على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

شهادات مؤلمة من "المَنسيّين": أقبلُ بالظلمِ من أجل لقمة العيش!

19 تشرين أول / سبتمبر 2017
أرشيفية - العمال في قطاع غزة
أرشيفية - العمال في قطاع غزة

غزة _ خاص بوابة الهدف _ عمر موسى

غادرَ محمد الزعانين (24 عامًا) المنجرة التي يعمل بها مُتجهمَ الوجه، ساخطًا على معاملة صاحبها المجحفة له ولزملائه؛ فقد خصمَ عليه 50 شيقلًا نظير تغيّبه يومًا واحدًا عن العمل، وهو ما يعادل نصف راتبه الذي يتلقّاه أسبوعياً، وضِعف ما يتلقاه يومياً!.

في المنجرة التي تقع على الأطراف الشرقية من مخيم جباليا، شمال قطاع غزة، يضطّر الزعانين وزملاؤه إلى الإذعان للإجحاف في حقوقهم كعُمّال، فيقبلون العمل لساعات طويلة، تصل إلى 10 ساعات متواصلة، بسبب ضرواة الظروف المالية التي تعيشها عوائلهم.

الشاب الذي كانَ يشاطر والدَه، الذي يعمل سائق أجرة، قساوة توفير قوت عائلته اليومي، اضطرّ مؤخرًا لأن يضطّلع بمسؤوليات أسرته بالكامل، بعد توقّف والده عن العمل لدواعٍ صحية.

النجّار الشاب، ذو الملامح الشاحبة، لم يكن يعترض على المَهانة التي يُعامله بها رئيسُه في العمل؛ نظراً لحاجته وأسرته -كثيرة العدد- للمال. قال لـ"بوابة الهدف": كنتُ أتقبّل كل ما يقوله، فقط لأن هناك عائلة تنتظرني، ولا أجدُ عملًا آخرًا يُغنيني عن كلّ هذا الذلّ.

محمّد أوضح أنّ رئيسه "يستغلّ حاجة عماله، ويكيل لهم الشتائم سواء عند تسليمهم رواتبهم، أو إذا رآهم يُريحون جسدهم لدقائق، بعد العمل لساعات طويلة في المنجرة، التي تفتقد للتهوية اللّازمة، وهو ما يُضاعف جهدهم.

"ذات مرة، حاول أحد العمال الاعتراض على خصم رئيس العمل من راتبه، وصرخ فيه: نحن لسنا متسولون، فما كان من الأخير إلّا أن رفع صوته في وجه الشاب وقال له: اخرج وابحث عن عملٍ آخر، ولا تعد مرة أخرى إلى المنجرة، فخرج العامل، وبالفعل لم يعد إليها"، روى محمّد لـ"بوابة الهدف"، وقال "بعدها حدّثت نفسي بأن أترك المكان أنا أيضًا، إلّا أنّ عوز عائلتي قيّد تفكيري ونوايايَ". 

ووفقاً لقانون العمل الفلسطيني، الذي يضربه مالكُ المنجرةِ عرضَ الحائط، تنصّ المادة (90) منه على توفير وسائل الحماية الشخصية والوقاية للعاملين من أخطار العمل وأمراض المهنة، ومراعاة الشروط الصحية اللازمة في أماكن وبيئة العمل، وتوفير وسائل الإسعاف الطبي للعمال في المنشأة.

يُتابع محمد، وهو يعصر أصابعه "نُجهد أنفسنا تركيزًا ونحن نعمل على آلات القصّ، خشيةً على أيدينا، فقد أخبرنا مالك المنجرة أنّه لن يُدخل أيًا منّا المشفى في حال أُصيب خلال العمل".

"لا حقوق لنا"، يُكمل بنبرة يملؤها اليأس "لو أن في هذا البلد قانونًا يحمي العامل، لما تجرّأ أرباب العمل على صبّ جورهم وظلمهم المُركّب علينا، ناهيكَ عن تصريحِهم بأنّ الأجور التي نتلقّاها منهم هي منّةً لنا لا أكثر.. العمّال اليوم باتوا كالمستولين".

حاول الشاب الزعانين ورفاقه في العمل التواصل مع نقابة العمّال، إلّا أنّهم تراجعوا خشيةَ معرفة مالك المنجرة بالأمر، فيكون "ردّه المُتوقّع هو طردهم، وبدون إعطائهم أجرة الشهر" بحسب محمد. لذا فقد آثر وزملاؤه "الإذعان لهذا الإجحاف في سبيل سدّ عوزهم".

لا يختلف حال النجار محمد عن عامل الباطون الشاب، علي الرشايدة (26 عامًا)، والذي يقع عليه ذات الظلم من رئيسه في العمل، أو "المْعلِّم" كما يُناديه العمالُ.

