Menu
حضارة

ذاتنا المشرذمة وعالمنا الظالم

غوتيريس امام ضريح الراحل ياسر عرفات في رام الله

بوابة الهدف

للشعب الفلسطيني حكاية طويلة مع المعاناة والخذلان في صراعهم المرير مع الكيان الصهيوني وكفاحهم الوطني لتقرير مصيرهم ونيل حريتهم، وفي صلب ملفات الخذلان الكبير يبرز ملف علاقة المؤسسات الدولية وفي المقدمة منها الأمم المتحدة وسلفها عصبة الأمم ب فلسطين وشعبها وقضيتها.

تمثل القضية الفلسطينية ومطالب الشعب الفلسطيني التجسيد النموذجي للمبادئ التي أُعلن عنها كأهداف لتأسيس الأمم المتحدة، والمتمثلة في: وقف العدوان، تقرير المصير، الحرية، العدالة، حقوق الشعوب، أي تحقيق العدل والسلم الدوليين، إلا أن ممارسات الأمم المتحدة وسياساتها تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه، تمثل التنكر الكامل لهذه "المبادئ والقواعد الإنسانية". 

بشيء من الموضوعية يمكن القول أن الأمم المتحدة ليست لاعب مستقل الإرادة بل هي تعبير عن توازنات القوة بين قوى الهيمنة في هذا العالم، وأن إجمالي مواقفها من شعب فلسطين وقضيته لا يمكن عزلها عن هذا السياق، بل يمكن ربطها بسياق أوسع وهو إجمالي مواقفها من كل قضايا الشعوب المستضعفة في هذا العالم الذي لا يعترف إلا بلغة القوة الغاشمة والقاهرة . في هذا السياق تتيح لنا زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس لفلسطين المحتلة نموذجاً عن نمط تعامل المؤسسة الدولية، وما يشي به هذا النمط من انحياز فاضح وسافر للعدوان وسياسات القوة. انحياز يتجاوز حتى عجز الأمم المتحدة عن اتخاذ مواقف سياسية عادلة تجاه فلسطين وشعبها وقضيتها، ويصل إلى عدم الالتزام بالقرارات الصادرة عن المؤسسة ذاتها، في أي من مسارات عمل الأمم المتحدة.

يزور الأمين العام للأمم المتحدة فلسطين ويتجاهل ما دار طيلة الشهور الماضية من هجمات مكثفة ومتصاعدة على مدينة القدس ، والتي شملت إغلاق المسجد الاقصى لأيام عدة وفرض إجراءات تعيق حرية العبادة فيه بشكل غير مسبوق، كما استمرار تغول الاستيطان وتمدده في أراضي الضفة الغربية عموماً، إلى جانب استمرار المداهمات والاعتقالات في مدنها، وممارسة مختلف أشكال القهر المادي والمعنوي بحق سكانها. وتزامنا مع زيارة ممثل "المجتمع الدولي" تواصل سلطات الاحتلال الصهيوني هجمتها على حي سلوان المقدسي، وكذلك حصارها الإجرامي لقطاع غزة، وكل هذا لم يستدعِ اتخاذ موقف أو تصريح على الأقل متوائم مع القرارات الدولية من قبل الأمم المتحدة وأمينها العام.  فيما في المقابل نجد أن معدل التجاوب الأممي مع المطالب الصهيونية العدوانية يترجم سريعاً بقرارات متنوعة، وإدانات مباشرة للعمليات الفلسطينية والفصائل التي تقف خلفها، أو اعتبارها عنف غير مبرر خصوصاً إذا ما تزامنت مع زيارات المسؤولين الدوليين، فيما يقابل التصعيد العدواني الصهيوني بتوزيع الابتسامات من قبل "المؤسسة الدولية الأهم" في العالم.

ما سبق، ليس تقييماً لدور المؤسسة الدولية بفروعها المختلفة ولكن بالأساس دعوة للالتفات الفلسطيني لضرورة تعظيم عوامل القوة الذاتية، وترميم شبكة العلاقات الفلسطينية مع شعوب هذا العالم بما يسمح بموازنة الضغط العاتي من قبل القوى المهيمنة على المؤسسة الدولية. هذا الترميم يبدو مستحيلاً المشهد الفلسطيني القائم، بكل تعقيداته وأزماته، ومنها استمرار سياسات التفرد والهيمنة والإقصاء، بمنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، ونوايا العصف بها، من خلال زجها في مستنقع الانقسام ومناكفات طرفيه. 

إن التفكير في عقد جلسة للمجلس الوطني الفلسطيني دون التوافق الوطني، ودون السماح بالتحضير الملائم لمشاركة الكل الوطني يعني استمرار سياسات الضعف والشرذمة وتغييب لدور المؤسسة/الأداة الوطنية والأداء الوطني الجماعي، وإمعان في إضعاف القدرة التمثيلية والمكانة المادية والمعنوية لمنظمة التحرير، وخفض دورها وقدرتها وشرعيتها أمام المحافل الدولية في هذه المرحلة الحرجة من عمر الشعب الفلسطيني وقضيته. فاستمرار تجاهل الارتباط الحتمي بين تفعيل مؤسسات منظمة التحرير وبين حضورنا الدولي، هو جريمة بحق شعبنا وتقاعس غير مبرر سيفضي لمزيد من الكوارث الوطنية في الوقت الذي تزداد فيه الهجمة الصهيونية على شعبنا وحقوقه التاريخية في أرض وطنه.