على مدار الساعة
أخبار » آراء

قانون إعدام مدني

24 تشرين أول / سبتمبر 2017

لا توجد حكمة واحدة في إدخال تعديلات جديدة على قانون الجنسية في مصر تنطوي على مزالق وأخطار يصعب تجنبها كأن البلد تنقصه أزمات جديدة.

بالتعريف فهو من القوانين المكملة للدستور والشرط الرئيسي لسلامته أن يلتزم النص الدستوري ولا يخرج عليه.

وفق مادته السادسة: «الجنسية حق لمن يولد لأب مصري، أو لأم مصرية، والاعتراف القانوني به ومنحه أوراقاً رسمية تثبت بياناته الشخصية، حق يكفله القانون وينظمه».

هكذا بوضوح الجنسية حق مكفول ولصيق بالإنسان، وجزء لا يتجزأ من الحقوق الأساسية للمواطنين، والقانون ينظم الاعتراف به ولا يتعدى عليه بأية ذريعة.

أقل ما توصف به التعديلات على قانون الجنسية، التي أقرها مجلس الوزراء تمهيداً لعرضها على المجلس النيابي، بأنها «غير دستورية» وفق إجماع الفقهاء القانونيين.

في القضايا بالغة الخطورة والحساسية، كمسألة الجنسية، لا يصح أن تمضي الأمور باستعجال في إجراء، أو خفة في صياغة، فالنتائج السياسية فادحة.

بنص البيان الرسمي لمجلس الوزراء، تقر التعديلات سحب الجنسية من «كل من اكتسبها عن طريق الغش، أو بناء على أقوال كاذبة، أو بعد صدور حكم قضائي يثبت انضمام صاحب الجنسية إلى أي جماعة، أو جمعية، أو جهة، أو منظمة، أو عصابة، أو أي كيان، يهدف للمساس بالنظام العام للدولة، أو تقويض النظام الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو السياسي».

هناك فارق جوهري بين الجنسية الأصلية والجنسية المكتسبة، والخلط بينهما خطأ فادح.

شأن ما توصف عادة بالقوانين سيئة السمعة الصياغات فضفاضة، فلا انضباط في مفاهيم، وكل جملة معلقة على تأويلات لا نهاية لها.

أسوأ ما في تلك الصياغات الفضفاضة إطلاق عموم الاتهام، الذي قد يسقط الجنسية، على أمور بالغة التناقض.لا نكاد نعرف من هو المخاطب بالقانون.

قد يقال إن القصد محاربة الإرهاب وجماعاته والمحرضين عليه.

غير أن النص المنسوب رسمياً إلى مجلس الوزراء لم يشِرْ بحرف واحد إلى الكيانات الإرهابية، ولا إلى الإرهاب نفسه.

بافتراض أن الإرهاب هو المستهدف بالتشريع العقابي الجديد، فالأمر يحتاج إلى نقاش مستفيض في استراتيجية مكافحته ومدى كفاءتها في مواجهة أخطاره، ولماذا لم نتمكن حتى الآن من تقويض قدرته على التمركز والضرب في الوجع من حين لآخر؟

فيما هو متواتر من كلام، فإن المواجهة تستلزم مجمل قدرات الدولة والمجتمع، وأن تشمل الجوانب الفكرية والاجتماعية والسياسية، كما الأمنية والقانونية.

السؤال ضروري هنا: هل استطلع رأي المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب، الذي شكل حديثاً، في تعديلات قانون الجنسية، أم أنه قرأها في الصحف؟

ذلك يستدعي التدقيق والتروي حتى لا يروع المجتمع بقوانين متفلتة من أي قيد دستوري أو إنساني ويساء إلى سمعة مصر في عالمها.

إثارة المخاوف على هذا النحو لا تساعد البلد على التماسك الوطني الضروري في مواجهة أزماته المستعصية، وتعمق من مشاعر الإحباط واليأس من أي مستقبل.

من المؤكد أن المحكمة الدستورية العليا وفق فقهاء القانون سوف تسقط هذه التعديلات، إذا ما أقرها مجلس النواب، عندما تعرض عليها، كما أسقطت من قبل قوانين مشابهة وصفت بأنها «سيئة السمعة» مثل «قانون حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي»، الذي انطوى على عبارات فضفاضة سوغت العزل السياسي دون أن تذهب إلى الإعدام المدني.

استسهال سحب الجنسية، دون إجراءات منضبطة ودستورية، تطور تشريعي خطر.

إذا ما أدين أحد ما بحكم قضائي في جريمة إرهابية، فهناك عقوبات قانونية بالتبعية، مثل إدراج اسمه على قوائم الإرهاب، ووضعه تحت مراقبة الشرطة، والتحفظ على أمواله.

بالإضافة إلى ذلك كله فهناك سؤال افتراضي: إذا ما سحبت الجنسية عن شخصيات لها حضور دولي، سواء كانت في السجون الآن، أو قد تتهم في المستقبل، فقررت دولة أخرى لأية أسباب تراها أن تمنحهم جنسيتها، فماذا يحدث؟

سوف تطالب بتسلم مواطنيها الجدد، الذين منحتهم جنسيتها للتو، استناداً لقوانين دولية، ومصرية أيضاً. وفق المادة الثانية والستين من الدستور المصري فإنه «لا يجوز إبعاد أي مواطن عن إقليم الدولة، ولا منعه من العودة إليه». وقد تعرض زعماء مصريون تاريخيون لهذه العقوبة من بينهم «أحمد عرابي» و«سعد زغلول».

في ذلك الوقت لم تكن هناك قوانين تنظم الجنسية، فإذا ما تصورنا أن العقلية التي صاغت التعديلات الجديدة خولت النظر في مصير الزعيمين الكبيرين، فربما كانت أشد تطرفاً من سلطات الاحتلال البريطاني، التي لم تسقط صلتهما بالوطن المصري ولا حكمت عليهما بالإعدام المدني.

بتلخيص ما يصعب حصر حجم الضرر السياسي من جراء التعديلات المقترحة.

بذات القدر فإن آثاره الاجتماعية سلبية، حيث يمثل ردة عما حصلت عليه المرأة المصرية المتزوجة بأجنبي من حق منح أبنائها الجنسية، وقد كانت تلك معركة طويلة ومشرفة لكل الذين دعموها.

مشروع القانون الجديد يحذف عن أولادها البالغين حق اكتساب الجنسية ولا يمنعها عن القصر، وذلك إخلال جسيم بقاعدة المساواة يهدد استقرار الأسرة.

النزعة الضيقة والرجعية تكاد أن تكون الملمح الرئيسي لتشريع فضفاض في عباراته، ويجمع بين مراكز قانونية ليست واحدة.

في ذلك التشريع المقترح كل كلمة ملغمة، وكل معنى فضفاض، وكل خطر ماثل، ويصعب أن يمر بلا أثمان باهظة.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

عبد الله السّناوي

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر