على مدار الساعة
أخبار » آراء

الشهيد علي فودة.. بطل حصار بيروت وصاحب قصيدة "إني اخترتك يا وطني"

06 تشرين أول / سبتمبر 2017
الشهيد علي فودة
الشهيد علي فودة

بقلم / نضال حمد

" لغير فلسطين لن أنحني 
فيا سيّد الاضطهاد اضطهدني إذا شئت 
صادر نواياي 
خذ لمعة البرق من عالمي
ضع ولو صخرة في فمي ..." .

علي فودة 1977

الشاعر الفلسطيني المُتمرّد والمُشاكِس علي فودة في  قرية (قنير) قضاء حيفا سنة 1946 أي قبل النكبة الفلسطينية الكبرى بسنتين. بعد النكبة التجأت عائلة الشهيد إلى طولكرم واستقرّت في ما بعد لفترة من الزمن في مخيم نورشمس، ، حيث عاش شاعرنا الفدائي بقيّة سنوات عمره من دون والدته. إذ فقدها وهو في سنٍ صغيرة. فعاش حياته حالماً بحنان الأمّ ومُتألِماً على فقدانها تماماً كألمه على فقدان وطنه فلسطين.

الشهيد الشاعر علي فودة هو بطل معركة حِصار بيروت وصاحب قصيدة " إني اخترتك يا وطني " التي غنّاها الفنان مارسيل خليفة، والتي يُردّدها ملايين الشباب العربي من دون أن يدري الكثيرون منهم إنها رائعة الرائع علي فودة ... والتي جاء فيها :

إني اخترتك يا وطني حباً وطواعية

إني اخترتك يا وطني سرّاً وعلانية

إني اخترتك يا وطني

فليتنكّر لي زمني

ما دمت ستذكرني

يا وطني الرائع يا وطني

تشبه سيرة الشاعر علي فودة سيرة كاتبنا الفدائي المُبدِع رشاد أبوشاور الذي بدوره فقد والدته وهو في سنٍ صغيرة في زمن النكبة. فهل لفقدان الأمّ مُبكراً دور في صقل الشخصية والموهبة والأنتماء والموقف الوطني الحاد والواضح والغاضِب والرافِض والمُتمرّد. فعلي ورشاد فلسطينيان مُبدِعان وحادّان كحد كالسيف.

قضى فودة سنواته الأولى، البيروتية مُضطهَداً من قِبَل القيادة المُتنفذّة في فتح والمنظمة. وضعوه في السجن لأنه قال لهم لا للتنازلات والحلول الاستسلامية.

ليست صدفة أن المُبدِع رشاد أبوشاور هو أول من هبّ في الفاكهاني في بيروت للدفاع عن حرية الشاعر علي فودة يوم اعتقاله من قِبَل جهاز الأمن المركزي التابع لحركة فتح، والذي كان يتزعّمه الشهيد أبو الهول، بسبب موقفه الحاد والمُعارِض لنهج التسوية الذي ولجت فيه قيادة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية. مع العِلم أن علي فودة حضر إلى بيروت من العراق وهو عضو في حركة فتح، لكن فتح لم تكن مكاناً لمُتمردٍ ومُشاكسٍ ورافضٍ وغاضبٍ صُلب مثلما كان شاعرنا اليساري الهوى.

في تلك الفترة من زمن الفاكهاني كان الأديب رشاد أبوشاور يُدير من بيروت جريدة القاعدة اليومية الناطقة باسم جبهة التحرير الفلسطينية، وتجمعه صداقة وزمالة قلم وموقف مع الشهيد علي فودة.  وللتاريخ فرشاد هو أول الكُتّاب والأدباء والمُثقّفين القلائل، ممن هبّوا وحملوا وقادوا حملة الدفاع عن الشاعر الشجاع علي فودة، مواجهين ومتحدين الأمن المركزي وقيادة فتح والمنظمة، عبر جريدة القاعدة اليومية. وفيّما بعد توتّرت علاقة الجبهة وفتح أيضاً لهذا السبب.

بالدم أكتب لا بالحبر"

بالدم أكتب:" وطني يلعنكم"

أكتبها علناً لا بالسر

أكتبها..

أكتبها حتى آخر لحظات العُمر!"

هذه الكلمات للشاعر المُتمرّد على واقع الحال والذي كان يحلم بعالمٍ أفضل وأجمل، لم تستطع استيعابه المؤسّسة التي كانت تتحكّم بالثورة الفلسطينية وبمنظمة التحرير الفلسطينية وبعددٍ لا بأس به من المُثقّفين والإعلاميين الفلسطينيين والعرب، لأن بيروت في ذلك الزمن كانت ميناء يجمع كافة السفن الثورية العربية وحتى العالمية.

كان علي فودة مُثقّفاً يسارياً مُتمرّداً غير قابل للتطويع، طاعته فقط لقناعاته، وحياته وهبت لوطنه ولقضيته وللشعر الثوري المُحَفِّز والمُثَوِّر، الذي يصنع جيلاً يحمل فلسطين الكاملة من رفح حتى الناقورة في عقله وقلبه جيلاً بعد جيل. لذا رفض خيار التسوية وهاجمه فاضطّهِد من قِبَل المؤسسة وأودِع السجن أكثر من مرة لمواقفه الحادّة والواضحة من السياسات والمُمارسات في المنظمة والثورة.