ووفق ما قاله لـ"بوابة الهدف"، فقد تعرّض العامل الشاب لإصابةٍ في قدمه اليمنى، خلال قيامه بعمله المُعتاد في أحد الأيام، وبسبب حدّة الإصابة لم يتمكّن من إتمام عمله في ذاك اليوم، فعاد لبيته، وعليه لم يحتسب "المعلم" له أجرة اليوم.

وعلى الرغم من هذا، لم يعترض علي، كما لم يُطالب بحقه في أجرة يوم الإصابة، ولا التعويض عن إصابته، رغم أن المسمار الذي دخل قدمه جعله لايستطيع مغادرة الفراش. علمًا بانّ قانون العمل يكفل للعامل حقه في تقاضي أجرته المُعتادة، حتى يتعافى ويعود إلى للعمل.

تنصّ المادتان (118) و(119) من قانون العمل على أنّه إذا حالت إصابة العمل دون أداء العامل لعمله يستحق العامل 75% من أجره اليومي عند وقوع الإصابة، طيلة عجزه المؤقت، ويتكفل صاحب العمل بعلاج العامل المصاب إلى أن يتم شفاؤه، وتغطية كافة النفقات العلاجية اللازمة بما فيها نفقات الخدمات التأهيلية ومستلزماتها.

يبرر الرشايدة صمته عن المطالبة بحقه قائلاً "أصبت في بداية اليوم وبالتالي من المتعارف عليه في عملنا أنك إذ تعرضت للإصابة تعود إلى بيتك دون حتى أن تخبر أحد أنك أصبت".

"بوابة الهدف" توجّهت إلى رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، سامي العمصي، الذي رأى أنّ "القانون الفلسطيني الموجود هو من أفضل القوانين في الشرق الأوسط في حفاظه على حقوق العامل"، مُستدركًا بأنّ "المشكلة تكمنُ في التطبيق الخجول لهذا القانون".

العمصي أضاف أنّ مُشكلة أخرى تُعيق أداء وزارة العمل لمهامها في المراقبة والتفتيش، وهي نقص الكادر الوظيفي. وقال "إنّ 11 مفتشًا فقط في الوزارة لا يكفي لتغطية أكثر من 40 ألف مُنشأة عمل في محافظات قطاع غزة، من ورش ومناجر وغيرها" لافتًا إلى أنّ الوزارة تقوم بمهامها بالقدر المُستطاع.

وأكّد العمصّي ما قاله النجّار الزعانين لـ"بوابة الهدف" في أنّ العمال يتردّدون في تقديم شكوى ضدّ رئيسه في العمل، كونه يُدرك أنّه بهذا يُعرض نفسه للطرد من مسؤوله، في الوقت الذي يتحيّن فيه جيشٌ من العاطلين أيّة فرصة للتوظيف في أيّ عملٍ كان. الأمر الذي يضطّرّه للرضا بالظلم، والإذعان له".

أمين سرّ جبهة العمل النقابي التقدمية إلياس الجلدة رأى أنّ الجهات الحكومية تتعذّر بنقص الكادر الوظيفي في طواقم التفتيش في تبرير قصورها في متابعة ما يقع على العمّال من انتهاكات جسيمة.

وعن نقص الكوادر تحديدًا، تساءل الجلدة، خلال حديثه لـ"بوابة الهدف": لماذا تُوظّف الحكومة عناصر جديدة في شرطة المرور بينما لا تسدّ العجز في لجان التفتيش الخاص بوزارة العمل". 

وقال "إنّ آلية تعامل المؤسسات الحكومية مع قضايا الانتهاكات العمّالية تعكس عدم اهتمامها بحقوق العمّال، بل وتهميشها لهم"، مُبديًا استهجانه من عدم قيام الجهات المسؤولة بمهامها ومسؤولياتها في متابعة أوضاع العمّال، وظروف تشغيلهم وعملهم، رغم امتلاكها الحق القانوني الذي يمكّنها من ذلك، إضافة لحقّها في مساءلة ومحاسبة كل مُنتهِك. 

وحول دور الأطر النقابية والعمالية في متابعة الجور الواقع على العمّال، أوضح الجلدة أنّ جبهة العمل تحاول قدر المُستطاع الضغط على المؤسسات الحكومية لتكثيف متابعتها لهذه القضية، كما تُنظّم الفعاليات ووقفات الاحتجاج وتعقد اللقاءات باستمرار مع وزارة العمل؛ لتِبيان خطورة تهميش الإجرام الذي يُقترَف بحقّ العمّال. داعيًاً الجهات المسؤولة للقيام بدورها المطلوب في حفظ حقوق العمّال وصون كرامتهم.

متعلقات
انشر عبر