل في هذه الحالة يصبح جزء من النزاعات الأسرية والشخصية كما يتم استخدامهم من الاهل وتوظيفهم في معركة الانفصال ما يؤدي إلى خلل كبير داخل الطفل ذاته وعلى مستوى التواصل مع أفراد الأسرة.

وبينت القرا أن الطفل هنا يكون في حالة تيه بين أب مهمل وأم تصارع الحياة لتثبت نفسها، لذا يبدأ شعور الوحدة يتسلل للطفل الذي يجد نفسه بلا عائلة أو سند والوحدة هنا تعني له فقدان أهمية الحياة.

وقالت الاخصائية النفسية " شاب ذكي وبامكانيات فكرية عالية يعاني من الوحدة سيكون حساس جدا وصاحب مزاج متقلب نتيجة الأزمات التي يعانيها، ما يجعله ناضج فكريا ومأزوم عاطفيا".

وكان الناطق باسم الشرطة الفلسطينية أيمن البطنيجي، قال أن الشاب مهند يونس انتحر صباح الثلاثاء، في منزله غرب مدينة غزة، وذلك بعدما تناول حبوب مهدئة لتساعده على الانتحار. 

وبيّن أنه عثر على جثته داخل غرفته، حيث وضع رأسه داخل كيس بلاستيكي، ووضع به مادة سامة، وفقًا لتحقيقات النيابة العامة.  وشدد على أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الشاب يعاني من مشاكل عائلية خاصة مع والده.