في الفاكهاني في حيّ السبيل التقيت أكثر من مرة بالشهيد خلال زياراته المُتكرّرة إلى مقرّ الأمانة العامة لجبهة التحرير الفلسطينية حيث كان يزورنا ويلتقي بقيادة الجبهة وبأمينها العام الشهيد طلعت يعقوب، وبالأديب والمُثقّف الثوري أبو نضال الأشقر، الذي كان يومها مديراً لمكتب الأمانة العامة وعضواً في اللجنة المركزية للجبهة. كان شاعرنا على ما يبدو يحترم تجربة الجبهة، التي بدورها تبنّت قضيته ودافعت عن حريّته وحرية موقفه، وقدّمت له كل ما يلزم من مساعدات لأنه شاعر فدائي ومُثقّف مُتمرّد وحرّ ووطني لا يملك سوى الكلمة للدفاع عن نفسه. لذا فلا الجبهة طالبته بمقابل لأنها جبهة ثقافة المقاومة، الجبهة التي أنجبت مناضلين تشهد لهم الميادين، وليس أولهم ولا آخرهم المناضل العربي الكبير، الأسير والجريح والشهيد الأسطورة سمير القنطار. لا الجبهة طالبته ولا  كان هو على استعداد لدفع أيّ مُقابِل لو طالبته بذلك، ولو أنه شعر بشيء من هذا القبيل لما عاد وزارنا. وبقيت الجبهة تدعم علي في اتحاد الكتّاب والصحفيين الفلسطينيين.

في إحدى زياراته تلك كان لي من العُمر 17 عاماً وأعتقد أنها كانت سنة 1980 تشجّعت وأظهرت قصاصة ورق كنت كتبت عليها كلمات اعتبرتها شعراً وقدّمتها له طالباً رأيه. صدمني ردّه حيث قال لي : عليك أن تأخذها معك إلى الحمام لأستخدامها بعد قضاء حاجتك.

... ربما لاحظ ذهولي من جوابه فأضاف : لا تزعل عليك أن تكتب وتُمزّق ما كتبته مئات المرات حتى تخرج بأجمل ما لديك...

هكذا كان علي فودة لا يُجامِل ولا يرحم ولكني الآن أعترف أن نصيحته أفادتني كثيراً في ما بعد وفي المسيرة التي أوصلتني إلى عالم الكتابة.

عاش مُتقشّفاً كما الشهيد الفنان ناجي العلي، وحرص على أن يكون مع شعبه في المخيمات، ومع رفاقه المُقاتلين في المواقع والميادين والمواجهات. فهو شاعر امتطى القصيدة فرساً نحو فلسطين، ولم يترك بندقيته بل ضمّها إلى يراعه الذي لازمه حتى آخر لحظات الرحيل.

رأى أن الثورة التي تتحكّم فيها ( اللعنات ) هو مُصطلح ابتكره علي فودة وكان ينعت به القيادة المُتنفّذة في المنظمة والثورة، بحاجة لمنبر إعلامي مُستقل وجريء ولا يُجامِل أحداً، ويمكنه مواجهة تلك اللعنات. فأسّس الشهيد علي فودة مع زميله الشاعر رسمي أبو علي جريدة رصيف81 التي كانت تصدر في بيروت وتوزّع على الفدائيين والمُقاتلين في محاور القتال خلال حصار بيروت الشهير صيف 1982. استقطبا للجريدة مجموعة كبيرة من شعراء وأدباء ثقافة المقاومة في بيروت. فجمع رفاقه من الأدباء والكتّاب والشعراء المُتمرّدين من العرب والفلسطينيين تحت خيمة جريدة الرصيف.

 انطلقت الجريدة من دون مقوّمات مالية كبيرة، بهمّة شاعرنا ورفاقه، وبتمويل ذاتي، لم تعمر طويلاً لأن الاجتياح الصهيوني للبنان صيف سنة 1982 أنهى تجربة الرصيف ووضع حداً لحياة مؤسّسها ورئيس تحريرها شهيدنا علي فودة.

استشهد علي فودة في منطقة عين المريسة نتيجة استهداف مباشر من بارجة صهيونية وهو يحمل رشّاشه على كتفه وأعداد جريدة الرصيف في يده الأخرى.

عندما أحضروه جريحاً بحالٍ خطرةٍ جداً كنت بالصدفة أزور رفيقاً لي جريحاً في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، رأيت علياً مُدرَجاً بدمه. لكنني حقيقة لم أتعرّف عليه ولم أعرف أنه علي فودة إلا بعد صدور بيان نعيه من قِبَل اتحاد الكتاب الفلسطينيين والعرب في جريدة المعركة اليومية التي كانت تصدر في بيروت. ليتبيّن في ما بعد أنه مازال حيّاً ويرقد في العناية الفائقة في مستشفى الجامعة الأميركية. استشهد مُتأثّراً بجراحه في بدايات شهر آب – أغسطس 1982 .

يا علي أنت أيضاً الذي قلت في رصيفك - رصيف بيروت 1981 :

آه مَن ينسى الفاكهاني"

من لا يتذكّر مقهى أم نبيل.." 

ونقول لك في ذكراك الخالدة :

آه من ينساك عليا

ومن لا يتذكّر الغجريّ.. 

المجد والخلود للشاعر الشهيد والنصر للمقاومة، ولا بديل من  العودة والتحرير الكامل

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

متعلقات
انشر عبر