على مدار الساعة
أخبار » منشورات

التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني

25 كانون أول / سبتمبر 2017
التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني
التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني

لحديث عن الأخلاق في مناسبة الذكرى العاشرة لرحيل الانسان القائد الوطني الديمقراطي د. حيدر عبد الشافي، هو حديث عن قيمة رئيسية من جملة القيم الانسانية التي سكنت عقله وروحه، وكانت مرجعاً أولياً في كل ممارساته ومواقفه السياسية والمجتمعية.. ففي ذكراه العاشرة لا نفتقده وجوداً فحسب، بل نفتقد أيضاً قيم الحرية والديمقراطية، وقيم الحق والعدل والخير واحترام الآخر ونظافة اليد واللسان والتواضع والشجاعة في الموقف، وقبل كل شيء نفتقد الاخلاق كقيمة طالما كان يرددها باعتبارها شرطاً أساسياً – إلى جانب الديمقراطية والنظام- لتحقيق أهداف فصائل وأحزاب الحركات الوطنية في فلسطين، بدونه لن تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام إن لم تتعرض لمزيد من التراجعات والأزمات والصراعات والانقسامات كما هو حالنا اليوم .

كان الراحل الكبير د. حيدر محقاً في موقفه وعناده وإصراره على ضرورة تطبيق تلك القيم عموماً ، وقيمة الاخلاق خصوصاً، وذلك انطلاقاً من وعيه إلى أن هذه القيم لابد لها أن تكون ألقاعدة أو الأساس الرئيسي لقيادات وكوادر القوى السياسية.

في رحاب الذكرى العاشرة لرحيل الانسان الاخلاقي الديمقراطي النبيل د.حيدر، لا نملك إلا ان نكون أوفياء له ولمبادئه مستلهمين الدروس والعبر من سيرته لكي نطرق أبواب الحوار الموضوعي الجرئ الذي بات اليوم حاجة أكثر من ملحة في واقعنا السياسي المجتمعي الفلسطيني والعربي المنحط الراهن، وصولاً إلى خلق الحوافز المعرفية والسياسية والاجتماعية الكفيلة، من خلال رؤى وبرامج وطنية وديمقراطية نقيضة للانحطاط والاستبداد والخضوع والتخلف والاستنباع، وذلك انطلاقاً من وعينا للترابط بين السياسية والاخلاق بالمعنى الموضوعي النبيل لكلمة السياسي وليس باعتبارها اطاراً للمصالح الأنانيه الانتهازية الضاره لهذه الحركة السياسية أو تلك.

فالسياسة إذا ما أدّت إلى خدمة اهداف ومصالح الشعب وفق أسس وطنية وديمقراطية فإنّها تكون أخلاقية. وإذا ما أدّت إلى إضعاف وتفكيك الشعب والمجتمع والنظام وتحقيق مصلحة الفئة الحاكمة وحدها بقوة الإكراه والاستبداد وتركت الشعب وحيداً في مواجهة كل أشكال المعاناه والبؤس والتهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فإنها تتحول إلى سياسه منحطه لا أخلاقية. 

وبالتالي "فهناك سياسة أخلاقية، وهناك سياسة لا أخلاقية. وفي هذا السياق، هناك تصوران في هذا المجال هما: التصور الاخلاقي النبيل لكانط والتصور الانتهازي لميكافيللي، "ومعلوم أنّه عندما نقول سياسة مكيافيلية فكأنما نقول سياسة لا أخلاقية، اما كانط فكان يعتقد أنّ السياسة ينبغي أن تكون أخلاقية وإلا فلا معنى لها. 

وفي هذا السياق، يقول د.هاشم صالح "إنّ دول الشمال الأوروبي كانطية بهذا المعنى. فألمانيا وهولندا والبلدان الإسكندنافية وسويسرا تبدو عموماً أكثر أخلاقية من امريكا ودول جنوب أوروبا"، وبالطبع لا تجوز المقارنة مع الدول المتخلفة (وأنظمة العرب) حيث يسود الاستبداد والفساد والتبعية والانحطاط الأخلاقي، لكن المقارنة ضرورية لكي ندرك الفرق واضحاً جلياً بين السياسة الأخلاقية والسياسة اللاأخلاقية"، وفي هذا السياق أعتقد أن السياسة في الأنظمة العربية وصلت إلى حالة غير مسبوقة من اللاأخلاقية.

لقد لعبت الفلسفة الأخلاقية للفلاسفة الكبار دوراً وتأثيراً في العقلية الجماعية في الغرب عن طريق التربية والتعليم والتثقيف والتهذيب ذلك انطلاقاً من أن الفكر يلعب دوره وليس مجرد ثرثرات فارغة كما يزعم البعض، فلا سياسة عظيمة بدون فكر عظيم. وبالتالي فالفكر أولاً، بعدئذٍ تجيء السياسة وقطف الثمار. وهذا ما ينقصا بشكل موجع".

وفي هذا الجانب أتفق مع الراحل الكبير، مؤكداً على أن القيم –في مقدمتها الأخلاق- تعني بالنسبة لي، جملة التصورات التي يمثلها الوعي الجماعي لكل شعب من الشعوب في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية في حقبة أو مرحلة تاريخية محدده، وهذه التصورات تتصل في مستوى أقل تجريداً بقيم الاقتصاد والسياسة" والفنون – كما يقول د. سعيد بن سعيد العلوي ، ومن ثم "قإنه لا مندوحة لمجموعة القيم السائدة في عصر من العصور من الخضوع، من حيث المضامين وليس من جهة الصوريه لشرط أول هو التاريخية ، ولشرط ثان هو النسبية" .

سأتناول في مداخلتي هذه، عنوانين رئيسيين هما: 
1.    مفهوم الاخلاق وتطوره الفلسفي . 
2.    راهنية الاخلاق في مجتمعنا الفلسطيني.

 
أولاً: مفهوم الأخلاق وتطوره الفلسفي والتاريخي: 

المفهوم  Concept: "هو فكرة محدده تمثل الخصائص الأساسية للشيء الذي تمثله".

شكل من أشكال الوعي الاجتماعي (إلى جانب الفلسفة والعلم والفن والسياسة والدين)  تنعكس فيه الخصال الاخلاقية (الخير، العدالة، الحق... إلخ) ، والاخلاق هي جماع قواعد ومعايير حياة الناس، تحدد واجباتهم كل تجاه الآخر وتجاه المجتمع"، هو مفهوم نسبي ، تطور حسب المراحل التاريخية ، والاوضاع الداخلية الطبقية لمجتمع معين في كل مرحلة من المراحل.

إن المشكلة الفلسفية للمعرفة الأخلاقية ، تطرح طائفة لا تحصى من الأسئلة التي تتناول ما يتصل بها من مفاهيم ومبادئ وقيم. مثال ذلك : ما أصل مفاهيم الخير والعدالة والشرف والكرامة ؟... هل هي وليدة التجربة أم أنها فطرية، وجوابي على ذلك انها وليدة التجربة.

الأخلاق بين الديمقراطية والاستبداد:

"في البلدان الديمقراطية، يتساوى جميع المواطنين أمام القانون، وبقدر ما يكون هؤلاء أحراراً تكون دولتهم حرة وقوية، وفي البلدان المتأخرة حيث التسلط والاستبداد يتساوى جميع المواطنين أيضاً، ولكن بصفتهم لا شيء. الدولة الديمقراطية قوية بشعبها، ودولة الاستبداد قوية على شعبها.

المواطنون في البلدان الديمقراطية ذوات حرة متساوية في الحقوق وفي الكرامة الإنسانية.

والرعية في عالم الاستبداد موضوع، والرعايا موضوعات لإرادة المستبد.

ومن ثم فإن دوام الاستبداد وألفة الرعايا له تجعل من أخلاقهم أخلاق أتباع وعبيد. الاستبداد والعبودية صنوان، هكذا كانت الحال في الماضي، وكذلك هي اليوم".
"الاستبداد المعاصر كسلفه القديم، يقوم على احتكار الثروة والسلطة والقوة، ويختزل الوطن كله في شخص المستبد. 

ولكي يستتب له الأمن يصطنع المستبد قوى للأمن علنية وسرية، وهذه تصطنع جيشاً من المخبرين والوشاة يتكاثر كالخلايا المسرطنة.

خلص مما تقدم، إىل أن الاستبداد يقتل في الإنسان شخصه القانوني، إذ يسلبه جميع حقوقه، ثم يقتل فيه شخصه الأخلاقي، فتنغلق دائرة الاستبداد؛ ويغدو بالإمكان إعادة إنتاجه .

"إن قتل الشخص القانوني ثم قتل الشخص الأخلاقي في الإنسان هو قتل روح الاجتماع المدني وروح المواطنة؛ ولذلك قيل من لا يدافع عن قوانين بلاده لا يحسن الدفاع عن وطنه، ومضمون القوانين التي يجدر بالمواطنين أن يدافعوا عنها هو الحقوق ومعيارها هو العدالة، والعدالة هي التجسيد الواقعي للمساواة".

وبالتالي فإن تغيير هذه العلاقات اللاأخلاقية في جوهرها ينطلق من تغيير الواقع ذاته... ودور الفكر هنا هو تعزيز هذه العملية الملموسة... أما أن يتحول الفكر إلى عملية وعظ أخلاقي لا تمس الواقع والطبقات المستَغِلَّة... فإنه يصبح في هذه الحالة جزءا من منظومة القهر ذاتها.

بهذا المعنى فإن القيم الأخلاقية ما لم تكن قوة فاعلة من أجل كشف الاستغلال والقهر والدفاع عن حقوق ومصالح الناس .. فإنها فقط تعزز الوهم بإمكانية تعميم العدالة وتحقيق الحرية عن طريق الوعظ الأخلاقي".

التطور التاريخي للمذاهب الأخلاقية في الفلسفة : 

"ظهرت الأفكار الفلسفية الأولى عن الأخلاق في كتاب "الفيدا" الذي تضمن الأفكار الفلسفية الهندية القديمة ما قبل الفلسفة الاغريقية ، التي تقوم على أن "أن الحياة مليئة بالشقاء، ومن ثم لابد من احتقار الحياة الدنيا ... لإن الخلاص من الشقاء لا يكون إلا عبر ما تسميه الفلسفة الهندية بـ"النرفانا" التي تعني الفناء في الإله ، وهو شكل من أشكال التصوف والزهد".

وظلت هذه الفلسفة مسيطرة في الهند حتى ظهور البوذية في القرن السادس قبل الميلاد التي أسسها "غاوماتا بوذا" أو المستنير .

ثم برزت الفلسفة الكونفوشية التي أسسها "كونفوشيوس" (551 – 479 ق . م ) في الصين ، واشتهرت بتعاليمها الأخلاقية السياسية.

أما الفلسفة الإغريقية اليونانية (التي ظهرت في القرنين السادس والخامس ق.م) ، فقد كانت الرائدة في تحرير الفكر عبر تساؤلاتها عن طبيعة الواقع وحقيقة الكون والعقل والعديد من القضايا ذات الطابع المعرفي والشمولي .

يعتبر الفيلسوف سقراط  (469 -399 ق.م ) رائد الفلسفة الأرستقراطية النخبوية الذي وقف بعناد ضد الديمقراطية في آثينا.

كان سقراط من بين أعظم الذين أثروا في الروح الغربية، وكانوا مصدر إيحاء لها. وما ميز سقراط كإنسان تمثل في قوته الأخلاقية، وحياته العادلة والمعتدلة، وسرعة بداهته، وطلاقة لسانه وروحه المرحة اللطيفة.

ويمكننا أن نجمل المبادئ الأساسية للأخلاق السقراطية بما يلي: الفضيلة هي المعرفة، فكلاهما واحد. ومن يعرف الحق معرفة حقيقية سيمارسه أيضاً، وسيكون سعيداً.

الفيلسوف "أفلاطون" (427 – 347 ق.م) قال في كتاب "الجمهورية" ما فحواه: إنّ هدف الدولة ينبغي أن يكون تحقيق حكم الفضيلة والنزاهة والاستقامة على هذه الأرض.

معنى آخر إنّ هدف السياسة هو إقامة مجتمع عادل عن طريق سلطة نزيهة وعادلة، فلا معنى لحكم ظالم ولا مستقبل.

أما أوصاف الطاغية عند أفلاطون فهي: كائن حيواني ينشغل بالملذات المتقلبة, نقيض الروح الخالدة, هو من أتعس العالمين ومدينته مدينة شقية".

أما الفيلسوف أرسطو ( 284 -322 ق.م ) "فهو أول من استخدم مصطلح الأخلاق أو الحكمة العملية من أجل صياغة الأفكار عن الواجب والخير والشر، وهو أيضاً أول من استخدم مصطلح الاستبداد وقارنه مع مصطلح الطغيان، وقال إنهما نوعان من الحكم يعاملان الرعايا على أنهم عبيد.

"وفي العصر العبودي الذي إمتد حتى نهاية القرن الرابع الميلادي ظهرت ثلاث تيارات رئيسية هي:

1-    الريبية – مذهب الشك: ومن أشهر فلاسفتها "بيرون (365-275 ق.م) ، الانسان عندهم عليه "ألا يتخذ موقفاً من ظواهر الطبيعة أو الحياة، وإذا أراد أن يعيش سعيداً عليه أن لا يفكر فيها"، إنها دعوة مبكرة إلى أن يظل الإنسان أبلهاً أو مكرهاً على الإستسلام للظلم .
2-    الفلسفة الابيقورية : نسبة إلى الفيلسوف  "ابيقور" ( 341-270ق.م) ، كان داعية للاستسلام والخنوع والتأمل وهي صفات صبغت المرحلة اللاحقة حتى القرن الرابع عشر .
3-   الرواقيون :- اشهر فلاسفتهم زينون الفينيقي (334 ق.م – 262 ق.م)، دعوا ايضاً الى الاستسلام والسكون وقالوا بأن الانسان الحكيم هو الذي يؤثر مصلحة الدولة على مصلحته الخاصة او الذاتية. 

وفي المرحلة الاقطاعية منذ القرن الخامس الميلادي حتى القرن السابع عشر ، سادت أخلاق الارستقراطية الاقطاعية ذات الطابع المسيحي ، التي استطاعت تكييف الدين المسيحي لحساب مصالحها الطبقية ، حيث سادت الأفكار والفلسفات الرجعية في ذلك العصر (الافلاطونية المحدثة والسكولائية) ونجحت في تثبيت ما سمي ب" أخلاق السادة النبلاء" مقابل أخلاق الطبقات الشعبية الفقيرة التي فرضت عليها ظروف الاستبداد والقهر ، أن تمتثل لكل أشكال التفكير الغيبي والاعراف والتقاليد والامثال الشعبية المنبثقة عنه ، وهي أفكار أكدت على أن الخضوع للسادة هو نوع من الايمان وبالتالي فإن التمرد عليه نوع من الكفر (وهي أفكار تشبه وتتقاطع إلى حد بعيد مع الاخلاق والأمثال الشعبية التي سادت في التاريخ الاسلامي وما تزال حتى اللحظة الراهنة) . 

نيقولا ميكافيللي (1469 – 1527) : حاول في مؤلفاته البرهنة على أن البواعث المحركة لنشاط البشر هي الأنانية و المصلحة المادية، وهو صاحب مقولة:" أن الناس ينسون موت آبائهم أسرع من نسيانهم فقد ممتلكاتهم" ، إن السمة الفردية والمصلحة عنده هما أساس الطبيعة الإنسانية؛ ومن جانب آخر فقد رأى أن القوة هي أساس الحق في سياق حديثه عن ضرورة قيام الدولة الزمنية المضادة ( البديلة ) لدولة الكنيسة؛ ويؤكد على أن ازدهار الدولة القوية المتحررة من الأخلاق ، هو القانون الأسمى للسياسة وأن جميع السبل المؤدية لهذا الهدف طبيعية ومشروعة بما فيها السبل اللاأخلاقية ( كالرشوة والاغتيال ودس السم والخيانة والغدر )؛ والحاكم عنده يجب أن يتمتع بخصال الأسد والثعلب.

هذه هي النزعة الميكافيلية التي تبرر كل شيء للوصول إلى الهدف السياسي ، وهي توضح معنى الفردية والإقرار بالاهتمامات الشخصية.

وفي القرن السادس عشر ظهر " فرنسيسس بيكون " ( 1561_ 1626) ، الذي أعلن "بأن المبدأ الذي ينظم الحياة الفردية والحياة الاجتماعية إنما يتجلى في الطبيعة البشرية بنزعاتها وميولها.

"فالطبيعة البشرية هي المنطلق الأصيل في بناء الأخلاق" ولكن ذلك مرهون بتطهير العقل وغسله من التصورات والأوهام السابقة (أوهام القبيلة، أوهام الكهف، وأوهام السوق) لكي يتصدر العلم والعلماء قمة البناء".

 لقد كان بيكون أعظم عقل في العصور الحديثة" قام بقرع الجرس الذي جمع العقل والذكاء وأعلن أن أوروبا قد أقبلت على عصر جديد . 

ثم ظهورت الفلسفة الحديثة مع رينيه ديكارت ( 1596 م. _ 1650 م. ) مؤسس المذهب العقلانيالذي يرتكز عنده على مبدأ الشك المنهجي أو الشك العقلي "الشك الذي يرمي إلى تحرير العقل من المسبقات وسائر السلطات المرجعية" ومن سلطة السلف ، الشك الذي يؤدي إلى الحقيقة عن طريق البداهة العقلية كالحدس_ التحليل_ التركيب.
لقد أقام "ديكارت" وفق أسس الشك المنهجي والبداهة العقلية؛ يقينه الأول من مبدأه البسيط الذي عرفناه من خلاله "أنا أفكر.. أنا موجود" ، هذا المبدأ الأول هو بداية كل فكر عقلاني وهو ما سنجده مضمراً وصريحاً في الفلسفة العقلانية من ديكارت إلى ماركس.

باروخ سبينوزا" (1632-1677( : أن سبينوزا وضع فلسفة سياسية عبرت عن آمال الاحرار والديمقراطيين في هولندا في ذلك الوقت، وأصبحت احدى المنابع الأساسية لجدول الأفكار التي بلغت أوجها في روسو والثورة الفرنسية.

 يقول سبينوزا "ليست الغاية الأخيرة من الدولة التسلط على الناس أو كبحهم بالخوف، ولكن الغاية منها ان تحرر كل انسان من الخوف كي يعيش ويعمل في جو تام من الطمأنينة والأمن."

 ان هدف الدولة هو الحرية، لأن عمل الدولة هو ترقية النمو والتطور، والنمو يتوقف على المقدرة وتوفر الحرية.

وكلما زادت الحكومة في مكافحة حرية الكلام وخنقها، كلما زاد الشعب عنادا في مقاومتها، ولن يتصدى لمقاومة هذه القوانين أصحاب الشره والطمع من رجال المال، بل أولئك الذين تدفعهم ثقافتهم واخلاقهم وفضائلهم إلى اعتناق الحرية.

جون لــوك ( 1632م. – 1704م. ): عصر التنوير والمساواه 

 رفض وجود أية أفكار نظرية مسبقة في الذهن.. فالتجربة بالنسبة له هي المصدر الوحيد لكافة الأفكار..!

ومن آرائه الاجتماعية والسياسية قوله: "بأن مهمة الدولة هي صيانة الحرية والملكية الفردية، وعلى الدولة أن تسن القوانين لحماية المواطن ومعاقبة الخارجين عن القانون" وقال أيضاً " إن الحالة الطبيعية للبشر تتأكد عند سيطرة الحرية والمساواة كمفاهيم أساسية تحكم المجتمع "؛
كما طالب بالفصل التام بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وقد دعمت آراؤه التوجهات الليبرالية في بريطانيا آنذاك.
مونتسكيو (1689 - 1755) : في كتابه روح القوانين رفض الاستبداد، ودافع عن الحرية، وأكد على ضرورة فصل السلطات، رافضاً للحكم المطلق ونظام الاستبداد.
ومونتسكيو يعد الاستبداد نظاما طبيعيا بالنسبة للشرق لكنه غريب وخطر على الغرب، وهي نفس الفكرة الأرسطية التي يقسم فيها العالم إلى شرق وغرب, للشرق أنظمة سياسية خاصة لا تصلح إلا له وهي بطبيعتها استبدادية يعامل فيها الحاكم رعاياه كالحيوانات أو كالعبيد، وللغرب أنظمة سياسية خاصة تجعل تطبيق الاستبداد يهدد شريعة النظام الملكي.
ثم جاء جان جاك روسو ( 1712 -1778 ) دعا إلى المساواة بين البشر وأن يظل الناس أحرارا كما ولدوا.
كما اعتبر روسو "أن الاستبداد في الأصل ليس نظاماً سياسياً، إنه عملية اغتصاب للسلطة، يترتب عنها أن المغتصب يضع نفسه فوق القانون".
"ومعلوم عن روسو انه نهض في عزّ عصر التنوير لكي يطلق صرخته المدوية: لا لعلم بدون أخلاق، لا لحضارة بدون ضمير! والتنوير إذا لم يكن مبنياً على قيم العدالة والمساواة واحترام الحقيقة فإنه بلا أسس حقيقية".
كانط ( 1724 -1804 ): يعرف كانط الأخلاق، عامةً بأنها مجال الحرية للبشرية، المتميز عن ميدان الضرورة الخارجية والسببية الطبيعية..  الأخلاق عند كانط ، مجال اللازم (ما يجب أن يكون)
  ذهب كانط الى أن الواجب هو المفهوم المركزي في الأخـلاق وهو الذي يحدد مفهوم الخير (والخير هو فعل الواجب).
يُعَرفّ كانط الأخلاق ، عامةً بأنها مجال الحرية للبشرية.
والى جانب كانط ، فقد حفلت الثقافة الألمانية بآراء فيخته وشلنغ وهيغل.
هيجل ( 1770_ 1831): يُنَصِّبْ هيجل " الشرف " المعتمد من قبل المجتمع والدولة  القائمين ، وهكذا قان أخلاق هيجل هي أخلاق التزامات تجاه الأسرة والمجتمع والدولة .
أما أوغست كونت ( 1798 _1857 ) ، فالأخلاق لديه علم يهدف أول ما يهدف إلى البحث عن قوانين الحوادث الأخلاقية .
 وهو صاحب نظرية" الوضعية التي تتميز باعتماد العلم في فهم وتفسير الظواهر الطبيعية والبشرية وهي الحالة "المعاصرة" التي دعا الى الأخذ بها .
استبعد كونت أساليب كل من التفكير الميتافيزيقي واللاهوتي، استبدل بهما مناهج التفكير العلمي فاتجه إلى "وضع قوانين تفسير الظواهر اللا أخلاقية توطئة للسيطرة عليها والإفادة منها في دنيانا الحاضرة".
 والخصائص الرئيسية للأخلاق الوضعية ، أنها تقوم على أساس العلم الوضعي وتحقق صفاته، ولهذا فهي حقيقية، وتنظر إلى الإنسان كما هو كائن بالفعل.
نيتشه (1844 – 1900): أفكار نيتشة ، تدعو الى تدمير الأخلاق القديمة وتمهيد الطريق لأخلاق " الإنسان الأعلى " ، انطلاقاً من قناعته بأن هناك تقديران متناقضان للسلوك الإنساني ، هما أخلاق السادة ، وأخلاق الطبقات العامة.
 فالخضوع عنده يولد الذل والضعة ، والعجز ينتج طلب المساعدة من الغير ، حيث تسود أخلاق الضعف والسلام والأمن وتصبح أحد أهم السمات الأخلاقية للشعوب المستعبدة والمغلوبة على أمرها ، فالحياة التي تقوم على مبادئ التسامح الضعيف هي حياة تسير في طريق الانحلال ، فالأخلاق الحقة هي إرادة القوة.
كان نيتشة يحتقر أخلاق العبيد أو الضعفاء لأنها أخلاق صادرة عن الضعف والعجز بينما أخلاق الأقوياء أو " السادة " كما يقول : تقوم على البطولة والمقدرة.
أما العبيد فانهم يلجأون الى تسمية الأشياء بعكس أسمائها الحقيقية . وهكذا فالشعور بالعجز يسميه العبد " طيبويه " ، وعدم القدرة على رد الفعل يسميه " صبراً " كما يسمي الخضوع " طاعة " و الوضاعة " تواضعاً " والعجز عن الانتقام " عفواً " وهكذا. 
وسؤالي الى أي مدى تنطبق أخلاق العبيد على العرب اليوم ؟ وما هو البديل ..؟ هل هي إرادة الحياة ؟ هل هو الإنسان الذي يثور ضد العدو الوطني ، وضد العدو الطبقي ، إلى جانب ثورته على الأخلاق السائدة وأضاليلها ؟ هل هو الإنسان الذي يثور على الشفقة وعلى الرحمة وعلى الصبر والتواضع والتواكل ؟ الجواب أتركه لكم . 
فرويد (1856 – 1939) :بعد نيتشه ، ظهرت الفرويدية (أو مذهب التحليل النفسي).
فرويد قال بأن دوافع الانسان واخلاقياته هي انعكاس لميوله اللاشعورية.
هربرت سبنسر (1820 – 1903): مصدر الأفكار والآراء حول الأخلاق التي نادى بها تشكلت على أساس بيولوجي أو التفسير التطوري، بفضل نظرية دراوين، حيث يربط "سبنسر" فكرة الضمير الأخلاقي بالفكرة العامة أو فكرة الأخلاق المكتسبة ، وهي فكرة " بقاء الأصلح ".
وليم جيمس (1842 – 1910): تأثر وليم جيمس بالمفكر الأمريكي تشارلز بيرس مؤسس فلسفة البرجماتزم صاحب مقولة " لكي نجد معنى للفكرة ينبغي أن نفحص النتائج العملية الناجمة عن هذه الفكرة".
ورأى أن لا قيمة للأمور في نظره إلا إذا أرشدتنا الى تحسين أوضاع حياتنا، فالناس يقبلون الفلسفات أو ينبذونها وفقاً لحاجاتهم لا وفقاً للحقيقة الموضوعية، وهم لا يتساءلون : هل هذا منطقي ، بل يتساءلون عن مدى ما تتناسب الفلسفة مع مصالحهم.
جون ديوي (1859 – 1952): قال أن النمو و التطور ، هما أعظم الأشياء وأفضلها وأجدرها بالاحترام ، لقد جعل ديوي من النمو والتطور مقياسه الأخلاقي ، فالنمو في نظره هو المقياس الأخلاقي وليس الخير المطلق . 
أما عالِم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864 ـ 1920) ، فقد رأى أن الحداثة المعاصرة، وانتقال العالم من العصر القديم إلى العصر الحديث، يمكن إرجاعه إلى سببين رئيسيين، هما : «روح» الرأسمالية، و«الأخلاق» البروتستانتية . 
وذلك لأن الأخلاق التي تبشر بها البروتستانتية، على خلاف الكاثوليكية أو الأرثوذكسية ، تدعو إلى العمل والإنتاج وتكوين الثروة ، والنجاح في مثل هذا المسعى هو علامة رضا من الرب . 
جوهر الأخلاق البورجوازية يقوم على الفردية والأنانية، أنها أخلاق لا تعترف ، في العلاقات بين الناس ، إلا برابطة واحدة هي المصلحة العارية ، والمنفعة الخاصة والكسب الشخصي ، أنها الأخلاق التي تبرر الحروب وكراهية البشر ، وان الحق دائماً إلى جانب القوة.
من كل ما تقدم ، نلاحظ انتقال المسألة الأخلاقية في عصر النهضة أو في حضارة الغرب الرأسمالي عموما ، من مستوى الدين الآمر ، والفكر اللاهوتي إلى مستوى الفكر الانتقادي ، وأصبحت قواعد الأخلاق الرأسمالية موضوعاً من مواضيع الثقافة الإنسانية "دون القطيعة الكاملة مع جوهر الدين".
كارل ماركس:( 1818 – 1883 ): رفض فهم الفلسفة على إنها علم مطلق ، غريب عن الحياة العملية، مؤكداً إن مهمة الفلسفة والفكر الاجتماعي ليست بناء أو إنشاء Construction  المستقبل، ولاوضع نظريات تصلح لجميع العصوروالدهور ، بل إن مهمتها " النقد الذي لايرحم لكل ماهو قائم، ولا يتراجع أمام الاصطدام بالسلطات القائمة.
إن مأثرة فلسفة ماركس تكمن في كونها البرهان الفلسفي والعملي في آن واحد على حتمية التحويل الجذري للمجتمع نحو الانعتاق والتحرر والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية رغم كل ما يتبدى اليوم من عوامل القهر والتخلف .
النظام التوتاليتاري (الشمولي)  أو الشر السياسي:
يُفهم من التوليتارتية ذلك النظام السياسي الذي يجعل الأفراد خاضعين لسلطوية هيئات سياسية واجتماعية، وبمعنى آخر، فإنّه يتأسس على وجود نظام وحيد تنصهر فيه كلّ السلط؛ التشريعية والقضائية والتنفيذية، لتكوين سلطة قاهرة تمارس سيطرة شاملة على الأشخاص وأنشطتهم، وتتدخل في كل تفاصيل حياتهم ، تحولهم إلى “جثث حيّة”، ويصيرون غرباء عن ذواتهم ويفقدون الإيمان بأنفسهم. 
الأخلاق الاشتراكية :
يتمثل جوهر الأخلاق الاشتراكية في الدفاع عن مصالح الفقراء والكادحين بما يتطابق مع القيم الأخلاقية التي تخدم التقدم الاجتماعي على المستوى الإنساني كله.
1.    أخلاق جماعية ديمقراطية، ومبدؤها الأساسي أن الفرد من أجل الجميع، والجميع من أجل الفرد.
2.    أخلاق إنسانية، وهي تسمو بالإنسان وترسخ العلاقات الإنسانية حقا بين الناس.
3.    أخلاق نشيطة وفاعلة، وهي تشجع المواطنين على تحقيق المآثر الإيجابية الجديدة في العمل والإبداع.
جان بول سارتر ( 1905  - 1980 ) (الفلسفة الوجودية): الوجودية: تيار فلسفي يميل إلى الحرية التامة في التفكير بدون قيود ويؤكد على تفرد الإنسان، وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى مُوَجِّه.
"الفكرة الرئيسية في الفلسفة الوجودية تتجلى في أن "الوجود يسبق الماهية" بمعنى أن البشر أحرار في تقرير مصيرهم، إذ أنهم يخلقون هويتهم وليسوا متلقين لها. ونحن مسؤولون مسؤولية كاملة عما نؤول إليه.
"الإنسان ليس شيئاً سوى ما يصنعه هو من نفسه" وقدم سارتر الحجج تلو الحجج ضد الفكر الماهوي والجبري.
وعمد في سبيل ذلك إلى أن يصف الحرية في وضوح وبساطة – وبساطة شديدة كما رأى بعد ذلك – بانها شكل لا انفصام له عن الوجود البشري".
الفيلسوف الألماني بيتر سلوتيرجيك (1947 -  ): يرى أنّ حالتنا الراهنة تشبه إلى حد كبير حالة أوروبا عام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية.
يستعرض هذا المفكر الألماني المعاصر ثلاث لحظات من تاريخ الفكر ، فهناك أولاً اللحظة الكانطية.
ثم يردف الفيلسوف بيتر سلوتيرجيك قائلاً: بعد كانط بخمسين سنة ظهر كارل ماركس واضطرّ إلى بلورة مبدأ فلسفي آخر لحلّ مشكلة العصر. 
بعد مائة سنة من لحظة ماركس ظهرت مشكلة جديدة تتطلب حلاً جديداً أو مبدأ أخلاقياً قطعياً جديداً.
هذا المبدأ الأخلاقي الملزم للبشرية، إذا ما أرادت أن تخرج من الأزمة الجديدة التي تتهددها. وهي الأزمة التي تخصّ الطبيعة والبيئة والمناخ.
أخيراً ، نستنتج من هذا التلخيص للفلسفات الأخلاقية الغربية اهتمام معظم فلاسفتها بالمفاهيم الانسانية وقيم الاخلاق والعدل والمساواة والديمقراطية والمواطنة وفصل السلطات، إلى جانب عدد من الفلاسفة الذين انطلقوا من رؤى وافكار نقيضة للديمقراطية والمساواة.
وفي هذا الجانب ، أود التأكيد على أنه بالقدر الذي نؤمن فيه بالديمقراطية والحرية والعدل والاخلاق، إلا أنني أود التوضيح إلى أنه بدون الاعتراف بـ"مجتمع المواطنين" في مجتمعنا الفلسطيني وبلداننا العربية، وبأهمية دورهم في فضاء ديمقراطي تتوفر فيه حرية الرأي والمعتقد والعدالة والمساواة...الخ، يكون الحديث عن التحرر الوطني ومقاومة العدو الصهيوني او تطبيق الديمقراطية نوعا من الأوهام أو الشعارات الانتهازية المضللة.
المذاهب والفلسفة الإسلامية: 
أ- المذاهب الإسلامية:-
مارس المفكرون الإسلاميون نوعاً من الاجتهاد على نطاق واسع خلال القرون الأولى للحضارة العربية الإسلامية، وكان من نتيجة هذا الاجتهاد بروز المذاهب التي يتوزع المسلمون بينها إلى يومنا هذا.
ومن المعروف أن الاجتهاد قد توقف منذ القرن الثاني عشر الميلادي تقريباً، أو ما يمكن أن نطلق عليه حالة الانقطاع الفكري، حيث تجمد الفكر في مدارس المذاهب المذكورة وضاق هامش التفسير الحر للشريعة، فلم يعد من الممكن الخروج عن حدود المذاهب المعترف بها.
في هذا السياق ، يقول د.الجابري في كتابه الهام " تكوين العقل العربي " ، إن " الثقافة العربية الاسلامية تنقسم إلى ثلاث مجموعات : 
1. علوم البيان من فقه ونحو وبلاغة 
2. علوم العرفان من تصوف وفكر شيعي وفلسفة وطبابه وفلك وسحر وتنجيم.
3. علوم البرهان من منطق ورياضيات وميتافيزيقيا .
ويتوصل إلى ، أن الحضارة الاسلامية هي حضارة فقه ، في مقابل الحضارة اليونانية التي كانت حضارة فلسفة ، لقد تجمدت الحضارة العربية عند الفلسفة اليونانية ، وغاب عنها العنصر المحرك : التجربة ، بعد أن غلب عليها اللاهوت أو علوم العرفان أو اللامعقول".
لقد نشأت المذاهب الفكرية الإسلامية الأولى في عصر الخلفاء الراشدين، وكانت بداية الاختلاف في عهد عثمان بن عفان، الذي تطور فيما بعد إلى نزاع بين علي ومعاوية على الخلافة بعد عثمان، ذلك النزاع الذي تحول إلى حرب بينهماَ فرَّقت بين المسلمين وجعلتهم شيعاً وأحزاباً منذ ذلك الوقت إلى أيامنا هذه.
أولاً: كانت البداية في بروز "جماعة الخوارج" التي نشأت عام 37 هجري ( 657 م. ) 
لخَص الخوارج موقفهم من نظام الحكم بأن " السلطة العليا للدولة هي الإمامة والخلافة" وقرروا أن المسلم الذي تتوفر فيه شروط الإمامة له الحق أن يتولاها بصرف النظر عن نسبه وجنسه ولونه ، ( ليس شرطاً عندهم النسب القرشي أو العربي لمن يتولى منصب الإمام ).
أجمعوا على أن الثورة تكون واجبة على أئمة الفسق والجور إذا بلغ عدد المنكرين على أئمة الجور أربعين رجلاً فأكثر.
ثانياً: جماعة المرجئة: 
الفصل بين الإيمان باعتباره تصديقاً قلبياً ويقينياً داخلياً غير منظور؛ وبين العمل باعتباره نشاطاً وممارسة ظاهرية قد تترجم أو لا تترجم عما بالقلب من إيمان.
ثالثاً: المعتزلة: 
كانت المعتزلة من أصدق الفرق في الإسلام الذين جمعوا بين النص والممارسة في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكانوا ضد الأشعري الذي قال : " إن السيف باطل ولو قتلت الرجال وسبيت الذرية ، وأن الإمام قد يكون عادلاً أو غير عادل وليس لنا إزالته حتى وإن كان فاسقاً؛ كما كانوا نقيضاً أيضاً لأحمد بن حنبل الذي يقول: " إن من غلب بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله أن يبيت ولا يراه إماماً عليه ، براً كان أو فاجراً ، فهو أمير المؤمنين (وهناك قول لأحد أئمة ذلك العصر يسندوه لأبي حنيفه ينص على أن " ستون عاماً في ظل حاكم ظالم لهي أفضل من ليلة واحدة دون حاكم " .
وصف المعتزله بأنهم فرسان العقلانية في الحضارة الإسلامية، فقد مثلوا تياراً عقلياً في الفكر العربي الإسلامي تميز بالنظرة الفلسفية لأمور الدين والدنيا حتى قبل حركة الترجمة عن اليونان ، فالعقل عندهم هو " وكيل الله " عند الإنسان.
وأن (القدر ) عندهم بخيره وشره من الإنسان ، وأن الإنسان متفرد بين مختلف الكائنات تميزه الحرية في الاختيار لأفعاله ، وأن امتلاكه خاصة العقل هو المصدر والأصل في تفرده بتلك الميزة .
رابعاً: الشيعة:- 
تنقسم إلى عدة تيارات ، لكن التيارات الرئيسة ظلت هي : 
     أ. الإمامية الإثني عشرية      ب. الزيدية       ج. الإسماعيلية 
وفي هذا السياق نورد هنا الموقف الديني السياسي الحالي للنظرية الشيعية في إيران بعد الثورة الإسلامية والذي يستند على " أن الفكر الشيعي يجعل للرسول كل ما لله في سياسة المجتمع وعقيدة أهله ، وبعد الرسول أصبح كل ما له للإمام ، وبعد غيبة الإمام فإن كل ما للإمام _ الذي هو كل ما لله وللرسول _ هو للفقيه أو آية الله الذي يقع عليه الإجماع ، وهذا ما يسمى في الفكر الشيعي السياسي " ولاية الفقيه" .
خامساً: ظاهرة الزهد والتصوف :
التصوف بدأ تطوره التاريخي عبر حالة جنينية أولى كان الزهد فيها مسلكاً عدمياً ثم تطور إلى موقف فكري يتضمن معارضة ذات وجهين : الأول ديني ويرتكز إلى التأويل أي استخراج المعنى من الباطن ، والثاني سياسي يدعو ألى استنكار الظلم الاجتماعي والاستبداد ، ثم انحدر إلى شكل من أشكال الوعي الفلسفي بالذات في القرون الوسطى ليصبح تعبيراً عن موقف إيديولوجي لا يختلف عن موقف الأفلاطونية المحدثة أو الفلسفة المدرسية الرجعية.
سادساً: القرامطة:-
"يرى القرامطة أن والسلاطين أنزلوا الجماهير إلى مستوى العبودية الاجتماعية والشقاء المادي فأعلنوا أنهم يريدون ارجاع العدل الاجتماعي وإنشاء الرفاه المادي!
حمدان قرمط فرض سلسلة من الضرائب انتهت بنظام الألفة وهو: "أن يجمعوا أموالهم في موضع واحد يكونوا فيها أسوة واحدة ولا يفصل أحد منهم صاحبه أو أخاه".
ويعد ذلك الاجراء الأول من نوعه في تاريخ الإسلام.
ب: الفلسفة الإسلامية :-
تميزت الفلسفة الإسلامية عبر رموزها من الفلاسفة المسلمين بغض النظر عن أصولهم عرباً أو فرساً بآليات ذهنية أو عقلية مشتركة في الجوهر بالرغم من اختلافها في الاجتهاد ، هذه الآليات يجملها لنا د. نصر حامد أبو زيد فيما يلي:_
تفسير الظواهر كلها برَدِّها جميعاً إلى مبدأ أول أو علة أولى ، تستوي في ذلك الظواهر الاجتماعية أو الطبيعية .
الاعتماد على سلطة " السلف أو التراث " وذلك بعد تحويل النصوص التراثية _ وهي نصوص ثانوية_ إلى نصوص أولية ، تتمتع بقدر هائل من القداسة لا تقل _ في كثير من الأحوال _ عن النصوص الأصلية .
اخوان الصفا: يرى " إخوان الصفا " أن تحصيل المعرفة الإنسانية يتم بثلاث طرق هي :_
 1. أعضاء الحواس                  2. العقل                  3.  الحدس 
كانوا من أنصار توحيد جميع الأديان والمذاهب الفلسفية على أساس من المعارف العلمية والفلسفية التي تُخلِّص الدين من الأوهام والخرافات.
أخيراً .. لقد استهدفنا عبر كل ما قدمناه ، تقديم صورة موضوعية مبسطة للمذاهب والفلسفة الإسلامية ، ليس فقط للفهم والتأمل بقدر ما هي دعوة لإعمال العقل ونقد كل مظاهر ومكامن التخلف لحفز إرادة العمل وإرادة النهضة والتحرر والتقدم ، خاصة وأن الكثير من ممارساتنا وأنماط تفكيرنا اليوم، لا يختلف كثيراً في الجوهر عن ردود الفعل التي قابل بها الهنود الحمر أو الأستراليون الأصليين غزاتهم وأن المصير ذاته ينتظرنا ما لم نسارع إلى تغيير أوضاعنا وهذه العملية لن تتم في رأيه بدون " ثورة حقيقية في الفكر الديني تخرجه من أطر العصور الوسطى وتحوله من قيد على التطور الاجتماعي إلى واحد من أهم منابعه " .
الأخلاق العربية الاسلامية : 
في تناولي لهذا العنوان ، أرى ان من المفيد الاشارة إلى ان حالة الاخلاق العربية الاسلامية الراهنة هي امتداد تاريخي، بالمعنى الجزئي ، للمفاهيم والقيم الاخلاقية والمجتمعية التي سادت في التاريخ القديم وتواصلت مع التاريخ الحديث والمعاصر، دون ان تلتزم بحديث الرسول العربي "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
 اما المسألة الاخرى في هذا التناول ، فهي تعود إلى طبيعة التطور الاجتماعي والاقتصادي المشوه تاريخيا وراهنا من ناحية ، وبتأثير التراث الغيبي وضعف نمو وانتشار الرؤى التنويرية أو العقلانية أو الحداثية بحكم قوة التخلف واحتجاز التطور من ناحية ثانية.
بحيث أدى كل ذلك إلى انتاج وترسيخ علاقات اجتماعية وقيمية جاءت انعكاسا طبيعيا لبنية التخلف في الواقع الاجتماعي العربي.
وبالتالي فإننا نلاحظ استمرار سيادة أو هيمنة هذه العلاقات في الثقافة العربية حتى اليوم عبر مجموعة من الاتجاهات القيمية يحددها د.حليم بركات كما يلي:
1- قيم القضاء والقدر وقيم الاختيار الحر . 
2- الصراع بين القيم السلفية والقيم المستقبلية النهضوية والديمقراطية.
3- الصراع بين القيم العقلانية من منهجية وموضوعية وشك وبحث وتدقيق ، وبين القيم العاطفية من عفوية وبداهة وفطرة وايمان وارتجال. 
4- قيم الامتثال والطاعة وصراعها مع قيم التمرد والتفرد والتحرر والديمقراطية.
5- قيم الانفتاح على الآخر وقيم الانغلاق على الذات . 
الاخلاق العربية لا تخرج عموما عن هذه الاتجاهات القيمية ، وهي اتجاهات مستمدة من انماط المعيشة البدوية والفلاحية والمدنية في المجتمعات العربية المعاصرة في اطار التخلف الاجتماعي.
لا شيء يمنعنا، هنا في مجال "العقل الأخلاقي العربي"، من الحديث عن "أخلاق القبيلة" و"أخلاق الغنيمة" و"أخلاق العقيدة"، و/أو "أخلاق الخليفة" و"أخلاق الخاصة" و"أخلاق العامة"! 
في ضوء ما تقدم فإن أزمة المجتمع العربي ومن ثم أزمة الأخلاق العربية الاسلامية ، تعود في جوهرها إلى أن البلدان العربية عموماً لا تعيش زمناً حداثياً أو حضارياً، ولا تنتسب له جوهرياً، وذلك بسبب فقدانها، بحكم تبعيتها البنيوية، للبوصلة من جهة، وللأدوات الحداثية، الحضارية والمعرفية الداخلية التي يمكن أن تحدد طبيعة التطور المجتمعي العربي ومساره وعلاقته الجدلية بالحداثة والحضارة العالمية أو الإنسانية.
فعلى الرغم من دخولنا القرن الحادي والعشرين ، إلا أننا –في البلدان العربية- ما زلنا في زمان القرن الخامس عشر قبل عصر النهضة، أو في زمان "ما قبل الرأسمالية" .
فالمجتمع العربي لم يستوعب السمات الأساسية للثقافة العقلانية أو ثقافة التنوير، بمنطلقاتها العلمية وروحها النقدية التغييرية، وإبداعها واستكشافها المتواصل في مناخ من الحرية والديمقراطية.
ففي غياب هذه السمات يصعب إدراك الوجود المادي والوجود الاجتماعي والاخلاقي والدور التاريخي الموضوعي لمفاهيم الوطنية، والقومية أو الذات العربية في وحدة شعوبها، ووحدة مسارها ومصيرها، إدراكاً ذاتياً جمعياً يلبي احتياجات التطور الديمقراطي السياسي والاجتماعي والاقتصادي العربي .
فإذا بقي واقعنا العربي على هذه الشاكلة من التخلف والتبعية والخضوع ، كيف يمكن لهذا الواقع أن يتعاطى بصورة جدلية مع مفاهيم الأخلاق والحداثة والنهضة والديمقراطية بالمعنى التاريخي والحديث والمعاصر؟
سؤال لا أدعي سهولة الإجابة عنه، فهذه الإجابة ستظل مرهونة بعملية تطور الواقع الموضوعي (الطبقي) المعاصر في بلدان الوطن العربي من جهة، وبنهوض الأحزاب التغييرية، الوطنية التقدمية الديمقراطية النهضوية والعقل الجمعي الطليعي في هذه البلدان من جهة ثانية . 
وبالتالي ، لا أزعم أن بالامكان الحديث عن أخلاق عربية حره وديمقراطية معاصرة نقيضه لمنطق الطاعة والامتثال والاستبداد باسم المفاهيم الشكلية التراثية القديمة ، كما لا أزعم وجود أخلاق عربية كرزمة فكرية واحدة أو متجانسة ، لانها على النقيض من ذلك مجموعة اخلاقيات موزعة ومنتشرة بصورة مختلفة في مجمل الاقطار العربية تجسد أو تعكس تطورها المحتجز وتخلفها وتبعيتها إلى جانب انقسامها إلى بنيتين فوقيتين الاولى تعكس مصالح الطغم الحاكمة في النظام العربي والثانية تعكس اخلاقيات الاطار الاوسع من الجماهير الشعبية الفقيرة والمقموعه والمضطهدة تاريخيا ، وتتعرض راهنا إلى اوضاع لا تحتمل ، ما يجعلها تندفع –في ظل غياب القوى اليسارية الديمقراطية الحاضنة- اما إلى الاحباط واليأس أو الالتحاق بالحركات الدينية أو الصمت أو الصبر على المعاناة في الدنيا والإعراض عنها وعن مغرياتها.
نحن اليوم امام منعطف التغيير، امام منعطف تأسيس بناء اخلاقي ديمقراطي لمجتمعاتنا.
فإذا أردنا أن نبني مجتمعًا ديمقراطياً قويًا متماسكًا،علينا أن نناضل لكي نجعل على رأسه سلطة تلتزم بالأخلاق والقيم، تجعل الحرية والديمقراطية والعدل والمساواة عنوانها.
المجتمع الذي تتبنى سلطته الاستبداد طريقًا لا يشعر أفرادها بحياتهم وبكرامتهم وحريتهم، يصبح جُل اهتمامهم المأكل والمشرب والغرائز البهيمية.
ولا غضاضة لديه في أن يأكلها بذل وخنوع، كما لا يأبه لاحتقار الآخرين له، وفق ما نشرته مجلة "صن" الانجليزية قبل عدة أعوام حينما طالب أحد أعضاء مجلس النواب البريطاني التضامن مع العرب، فتصدى له النواب قائلين: ان العرب خنازير لا يستحقون الاحترام، فخرجت مجلة "صن" في اليوم التالي بكاريكاتير في صفحتها الأخيرة يرسم آلاف الخنازير في مظاهرة حاملين شعاراً واحداً "نحن نعترض.. نحن لسنا عرباً".
وفي هذا السياق، أشير الحقبه العثمانية واستبدادها طوال أربعة قرون.
وما أدى اليه من بروز عدد من المفكرين الاسلاميين في مقاومة ذلك الاستبداد، من بين أهمهم عبد الرحمن الكواكبي (1846 – 1902) كتابه "طبائع الاستبداد" الذي يقول فيه "أنّ الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً ، التي تتصرّف في شؤون الرّعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محقَّقَين".
ثم يعطينا صفات المستبد : 
1.       "المستبدّ : يتحكَّم في شؤون النّاس بإرادته لا بإرادتهم ، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم.
2.       "المستبدّ : عدوّ الحقّ ، عدوّ الحّريّة وقاتلهما ، والحق أبو البشر، والحرّيّة أمّهم ، والعوام صبية أيتام لا يعلمون شيئاً ، والعلماء هم إخوتهم الرّاشدون ، إنْ أيقظوهم هبّوا ، وإنْ دعوهم لبّوا ، وإلا فيتَّصل نومهم بالموت".
وعن الاستبداد والأخلاق، يقول الكواكبي:
"يسلب الاستبداد الراحة الفكرية، فيضني الأجسام فوق ضناها بالشقاء، فتمرض العقول ويختل الشعور.
الاستبداد يستولي على تلك العقول الضعيفة للعامة، فيفسدها كما يريد ويتغلب على تلك الأذهان الضئيلة فيشوش فيها الحقائق بل البديهيات كما يهوى، فترى أنه قد قبل الناس من الاستبداد ما ساقهم إليه من اعتقاد أن طالب الحق فاجر، وتارك حقّه مطيع، والمشتكي المتظلّم مفسد، والنبيه المدقق ملحد، والخامل المسكين صالح أمين.
إن المجتمع العربي اليوم يعاني من حالة فوضى مستفحلة في بناه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وتركيبته الشخصية وأنماط سلوكياته.
وهو مجتمع عاجز يترنح بين الخضوع والعزلة والمواجهة ، قاسى ويقاسي من حرمان وهضم حقوق ، ويمر بمرحلة انتقالية للتغلب على الفقر والتخلف وهو متحرك وممزق ودائم الصيرورة … بمعنى انه دائم الفوران ، لم يستقر ويثبت بعد ليرى نفسه وذاته.
إنه مجتمع يعاني من تخّلف من نوع أخر فهو ليس تخلفا اقتصاديا أو إنمائيا أو تربويا بل  يكمن في أعماق الحضارة الأبوية والصراعات الطائفية التي تسري في كل أطراف المجتمع والفرد وتنتقل من جيل إلى جيل كالمرض العضال.
"إن هذا المرض (التخلف) لا تكشف عنه الفحوص وتعجز عن تفسيره الأرقام والإحصائيات والنسب ، وهو ذي حضور دائم لا يغيب عنا لحظة في حياتنا ، نتقبّله –في معظمنا- من غير وعي ونتعايش معه حتى الموت بعجز وبلاعقلانية .. حتى تجسّد ذلك في إصابة المجتمع بالشلل والتراجع والانكسارات المتكررة مما سبب إلى انهيارات داخلية. 
اذ نواجه مرضا عضالا حسب طرح هشام شرابي فلا شفاء منه خلال وقت قصير إلا بالموت والتحلل ، أو بالتفكك وإعادة التركيب والبناء من جديد.
من الصعب بلورة سيناريو مشرق لمستقبل النظام الأبوي الحديث، وإنه من الأصعب أيضا الحديث عن متطلبات العمل الثوري الذي يجب أن يتم كنتاج عملية تغيير واسعة المدى، في ثلاثة مجالات أساسية: في البنى التحتية الاقتصادية، والمؤسسات الاجتماعية والمؤسسات السياسية.
وبالتالي، لا تشكل عملية "إسقاط نظام طاغية أو رجعي" ضماناً كافياً للتوصل إلى الحرية والعدالة، لأن أحد شروط التحرر هو القضاء على التصور القديم الأبوي المستحدث للثورة.
 
 
 
 
ثانياً : تطور مفهوم الأخلاق في المجتمع الفلسطيني :
كان المجتمع الفلسطيني حتى عام 1948 مجتمعاً زراعياً ، ينقسم إلى طبقتين رئيسيتين : كبار الملاك شبه الإقطاعيين والفلاحين ، وفيما بينهما تواجد هامش ضئيل من العمال والحرفيين والمنشآت الصناعية الصغيرة وصغار التجار.
كان الصراع الطبقي بالغ القوة ، إذ أن العلاقة بين الإقطاعي والفلاح في جوهرها كانت أقرب إلى علاقة السيد بالعبد.
ومن الثوابت الجديرة بالمتابعة في تاريخ نضال شعبنا الفلسطيني ، أن الفلاحين الفلسطينيين كانوا وقود الثورة قبل عام 1948 ، يدفعهم في ذلك عوامل كثيرة اختلطت فيها الدوافع الوطنية الصادقة ، والدوافع الدينية والاجتماعية من أجل أداء الواجب من جهة ومن أجل الخلاص من أوضاعهم المادية البائسة من جهة أخرى.
كل هذه الدوافع ترابطت معاً في إطار أخلاقي ، مضمونه النخوة والتعاون والصدق والإخلاص والشجاعة والوفاء والإيثار والتضحية بلا حدود.
في حين لم يكن كبار الملاك (الأفندية) سوى واجهة هشة تصدرت قيادة الحركة الوطنية ضمن آفاق محددة لم تكن تلتقي مع آفاق وتطلعات الجماهير الثورية الكادحة إلا في حدود معينة وبما لا يتناقض مع مصالحها الطبقية وعلاقاتها مع القوى العربية الرجعية وغيرها.
من هنا ، يمكننا تفسير العلاقات الاجتماعية في قرى وريف بلادنا ـ والوطن العربي عموما ـ التي عززت القيم الأخلاقية التي تعكس ذلك التماسك الاجتماعي في أوساطهم ، وفي هذا التماسك أو العلاقات الداخلية تعززت قيمة الأخلاق بمعناها الوطني والاجتماعي ولم تتوقف عند الأهداف النبيلة أو المثالية العامة فقط بل تم تأسيس وتبرير وسائل النشاط والعمل والتنظيم والمقاومة وشراء الأسلحة على حساب القوت اليومي بما حقق ذلك الترابط العفوي بين الأخلاق والسياسة.
بعكس كبار الملاك الذين كانت معظم مبادراتهم في العمل الوطني مرهونه بمدى ما تقدمه على صعيد المصالح الشخصية.
لقد فرضت النكبة ، متغيرات جديدة أدت إلى انهيار الأساس المادي للمجتمع الفلسطيني الذي أدى إلى تفسخ العلاقات الاجتماعية التقليدية ، خاصة بين اللاجئين الذين فرضت عليهم الظروف الجديدة ممارسة سلوكيات لم تستوعبها المفاهيم والقيم والعادات القديمة مثل: 
اضطرار المرأة للعمل والاستقلال النسبي للأبناء ، والبطالة ، والعمل في مهن جديد ، وقد أسهم كل ذلك في السنوات الأولى إلى خلق حالة من الاغتراب التي حملت معها بالإكراه مجموعة القيم الأخلاقية والسلوكية لم يعهدها" شعبنا من قبل : فالوضع البائس في المخيم ولد انسحاقا ثقيلا ماديا ومعنويا ، مثل الوقوف في طوابير لاستلام الإعانة ، الشعور بالدونية  وتفشي الأمراض.
فَتَولَّد لديهم شعور بالاغتراب الجماعي، حيث بات الخلاص بالنسبة لهم ليس تحسين الأوضاع الحياتية بل التخلص من علة هذا الوجود الجديد، لذلك رفضوا كل مشاريع الإسكان والتوطين حفاظا على هويتهم الوطنية الفلسطينية ، رغم محاولة الأردن دمجهم بالمعنى القانوني وطمس هويتهم الوطنية بكل الوسائل .
ما بعد 1948 / 1967 :
في هذه المرحلة نلاحظ تطور العلاقات الاجتماعية الاقتصادية في محاولة لبلورة مجتمع "طبقي" سواء في الأردن ، وفي قطاع غزة.
فقد تطورت في الضفة والقطاع  شريحة من البرجوازية التجارية الكومبرادورية في مناخ الانفتاح أو السوق الرأسمالي الذي كانت قوانينه سائدة في كل منهما.
ما بعد أوسلو : 1994-اليوم :  
كان الامل كبيرا لدى اوساط الشعب بعد وصول السلطة ، ولكن سرعان ما برزت عوامل من التراجع والانفصال بين السلطة والجماهير.
ويبدو ان الصراع السياسي في حالتنا الفلسطينية الراهنة ، يقترن بتصادم مبادئ اخلاقية تعبر عن مصالح طبقية قديمة وطارئة او مستحدثة تتعارض اليوم مع مصالح وتطلعات الشرائح الواسعة من فقراء شعبنا ، لكنها –عبر التراكم- ستنتقل في مرحلة تالية الى شكل من التناقض قد يأخذ في مساره طابعا حادا بعيدا عن شكل الصراع السياسي الديمقراطي المطلوب .
خاصة وأن المفاهيم الاخلاقية السيئة التي ترعرعت في مجتمعنا خلال سنوات ما بعد أوسلو عموماً وفي سنوات الانقسام خصوصاً، وابرزها ، الاتكالية او اللامبالاة ، غياب الشعور بالذنب عند هدر المال العام ، الرشوة والمحسوبيات ، الميل الى الاحباط او الاستسلام ، النفاق بكل صوره الاجتماعية والسياسية ، الخضوع ، ومظاهر البذخ غير المبررة او المشروعة، والشيزوفرانيا في العلاقات الاجتماعية او لدى بعض المسؤولين ، او سيادة منطق العشيرة او الحمولة ، وتراكم الخوف في صدور الناس ، وانتشار الجريمة بكل أنواعها.
ان هذه الصورة لم يكن ممكنا بروزها بهذه الحدة لولا التراجع المتزايد في مجتمعنا الفلسطيني الذي نشهده اليوم ، لدرجة ان الفرد، اصبح همه الانخراط في الحياة الاجتماعية لتأمين مصلحته العائلية الخاصة والمحافظة على سلامته انسجاما مع القول العربي المأثور "امش الحيط الحيط".
ان النتيجة الحتمية لهذا المسار الاجتماعي الفلسطيني في هذه المرحلة، تقضي بأن تحل روح الخضوع محل روح الاقتحام وروح المكر محل روح الشجاعة وروح التراجع محل روح المبادرة وروح الاستسلام محل روح المقاومة ، وتبعا لذلك فان "القوي المسيطر لا يواجهونه مواجهة مباشرة ، بل يستعينون بالله عليه ، كما في القول "اليد التي لا تستطيع كسرها بوسها وادعي عليها بالكسر" ففي حالة الاحباط والانحطاط تصبح مقاومة الظلم لا فائدة منها كما في القول المأثور "العين ما بتقاوم المخرز" او المخرز حامي والكف طري" ، فقط المواجهة تكون مع الاضعف، وحين تسود هذه الخصائص او السلوكيات، فان القوي يأكل الضعيف بغير حق في معظم الاحوال .
فاذا كانت هذه الخصائص او السلوكيات من سمات المجتمعات المغرقة في تخلفها ، والتي لا تعرف معنى المستقبل سوى في الحاضر وملذاته ، بمثل تجاهلها للمصالح العامة لحساب المنافع الشخصية الباذخة والمترفة .. فهل نحن كذلك ؟ اسألكم ؟ فان كان جوابكم لا .. لسنا كذلك .. فلماذا هذا الصمت على الانقسام والاستبداد من حكومتي فتح وحماس غير الشرعيتين؟
إن تشخيصينا لملامح التحول والتغير للبنية الاجتماعية في الضفة وقطاع غزة ما بعد قيام السلطة، ثم على أثر الانقسام والحصار العدواني الإسرائيلي، اظهر مجموعة من الحقائق والمؤشرات:
1.      نشوء شريحة بيروقراطية- كمبرادورية نافذة في القرار السياسي ومرتهنة بالتمويل الأمريكي الأوروبي ومتساوقة مع الرؤية السياسية الإسرائيلية بهذا القدر أو ذاك.
2.      تزايد مظاهر الانحطاط السائد في المجتمع الفلسطيني، بسبب التبعية والتخلف والفقر وانسداد الأفق السياسي.
3.      تميز التطور الاجتماعي في شكله وجوهره، بطابع تراكمي كمي مشوه، بحيث لم يستطع أن يفرز بوضوح ملموس أية أطر تنويرية أو ليبرالية، فكرية، أو ثقافية معاصرة، وبقيت القيم والأفكار القديمة والتقليدية الموروثة سائدة في أوساط الوعي الاعتيادي (العفوي) للجماهير.
4.      بروز المؤشرات السلبية الخطيرة على العاطلين عن العمل بسبب فقدانهم للأمن الاجتماعي ونظرتهم السوداوية وفقدانهم الثقة بالآخرين واضطرابهم النفسي والسلوكي وتزايد حدة توترهم العائلي ورغبتهم في الانتقام، وما يؤدي إليه كل ذلك من تراجع القيم الأخلاقية والتربوية في الأسرة وتدهور العلاقة بين الأب والأبناء مع تزايد حالة الاكتئاب النفسي.
5.      تزايد انتشار البطالة في أوساط الشباب أدى إلى السرقات والجرائم وانتشار المخدرات بكل أنواعها (الحشيش والبانجو والهروين وحبوب الاترمال وغير ذلك) والانحرافات الأخلاقية والاجتماعية والأمنية التي أدت إلى الإخلال بالأمن الاجتماعي، إلى جانب سعي القسم الأكبر من الشباب للهجرة إلى الخارج هروباً من هذا الواقع.
6.     في ضوء تكريس الانقسام وتفكك النظام السياسي، تسود مجتمعنا اليوم سلوكيات أنانية تتسم بالراهنية والتركيز على حل قضايا الأجل القصير دون أن تعطي الاهتمام المطلوب لقضايا المستقبل، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال تفاقم مظاهر التخلف الاجتماعي، وتراجع العلاقات القائمة على أساس المشروع الوطني والتعددية الديمقراطية لحساب قيم النفاق والإحباط والقيم الانتهازية والمصالح الشخصية بدلا من قيم التكافل والتضامن والمقاومة .
7.    نتيجة تراكمات السنوات الخمسة عشر الماضية، تسود مجتمعنا اليوم، خاصة بعد الانقسام بين "شرعيتين" متصارعتين في الضفة والقطاع وما أدى اليه من مظاهر القلق والإحباط واليأس، سلوكية أنانية تتسم بالراهنية أو اللحظة، تهتم بحل القضايا الحياتية الانية على حساب القضايا الوطنية الكبرى، فمع تزايد تلك المظاهر إلى جانب التخلف الاجتماعي، تراجعت العلاقات القائمة على أساس المشروع الوطني والعمل الحزبي المنظم – وتراجع دور الأحزاب الوطنية عموما واليسارية خصوصا– لحساب مشاعر الإحباط والقلق والتذمر واليأس السائدة في الأوساط الشعبية التي لم تعد تحرص على المشاركة في العمل السياسي من منطلق النضال التحرري والديمقراطي، واكتفت بالمشاركة في هذا العمل عبر الالتحاق أو التواصل مع احد القطبين، ارتباطاً بتأمين لقمة العيش والمصالح الخاصة وما تفرضه هذه العلاقة من دفاع هذه الأوساط الشعبية عن سياسات وممارسات القطب الذي تنتمي إليه في الضفة أو في قطاع غزة، ما يعني اننا نعيش حالة من الانحطاط عنوانها سيادة وانتشار قيم النفاق والإحباط بدلا من قيم التكافل والتضامن والصمود والمقاومة.
إن مسيرة النضال الفلسطيني قد انتقلت من حالة الأزمة التي بدأت منذ أكثر من ثلاثة عقود، إلى حالة المأزق الذي يصيب اليوم بنيانها وقيادتها وفكرها السياسي، وهو مأزق حاد يحمل في طياته مخاطر أشد خطورة من كل المحطات المأزومة السابقة، خاصة في ظل انفجار الصراع الدموي بين حركتي فتح وحماس (حزيران 2007) وصولاً إلى الانقسام الذي مضى عليه عشر سنوات عجاف غامرة بالهبوط والاستبداد وبالاحباط واليأس واستمرار الصراع على المصالح الفئوية بين فتح وحماس، تفككت أوصال المجتمع الفلسطيني، الذي يبدو أنه ينقسم اليوم إلى مجتمعين أحدهما في الضفة والآخر في قطاع غزة، ناهيكم عن عزلتهما عن أبناء شعبنا في الشتات والمنافي.
السؤال : هل بات عنوان المرحلة الراهنة اليوم هو : الانتقال من التسوية الى التصفية للقضية الفلسطينية ؟ في ظل استمرار تراجع القوى الوطنية الفلسطينية والعربية(بمختلف الوانها واطيافها) ، وفي ظل استمرار الانقسام والصراع على المصالح الفئوية بين فتح وحماس في ظروف دولية وعربية واقليمية أفقدت الفلسطينيين بوصلتهم وأضعفت قيمهم وقدرتهم على فرض رؤيتهم وقرارهم الوطني من اجل الحرية والاستقلال والعودة.
وفي هذا السياق، أشير إلى أن الشرائح الرأسمالية التابعة والرّثة بكل مسمياتها ، هي محل منافسة بين حكومتي رام الله وحماس، حيث تسعى كل منهما إلى استثارة المتنفذين فيها ، وإرضائهم عبر تأكيد حرص كل من الحكومتين –غير الشرعيتين- على مصالحهما، وهو أمر غير مستغرب انطلاقاً من التزام الحكومتين بقواعد وأسس النظام الرأسمالي والسوق الحر، وعند هذه النقطة يمكن تفسير صراعهما على السلطة والمصالح دون إيلاء الاهمية المطلوبة في معالجة الظواهر الاجتماعية الداخلية المتفاقمة، التي تتجسد في اتساع الفجوة –بصورة غير مسبوقة- بين 5% من الشرائح الاجتماعية الرأسمالية العليا، وبين 95% من الشرائح الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة في بلادنا، ما يعني تغيّر شكل وترتيب أنساق القيم المجتمعية، بحيث باتت قيم الثروة والثراء والأنانية والانتهازية وثقافة الاستهلاك الكمالي الباذخ، والاستهلاك التفاخري، مظهراً رئيسياً –غير مسبوق- لنمط حياة هذه الشرائح "العليا" في الضفة عموماً وقطاع غزة خصوصاً عبر مئات الفيلل والشاليهات الخاصة وبرك السباحة والمطاعم السياحية الفاخرة التي لم يكن ممكناً انتشارها بدون تراكمات الثروة الطفيلية الهائلة.
إن هذا الوضع، يؤكد على أن شعبنا الفلسطيني، يبدو اليوم أنه ينقسم ويتشظى اليوم إلى عدة مجتمعات متناثرة مجزأة ، الضفة في واد وغزة في واد آخر ومخيمات الشتات في وديان العرب و اراضي 1948 في واد، لا يجمعها موقف او برنامج سياسي موحد ، بحيثُ يمكن الاستنتاج ، أن ممارسات كل من فتح وحماس ، ستعززُ عوامل الانفضاض الجماهيري عنهما وصولاً إلى حالةٍ غير مسبوقةٍ من الإحباط واليأس ، كما هو حال قطاعات واسعة من شعبنا اليوم في قطاع غزة على وجه الخصوص.
في ضوء ذلك فلن يكون من المستغرب أن تحتل قيم الانحطاط والفساد والواقعية المستسلمة والتكالب على الثروة غير المشروعة قمة هرم القيم ، في حين تأتي قيم الثورة والمقاومة والديمقراطية والتكافل والدافعية الوطنية في أسفل سلم القيم، وهي أوضاع غير مستغربة مع تزايد أعداد أصحاب الملايين من تجار السوق السوداء والمهربين ، وتجار العقارات والكومبرادور والمضاربين إلى أكثر من 600 مليونير في قطاع غزة ، وأكثر من هذا العدد في الضفة الغربية ، وهذه ظاهرة –مفارقة- تستدعي المزيد من التحليل إرتباطاً بحالة الهبوط والتردي السياسي والمجتمعي السائدة اليوم في أوساط الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات .
"بكلمة موجزة إن انتهاك النظام الأخلاقي، الذي كان آخذاً في التشكل، هو انتهاك العقد الاجتماعي الذي كان آخذاً في التشكل، أي انتهاك لمبدأ كلية المجتمع وعمومية الدولة أو السلطة وقوانينها المعتمدة ديمقراطياً، فالامتيازات حلت محل الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وإرادة الحزب أو الحركة حلت محل الإرادة العامة التي يجسدها القانون، ذلك هو أساس الانحطاط الأخلاقي.
"المسألة، كما تبدو لنا، ليست مسألة عيوب أخلاقية في الأشخاص، بل مسألة عيوب أخلاقية في النظام الذي ينتج العيوب الأخلاقية، ويهدر الكرامة الإنسانية، ولا يقوى ولا يستمر إلا بقدر ما يدمر ذاتية الأفراد وحريتهم واستقلالهم، وبقدر ما يهين كرامتهم ويلغي الشخص القانوني (المواطن) في كل منهم ثم الشخص الأخلاقي، لأنه قائم على التبعية والاستزلام والوشاية والكيد والانتقام، وعلى ولاءات أخرى ما قبل وطنية (عائلية ومناطقية .. إلخ).
لذلك كانت النزاهة والاستقامة واحترام الذات والحرص على المال العام والشأن العام والعمل بمقتضى القانون محنة على أصحابها".
والخروج من هذا الوضع البائس تبدأ بإعادة الاعتبار للقانون الوضعي العام، أو القانون الأساسي الذي يسري على الحاكمين والمحكومين بلا استثناء ولا تمييز. 
فالقانون الأساسي بالنسبة لنا في فلسطين هو قيمة أخلاقية في ذاته، ونظام عام لإنتاج القيم الأخلاقية في الوقت عينه، وهو دستورنا المؤقت ، المعبر عن ماهية النظام الفلسطيني الديمقراطي.
هنا تجدر الإشارة إلى أن الديمقراطية التي ننشد هي ديمقراطية إنسانية ينمو فيها العنصر الأخلاقي / الإنساني طرداً مع نمو العدالة الاجتماعية، فالعدالة هي التجسيد العملي للمساواة.
لكن الديمقراطية عندنا بدلاً من أن تكون مهداً للتغيير التحرري والديمقراطي باتت في ظل الانقسام لحداً أو قبراً للتغير المنشوذ.
خلاصة القول أن كل الأحاديث عن الأخلاق والفضيلة والواجب بدون تحديد وبدون مضمون سياسي واجتماعي وبدون الاستعداد للفعل من أجل تغيير العلاقات التي تولد كل أشكال الهبوط الأخلاقي من نوع: الكذب والنفاق والنهب والسمسرة واستغلال الآخرين... وتحويل الإنسان والجسد والجمال وحتى الأخلاق إلى سلع بقيم تبادلية وفق قوانين السوق الوحشية (الشاطر يكسب).. فإن كل اللغو عن الأخلاق هو مجرد وسيلة لتكريس الواقع... لا أكثر". 
وإذا كان الحديث عن فساد واستبداد وتخلف الأنظمة العربية يثير الأسف، فإنّ الحديث عن تكرس الانقسام والصراع التناحري على السلطة والمحاصصة بين فتح وحماس على الصعيد الفلسطيني، تثير الحزن والأسى بقدر ما يتوجب أن تثير في نفوس وعقول أبناء شعبنا كل نوازع التحدي والمقاومة لتغيير هذا الواقع صوب نظام سياسي فلسطيني تحرري وديمقراطي.

غازي الصوراني

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر